الجمعة، 22 يونيو 2018

المشاركة رقم 11. أخطار التأويل علي الشريعة الإسلامية


بسم الله الرحمان الرحيم
- مفهوم التأويل:
- التأويل لغة:
قال الجوهري في "الصحاح" (4/1627) في مادة (أ و ل): "التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشئ، و قد أولته و تأولته بمعنىً. و منه قول الأعشى:
تأََوَّلُ ربعيّ السقاب فأصحبا === على أنها كانت تَأَوُّلُ حبِّها
قال أبو عبيدة: يعني تأول حبها، أي تفسيره و مرجعه، أي إنه كان صغيرًا في قلبه فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى صار كبيرًا مثل أمه و صار له ابن يصحبه". و قال ابن فارس، رحمه الله تعالى، في "معجم مقاييس اللغة" (1/159- بتحقيق عبد السلام هارون): " و آل يؤول أي رجع. قال يعقوب:يقال" أول الحكم إلى أهله" أي أرجعه و رده إليهم. قال الأعشى:
أأول الحكم إلى أهله قال الخليل: آل اللبن يؤول أَوْلاً و أَوُولاً: خثُر. و كذلك النبات. قال أبو حاثم: آل اللبنُ على الإصبع، و ذلك أن يروب فإذا جعلت فيه الإصبع قيل آل عليها. و آل القطران إذا خثر، و آل جسم الرجل إذا نحف، و هو من الباب، لأنه يحور و يحرى، أي يرجع إلى تلك الحال. و الإيالة السياسة من هذا الباب لأن مرجع الرعية إلى راعيها. قال الأصمعي: آل الرجل رعيته يؤولها إذا أحسن لسياستها." حتى قال (1/162) :" و من هذا الباب تأويل الكلام، و هو عاقبته و ما يؤول إليه، و ذلك قوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلهُ) (الأعراف:53). يقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم و نشورهم".
و قد أطال ابن منظور - رحمه الله تعالى - النفس في بيان معنى هذه الكلمة في " لسان العرب " و لولا خوف الإطالة لنقلت منه، إلا أن كلامه يؤول إلى ما سبق نقله، و بالله التوفيق.
- التأويل اصطلاحًا:
و المقصود بـ (اصطلاحًا) إذا أطلقت بحسب العلم الذي نتكلم فيه هو ما اصطلح عليه أهل ذلك العلم فيما بينهم تحديدًا له كما قال الناظم:
الحدُّ و الموضوعُ ثمَّ الثمرة === إنَّ مباديْ كلِّ علمٍ عَشَرَةْ
فتعريف التأويل اصطلاحًا هو حده عند أهل الأصول و معهم علماء الكلام كذلك.
- قال إمام الحرمين الجويني - رحمه الله تعالى - في " البرهان " (1/511 . تحقيق الديب):" التأويل: رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول ".
- و قال أبو الحسن الآمدي - رحمه الله تعالى - في " الإحكام في أصول الأحكام " (3/48): " قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر ".ثم انتقد هذا التعريف و رجح أن التأويل: " من حيث هو تأويل، مع قطع النظر عن الصحة و البطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتمال له، بدليل يعضده " .
- و لعَلَّ أوضح تعريف له هو تعريف أبي محمد يوسف ابن الحافظ أبي الفرج بن الجوزي - رحمهما الله تعالى - في كتابه " الإيضاح لقوانين الاصطلاح " (ص.20 بتحقيق السدلان)، قال: " التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ".
- و باقي تعريفات أئمة الأصول و الكلام متقاربة، إذ كلهم يحومون حول معنى واحد. لكن ههنا أمر هام أحب أن أذكره، نبه عليه الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - قال في " مجموع الفتاوى " (4/68): " ...لفظ التأويل قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاثة معان:
- أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام و إن وافق ظاهره، و هذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب و السنة. كقوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلهُ * يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) (الأعراف: 52)، ومنه قول عائشة: " كان رسول الله ( يكثر أن يقول في ركوعه و سجوده: سبحانك الله ربنا ولك الحمد، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن"( رواه البخاري (817)).
- والثاني: يراد بلفظ التأويل: التفسير، و هو اصطلاح كثيرمن المفسرين. و لهذا قال مجاهد- إمام أهل التفسير - إن ( الراسخين في العلم ) يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره و بيان معانيه، و هذا مما يعلمه الراسخون.
- والثالث: أن يراد بلفظ ( التأويل ) صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك. و هذا التأويل لا يكون إلاَّ مخالفًا لما يدل عليه اللفظ و يبينه. و تسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمّى هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه و أصوله و الكلام، وظن هؤلاء أن قوله تعالى: ( و ما يعلم تأويله إلاَّ الله ) (آل عمران: 7)، يراد به هذا المعنى، ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين ...إلخ "( راجع نفس الموضوع في " مجموع الفتاوى " (5/35 و13/284).).
- التَّأويل عِنْدَ علمَاء الأصُول:
الكلام في التأويل عند علماء الأصول يتطلب الكلام في نقطتين رئيسيتين:
1- مجال التأويل:
قرر الأصوليون أنه لا يصوغ الاجتهاد في مورد النص المفسر أو القطعي و التأويل ضرب من الاجتهاد. و عليه فلا يجوز تأويل ( القطعيات )، لأن الشارع - عز و جل - عندما حدد مراده بنص صريح قاطع إنما قصد إلى استبعاده من أن يكون مَثارًا للاجتهاد و التأويل لما يأتي:
- إما لكون النص يتعلق بحقائق ثابتة، كما في العقائد.
- و إما لكونه يتعلق بمصلحة جوهرية ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة و الأمكنة، كالفرائض الميراثية أو العقوبات النصية على الجرائم.
- و إما لكونه يقرر قاعدة ترسم منهجًا تشريعيًا في الاجتهاد، لأن القاعدة يجب أن تكون حاكمة على الأحكام التكليفية في الشريعة كلها.
- و إما لكون النص الصريح القاطع يتعلق بأمهات الفضائل و أصول الأخلاق( المناهج الأصولية (ص. 165 - 166) للدكتور الدريني).
و على ذلك نفهم أن مجال التأويل هو النصوص المحتملة و هي ما يسمى عند الأحناف بـ "الظاهر و النص".
2- أنواع التأويل عند الأصوليين:
قال السبكي - رحمه الله تعالى - في " جمع الجوامع " ( ص 88 و معه حاشية الصبان وغيره ): " فإن حمل لدليل فصحيح، أو لما يظنه دليلاً ففاسد، أو لا لشئ فلعب لا تأويل "اه.
فأفاد كلامه هذا، و مثله ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في " المستصفى " ( ص.197 ) أن حمل النص على غير الظاهر إذا كان لدليل استدعى ذلك - و هو القرينة المرجحة - كان التأويل صحيحًا لا شئ فيه، بل في بعض الحالات يصبح ضروريًا لا محيد عنه. أما إذا كان لدليل ضعيف لا يظهر له وجه فهو ضعيف إذ لا يلجأ الفقيه إلى عدم الأخذ بظاهر نص إلاَّ لدليل قوي يحوجه إلى ذلك. أمّا إذا كان لا لدليل فهو هوىً، و قد اشتد نكير أهل العلم على أهل الأهواء لأن فعلهم دهليز إلى الكفر.
- اتجاهاتهم العلماء في مقدار الأخذ بالتأويل:
بعدما اتفق الأصوليين والفقهاء على وجوب الجمع و التأويل بين الأدلة المختلفة في بادئ الرأي اختلفت اتجاهاتهم في مقدار الأخذ بذلك و الرفض له ، فمنهم المتساهل الذي يقبل كل أنواع الجمع و لو بتأويل بعيد، و منهم المتشدد فلا يقبل إلاَّ التأويل القريب، وله في ذلك شروط كثيرة لقبوله، و منهم المتوسط بين ذلك. فتبين أنهم ثلاثة اتجاهات:
- الأول: و هو المتساهل؛ و هذا مذهب جماعة من أهل الحديث، و منهم الظاهرية، و حجتهم في ذلك هو أنه لا تعارض في نصوص الشرع مع وجوب الأخذ بها كلها دون إهدار شئ منها. فإذا لم يكن أمامهم إلاَّ التأويل البعيد سلكوه بشرط ألاَّ يكون بحيث يخرج به الأدلة المتوافقة عن روح الشرع، و لا يكون خارقًا لإجماع الأمة.
- الثاني: المتشدد في ذلك؛ و هو مذهب أهل الرأي و منهم الأحناف،و بعض الشافعية و الإمام مالك - رحمه الله تعالى - و بعض أصحاب الحديث.
و هذا جعلهم يردون أحاديث كثيرة صحيحة لأنها خالفت في نظرهم نصوصًا قطعية من قرآن أو سنة متواثرة أو قياس أو عمل أهل المدينة الذي هو من أصول مالك - رحمه الله تعالى - إلى غير ذلك.
- الثالث: المتوسط في الأخذ بالتأويل؛ و هذا مذهب الجمهور من المفسرين و المحدثين و جمهور الشافعية و الحنابلة و بعض الظاهرية. فلم يرفضوا جميع التأويلات القريبة و البعيدة، و لم يقبلوا كل ذلك بلا قيد و لا شرط، بل قبلوا ما كان صحيحًا متلائمًا مع روح الشرع، و رفضوا الباطل غير المتوافق مع ذلك.
و لذلك فإنهم اشترطوا شروطًا للأخذ بالتأويل، منها ما هو محل اتفاق بينهم، و منها ما فيه خلاف.
- شروطً التأويل:
- الشرط الأول تحقيق التعارض و ذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا:
فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف من مرسل أو شاذ أو منكر لا يعارضه حديث صحيح الإسناد و المتن. فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف و بقي الصحيح القوي.
- الشرط الثاني ألا يؤدي الجمع بالتأويل إلى بطلان نص من النصوص أو جزء منه:
و مثاله في قوله تعالى: ( و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم إلى الكعبين ) ( المائدة:6)، قرئت ( أَرْجُلَكُمْ ) بفتح اللآم و ( أَرْجُلِكُمْ ) بكسرها. فحمل الشيعة قراءة الكسر على العطف على ( رُؤُوسِكُمْ )، بمعنى أنه يجزئ مسح الرجل في الوضوء. و هذا الحمل فيه محظوران:
- الأول: أنه يهدر كل الأحاديث الموجبة لغسل الأرجل، و أصرحها حديث: " ويل للأعقاب من النار "( صحيح البخاري (1/73)، صحيح مسلم (1/213).
- الثاني: أنه باتفاق الناس لا يجب مسح جميع الرجل إلى الكعب فيكون قيد الكعب لا فائدة من إيراده، و هذا ما ينزه عنه كلام الله جل و عز( راجع " نيل الأوطار " للشوكاني (1/197) و " المجموع " للنووي (1/458)).
- الشرط الثالث أن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل:
بأن يكون محتملاً لذلك بوضعه اللغوي و لو احتمالاً بعيدًا. و اللفظ القابل للتأويل هو الظاهر و النص عند أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - و هو الظاهر عند غيرهم. مثال ذلك قوله تعالى: ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) ( البقرة: 228). فالمطلقات لفظ عام يتناول الزوجة المدخول بها و الصغيرة و المحتاضة و الآيسة و الحامل و غيرها. و الأصل أن العام يشمل كل أفراده لكن جاءت نصوص صرفت هذا العموم عن ذلك و منها قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) ( الأحزاب: 49). فخرج بهذا النص الزوجة الغير مدخول بها.
و قال تعالى: ( و اللآئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر و اللآئي لم يحضن و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) ( الطلاق: 4) فخرج من هذه الآية الصغيرة و الآيسة و الحامل. و هذا التخصيص نوع من أنواع التأويل، لأن الأصل إعمال العموم لكن لدليل راجح لم نعمله في كل الأفراد.
و هذا المثال من تخصيص العموم، يمكن ان نقول مثله في تقييد المطلق و في صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب و صرف اللفظ من مدلوله الحقيقي إلى المجازي، و تعيين أحد معنيي المشترك و هذا مذهب جماعة من الحنفية كالسرخسي و عبد العزيز البخاري. و خالفهم غيرهم (انظر" تيسير التحرير " (3/461)، " أصول السرخسي " (1/127) و " كشف الأسرار " (1/44)).
- الشرط الرابع أن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و لو باحتمال مرجوح وإلاَّ كان التأويل فاسدًا:
و على ذلك فيجب أن يوافق المعنى أحد الاستدلالات التالية:
1- الوضع اللغوي: فالصلاة هي الدعاء و الزكاة هي التطهير و الصوم الإمساك مطلقًا.
2- الحقيقة الشرعية: و هو الاستعمال الذي وضعه الشارع لهذه الكلمة. فيجوز صرف الكلمة لهذا المعنى دون المعنى اللغوي. بل نصوص الشرع في أصلها لا تحمل إلاَّ الحقيقة الشرعية حتى يأتي ما يرجح غير ذلك.
3- الحقيقة العرفية: و هي عامة كاستعمال الدابة لذوات الأربع و الغائط لما يخرج من الإنسان و هو مستقذر!
و خاصة و هي مثل حركات الإعراب عند النحاة و اصطلاح سائر الفنون من فقه و حديث و غيرها. فيجوز صرف اللفظ عن ظاهره لهذه المعاني العرفية، عامة كانت أم خاصة.
- الشرط الخامس أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره. و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر:
و هذا الشرط هام و إلاَّ جنحنا إلى الأخذ بالرأي المجرد و الهوى الذي ذمه الله و رسوله و السلف رضوان الله تعالى عليهم.
و هذه الأدلة التي يصلح أن تكون مرجحًا هي أحد هذه التالية:
1- نص من كتاب أو سنة: مثاله قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة و الدم.) ( المائدة:3).فهذا يقتضي تحريم كل شىء من الميتة حتى جلدها، لكنه لما أخرج مسلم في " صحيحه " ( رقم 363 من كتاب الحيض) أن النبي ( قال في شاة ميمونة رضي الله عنها التي ماتت فجرُّوها ليرموها: " ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا إنها ميتة، فقال: إنما حرم من الميتة أكلها" فهذا صرف العموم في الآية عن ظاهره.
2- الإجماع: و شرطه أن يكون إجماعًا متيقنًا صحيحًا لا موهومًا يرفع المخالف في وجه العامل بالسنة بجهل منه. و مثاله قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعووا إلى ذكر الله وذروا البيع.) ( الجمعة: 9). فهذه الآية ظاهرها أنها تعم الرجال و النساء و العبيد و الأطفال. لكن الإجماع أخرج غير الرجال البالغين من عموم النص.
3- القياس: و هو موضع خلاف بين أهل العلم. و منهم من اشترط أن يكون جليًّا، و هذا كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإن الفارق بينهما لا تأثير له.
4- حكمة التشريع و مبادئه العامة: و هذه النقطة يجب أن يقف عندها الفقيه طويلاً حتى لا يرد نصوص الشرع بالهوى. و الله أعلم.
- الشرط السادس أهلية الناظر للتأويل. و ذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر:
وإلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم و الله عز و جل يقول: (و لا. تقف ما ليس لك به علم ) ( الإسراء: 36).
و شروط جواز النظر و الاجتهاد مجموعة( راجع للتوسع " إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد " للصنعاني. و " القول المفيد في أدلة الاجتهاد و التقليد" للإمام الشوكاني ). أهمها العلم بكتاب الله تعالى، و المقصود أنه يعلم آيات الأحكام و يفهمها. و لا يشترط أن يكون حافظًا لها. ثم العلم بالسنة النبوية المطهرة، و ذلك بمعرفة أحاديث الأحكام و استحضارها و تمييز صحيحها من سقيمها و ناسخها من منسوخها و أيضًا عليه أن يعرف مواطن الإجماع المعتبر الذي يدان الله تعالى به. لا الإجماع الموهوم الذي غايته عدم العلم بالمخالف، و أيضًا يجب عليه ان يعرف مواطن الخلاف فلا يشذ بقول يخالف المتقدمين و المتأخرين. قال أحمد رحمه الله تعالى: " لا تقل قولاً إلاَّ ولك فيه إمام ".
هذا و عليه أن يكون ملمًّا بعلم أصول الفقه فإنه مفتاح الاجتهاد و أداته، و بغيره يخبط الباحث الناظر خبط عشواء. و مثله التفقه في اللغة العربية و معرفة معانيها جيدًا، فإن أغلب التأويلات الفاسدة ما جاءت إلاَّ من العجمة.
و يجب معرفة مقاصد الشريعة، و هذا هو مأخذ أئمة الإسلام على الظاهرية نفاة العلل فإنهم جعلوا الدين أحكامًا لا حكمة و لا علة لها، و هذا يتنزه عنه الحكيم العليم جل و علا.
و يحسن أن يكون المجتهد الناظر سليم الاعتقاد عدلاً ورعًا، و إلاَّ فقدت الثقة به و بكلامه.
- الشرط السابع عدم معارضة التأويل لنص صريح قطعي: و قد تقدم معنى هذا.
- أقسام التأويل:
للتأويل ثلاثة أقسام:
1- قريب يكفي فيه أدنى مرجح:
كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...) ( المائدة:6). فقد أول القيام هنا إلى إرادة الصلاة أو العزم عليها.
2- بعيد عن الفهم:
لا يترجح على الظاهر إلاَّ بأقوى منه و لا يكفي فيه أي دليل، بل لابد من دليل قوي يجعله تأويلاً سائغًا. و مثاله: قول النبي ( لغيلان الثقفي عندما أسلم عن عشر نسوة:"أمسك أربعًا و فارق سائرهن "(" سنن " أبي داود (2241) و الترمذي (1128) و هو في " مسند أحمد " (2/83) و في سنده كلام لكن الراجح أنه صحيح كما قال ابن حزم في " المحلى " و غيره). فقد أوَّل الحنفية الأمر بالإمساك باستيفاء الأربع الأُوَلِ إن كان الزواج أكثر من عقد، أو بابتداء الزواج بأربعة منهن إن كان في عقد واحد. و هذا لأنهم يقيسون أنكحة الكفَّار على أنكحة المسلمين. و في هذا نظر، إذ غيلان كان قريب عهد بإسلام. فأنَّى له بمعرفة أحكامه الشرعية. فالظاهر هو الاستدامة دون تجديد، و لو كان غير ذلك لبينه النبي (انظر" المستصفى " (ص.197) و " جمع الجوامع " مع حواشيه (ص.88)).
3- تأويل باطل متعذر:
و هو ما لا يحتمله اللفظ و مثاله تأويل الرافضة لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم.) ( المائدة:106).فقد أولوها بأن المراد من غير قبيلتكم. ذكره ابن حزم في " الإحكام " (3/309 ط. دار الكتب العلمية). ( ارجع في هذه المباحث الى بحث الدكتور مفيد أبو عشية " ضوابط التأويل عند الأصوليين " المنشور في مجلة " دراسات " ( مجلد 20/ ص. 192). و كتاب " التعارض و الترجيح بين الأدلة " (ص.213-236) تأليف عبد اللطيف البرزنجي).
- خطورة التأويل وآثاره المدمرة:
تكلم كثير من العلماء على جناية التأويل الباطل على الإسلام وأهله، بل جنايته على كل الأديان، وقد بين ابن القيم - رحمه الله تعالى- أن التأويل أصل خراب الدين والدنيا، فما اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وأعداء الإسلام سلطوا علينا بالتأويل، ودماء المسلمين إنما أريقت بالتأويل.
فاليهود والنصارى أبطلوا البشارات المصرحة بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بتأويل هذه البشارات وتبديلها وكتمانها.
ودين النصارى إنما أفسد بالتأويل.
وافتراق اليهود إلى أحدى وسبعين فرقة والنصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة وافتراق هذه الأمّة إلى ثلاثة وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل.
وما أريقت دماء المسلمين في يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير إلا بالتأويل.
وما دخل أعداء الإسلام من الفلاسفة والقرامطة والباطنية والإسماعلية والنصيرية إلا من باب التأويل.
وما أريقت دماء بني جذيمة إلا بالتأويل.
وما تأخر الصحابة يوم الحديبية عن موافقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى اشتد غضبه إلا بالتأويل.
وما سفك دم الأخيار: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، وحجر بن عدي، وسعيد بن جبير وغيرهم إلا بالتأويل.
وما جرد الإمام أحمد بين العقابين وضربه بالسياط غير التأويل.
وما سلط سيوف التتار على ديار الإسلام غير التأويل" [أعلام الموقعين: 4/317-319].
وقد لخص برهان مفاسد التأويل الفاسد بقوله: (ولم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد) [نقله عنه الزركشي في البحر المحيط:3/436].
- أن التأويل فتح لأهل الشرك والبدع لإفساد دين الله، يقول شارح الطحاوية مخاطباً أهل التأويل: (لقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سدّه، فإنكم إذا سوغتم صرف آيات القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟
فإن قلتم: ما دل الدليل القاطع على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه.
قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد.
ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى) [شرح العقيدة الطحاوية:236] وقد جعل المؤولة المنتسبون للإسلام للملاحدة سبيلاً عليهم، لأن الملاحدة ألزموا المؤولين في نصوص المعاد نظير ما ادعاه المؤولون في نصوص مصفات.
وحجة المؤولين في الرد على الملاحدة قولهم لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه.
- وأهل السنة يقولون لأهل التأويل: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ومن المعلوم أن مشرك العرب وغيرهم أنكروا المعاد بخلاف الصفات، وبذلك نعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وإن كان إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ [مجموع فتاوي شيخ الإسلام: 5/33].
فرماهم أهل السنة بمثل ما أجابوا به على الملاحدة مؤولي نصوص المعاد.
- والمؤولون الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الإسلام بزعمهم لم يستطيعوا أن يقفوا أمام باطل الملاحدة، لأنهم قعدوا قواعد باطلة نفذ الملاحدة عبرها إليهم وأضعفوا حججهم كما رأينا هذا ظاهراً في منهج التأويل الذي سلكوه ولذا قال علماؤنا في أهل التأويل: ( لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا) [المصدر السابق].
- التأويل يشوش القلوب، فإن القلوب تطمئن إلى معبودها إذا عرفته بصفاته وأسمائه، ووثقت بالنصوص التي تحدثنا عنه، فإذا أصبحت النصوص مجالاً للتأويل والأخذ والرد، فقدت هيبتها، وضعفت الثقة بها، وأدى ذلك إلى الجهل بالباري، وقد أبان شارح الطحاوية أن أحد المحذورين الذين يلزم من التأويل: (أن تتخلى القلوب عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ به العباد، وخاصة أن النبوة هي الإنباء، ولهذا نجد أن أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتقاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دلَّ عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه وهذا فتح باب الزندقة) [شرح العقيدة الطحاوية: ص 237].
مثال يبين خطورة التأويل
وقد ضرب ابن رشد - فيما نقله عنه ابن القيم- مثلاً للذين تأولوا شيئاً من القرآن، يبين مدى جنايتهم على هذا الدين. فقد مثل أوَّل شيئاً من الشرع زاعماً ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال طبيب ركَّب دواءً يحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم، فجاء رجل لم يلائم ذلك الدواء مزاجه لرداءة مزاج كان به، فزعم بعضهم أن تلك الأدوية التي ركب منها الدواء لم يرد بها ذلك الدواء. وإنما أراد بها دواءً آخر، فأزال ذلك الدواء، وجعل بدله دواءً آخر زعم أن الطبيب الأول قصده، فتابعه قوم أخذوا منه ذلك الدواء، ففسدت أمزجة كثير من الناس.
فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بدواء جديد غير الدواء الأول، فزاد المرض، ثم تتابع الذين تلاعبوا بذلك الدواء، وكلما غيروا في تركيب الدواء الأول ازدادت الأمراض وفساد الأمزجة، ولم يزل الأمر هكذا حتى فسدت منافع الدواء الأول. وهذه حال أصحاب التأويل، كل واحد منهم يؤول الشرع تأويلاً غير ما أوله غيره، زاعماً أن تأويله هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع، واختلط عند كثير من الناس في وسط ذلك الركام من الآراء والتأويلات، وأدى هذا إلى افتراق الأمّة واختلافها [أعلام الموقعين: 4/320]. ( انظرالتأويل عند أهل العلم للحسن بن علي الكتاني والتأويل خطورته وآثاره للدكتور عمر بن سليمان الأشقر).
والحمد لله رب العالمين
=====================
- فهرس الموضوعات:
- مفهوم التأويل.
- التَّأويل عِنْدَ علمَاء الأصُول.
- مجال التأويل.
- أنواع التأويل عند الأصوليين.
- اتجاهاتهم العلماء في مقدار الأخذ بالتأويل.
- شروطً التأويل.
- أقسام التأويل.
- خطورة التأويل وآثاره المدمرة.
- لائحة المصادر والمراجع:
- التأويل عند أهل العلم للحسن بن علي الكتاني.
- التأويل خطورته وآثاره للدكتور عمر بن سليمان الأشقر.
- الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبد الكافي السبكي.
- إحكام الفصول في أحكام الأصول لسليمان بن خلف الباجي تحقيق عبد المجيد تركي.
- الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن أحمد بن حزم الظاهري.
- الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي.
- إحياء علوم الدين لمحمد بن محمد الغزالي .
- أصول البزدوي لفخر الإسلام البزدوي ومعه شرح كشف الأسرار للبخاري ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي.
- أصول السرخسي لمحمد بن أحمد السرخسي تحقيق أبي الوفاء الأفغاني.
- أصول الفقه للشيخ محمد الخضري بك.
- أصول الفقه لمحمد رضا المظفر.
- البحر المحيط في أصول الفقه لمحمد بن بهادر الزركشي.
- البرهان في أصول الفقه لعبد الملك بن عبد الله الجويني تحقيق د. عبد العظيم الديب.
- البلبل في أصول الفقه لسليمان بن عبد القوي الطوفي.
- التبصرة في أصول الفقه لإبراهيم بن علي الشيرازي تحقيق د. محمد حسن هيتو.
- التمهيد في أصول الفقه . لمحفوظ بن أحمد الكلوذاني تحقيق د. مفيد أبو عمشة ، د. محمد بن علي بن إبراهيم .
- الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية.
- روضة الناظر وجنة المناظر لعبد الله بن أحمد بن قدامة تحقيق د. عبد الكريم بن علي النملة .
- شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق د. عبد الكريم عثمان .
- شرح تنفيح الفصول لأحمد بن إدريس القرافي تحقيق طه عبد الرؤوف سعد .
- شرح الكوكب المنير لمحمد بن أحمد الفتوحي تحقيق د. محمد الزحيلي و د. نزيه حماد .
- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لمحمد بن أبي بكر ابن القيم تحقيق د. علي بن محمد الدخيل الله .
- العدة في أصول الفقه لمحمد بن الحسين الفراء تحقيق د. أحمد بن علي المباركي.
- علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية الشيعي.
- فرائد الأصول لمرتضى الأنصاري الشيعي تحقيق عبد الله النوراني.
- فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لمحمد بن نظام الدين الأنصاري مطبوع مع المستصفى للغزالي.
- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز بن أحمد البخاري ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي.
- مجموع الفتاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع عبد الرحمن بن محمد العاصمي.
- المحصول في أصول الفقه لمحمد بن عمر الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني.
- المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق عمر السيد عزمي.
- المستصفى من علم الأصول لمحمد بن محمد الغزالي.
- مسلم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور مطبوع مع المستصفى للغزالي.
- المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ، جمعها شهاب الدين أبو العباس الحنبلي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
- معالم الدين وملاذ المجتهدين للحسن بن زين الدين العاملي الشيعي.
- المعتمد في أصول الفقه لمحمد بن علي البصري.
- المغني لعبد الجبار بن أحمد الهمداني.
- منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل لعثمان بن أبي بكر المقري ابن الحاجب.
- المنخول من تعليقات الأصول لمحمد بن محمد الغزالي تحقيق د. محمد حسن هيتو.
- الواضح في أصول الفقه لعلى بن عقيل البغدادي الحنبلي تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي.
- الوصول إلى الأصول لأحمد بن علي بن برهان البغدادي تحقيق د. عبد الحميد أبو زنيد.
وصلى الله وسلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق