الاثنين، 13 أغسطس 2018

2.قصص الانبياء 1 /153 -277/1




(1/153)
فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوما بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم.
ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال: " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ".
ولهذا قال تعالى: " إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم " أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون ؟ والله أعلم بما يفعلون.
" فارتقبهم " أي انتظر ما يكون من أمرهم " واصطبر " على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية.
" ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب مختضر ".
فلما طال عليهم [ هذا (1) ] الحال اجتمع مأوهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.
قال الله تعالى: " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ".
وكان الذى تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب.
وكان يقال إنه ولد زانية (2) ولد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له صيبان.
وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم (2).
وذكر ابن جرير وغيرهم من علماء المفسرين: أن امرأتين من ثمود
__________
(1) ليست في ا (2) ا: زنية.
(2) ط: إلى جميعهم كلهم.
(*)
(1/154)
اسم إحداهما " صدوق " (1) ابنة المحيا بن زهير بن المختار.
وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له " مصرع " بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة.
واسم الاخرى " عنيزة " بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم غنمة (2) وكانت عجوزا كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الاربع على قدار بن سالف، إن هو (3) عقر الناقة فله أي بناتها شاء، فانتدب (4) هذان الشابان لعقرها وسعوا في
قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة.
وهم المذكورون في قوله تعالى: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون "، وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك.
فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها " مصرع "، فرماها بسهم انتظم عظم (5) ساقها، وجاء النساء يذمرن (6) القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم [ في ذلك (7) ] فأسرعهم (8) قدار بن سالف، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض.
ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - فصعد جبلا منيعا ورغا (9) ثلاثا.
__________
(1) ا: صدوقة.
(2) ط: أم عثمان.
(3) ا: إن من عقر (4) افابتدر.
(5) ا: عضلة ساقها (6) يذمرن: يحضضن.
وفى المطبوعة: يزمرن.
محرفة (7) من ا.
(8) ط: فابتدرهم.
(9) ط: دعا.
وهو تحريف.
(*)
(1/155)
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي ؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها.
ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضا.
قال الله تعالى: " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر ".
وقال الله تعالى: " إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها " أي احذروها " فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها ".
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام (1) - أبو عروة - عن أبيه [ عن ] (2) عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذى عقرها فقال: " إذ انبعث أشقاها: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبى زمعة " أخرجاه من حديث هشام به.
عارم: أي شهم.
عزيز أي رئيس منيع: أي مطاع في قومه.
وقال [ محمد (3) ] بن إسحاق: حدثنى يزيد بن محمد بن خشيم، عن محمد ابن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى: " ألا أحدثك بأشقى الناس ؟ قال: بلى.
قال: رجلان [ أحهما ] (3) أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا على على هذا - يعنى قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعنى لحيته ".
رواه ابن أبى حاتم.
__________
(1) ط: هاشم.
(2) من ا.
(3) ليست في ا (*)
(1/156)
وقال تعالى: " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا يا صالح اثتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ".
فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهى الاكيد في عقر الناقة التى جعلها الله لهم آية.
ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين: أحدهما الشرط عليهم في قوله: " ولا تمسوها بسوه فيأخذكم عذاب قريب " وفى آية " عظيم " وفى الاخرى " أليم " والكل حق.
والثانى استعجالهم على ذلك.
ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذى قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علما جازما، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم.
قال الله تعالى: " فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ".
وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف، لعنه الله ; فعرقبها فسقطت إلى الارض، ثم ابتدرها بأسيافهم [ يقطعونها (1) ] فلما عاين ذلك سقبها - وهو ولدها - شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات (2).
فلهذا قال لهم صالح: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " أي غير
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: مرار.
(*)
(1/157)
يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الاكيد.
بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا - فيما يزعمون - أن يلحقوه بالناقة.
" قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله " أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم نجحدن (1) قتله ولننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: " ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون " * * * قال الله تعالى: " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعملون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون " (2).
وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح
حجارة رضختهم [ فأهلكهم (3) ] سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الاول من أيام (4) النظرة - ووجوههم مصفرة، كما أنذرهم صالح عليه السلام.
فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع -
__________
(1) ا: تجحد.
(2) الآيات: 49 - 53 من سورة النمل.
(3) سقطت من المطبوعة.
(4) ا: من أيامهم.
(*)
(1/158)
وهو يوم السبت - ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الاجل.
فلما كان صبيحة يوم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم ؟ ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.
فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم، ففاضت الارواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الاصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا (1) في دارهم جاثمين، جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها.
قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها " كلبة " بنت السلق - ويقال لها الذريعة - وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شئ، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وماحل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى: " كأن لم يغنوا فيها " أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء، " ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود " أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
* * * قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن
__________
(1) ا: أصبحوا (*)
(1/159)
عين بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعنى الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فمتعوا عن أمر ربهم فعقروها.
وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله [ بها (1) ] من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " فقالوا: من هو يا رسول الله (2) ؟ قال: [ هو (1) ] أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ".
وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة.
والله تعالى أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبى رغال، فقال: " أتدرون من هذا ؟ " قالوا: والله ورسوله أعلم.
قال: " هذا قبر أبى رغال ; رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب.
فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه
فاستخرجوا الغصن ".
قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف.
هذا مرسل من هذا الوجه.
__________
(1) ليست في ا (2) ا: يا رسول الله من هو
(1/160)
وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبى بجير، قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه.
فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن ".
وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحق به.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز.
قلت: تفرد به بجير بن أبى بجير هذا، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية.
قال شيخنا: فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه (1).
والله أعلم.
قلت: لكن في المرسل الذى قبله وفى حديث جابر أيضا شاهد له.
والله أعلم.
* * *
وقوله تعالى: " فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " إخبار عن صالح عليه السلام،
__________
(1) الزاملة: التى يحمل عليها من الايل وغيرها، وقد أصاب عبد الله بن عمرو بعض كتب أهل الكتاب، حمل زاملتين، فكان يحدث منها.
" م 11 - قصص الانبياء 1 " (*)
(1/161)
أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم: " يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم " أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكننى، وحرصت على ذلك بقولى وفعلى ونيتي.
" ولكن لا تحبون الناصحين " أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الاليم، المستمر بكم المتصل إلى الابد، وليس لى فيكم حيلة ولا لى بالدفع عنكم يدان.
والذى وجب على من أداء الرساله والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.
وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا " وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ".
فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا ؟ فقال: " والذى نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون ".
ويقال إن صالحا عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم جوادي عسفان [ حين حج قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال:
(1/162)
وادى عسفان (1) ] قال: " لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف، أزرقهم العباء، وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق ".
إسناد حسن.
وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام من رواية الطبراني، وفيه نوح وهود وإبراهيم.
ذكر مرور النبي صلى الله عليه وسلم بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا القدور، فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعفلوا العجين الابل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال (1) ]: " إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم ".
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: " لا تدخلوا على هؤلاء، المذبين إلا أن تكونوا
باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".
__________
(1) سقط من ا.
(*)
(1/163)
أخرجاه في الصحيحين من غير وجه.
وفى بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين.
وفى رواية: فإن لم تبكوا (1) فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم ".
صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هرون، حدثنا المسعودي، عن إسمعيل بن أوسط، عن محمد بن أبى كبشة الانباري عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد - رضى الله عنه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: " الصلاة جامعة ".
قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم عضب الله عليهم " فناداه رجل: نعجب منهم يا رسول الله ! قال: " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا ; فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتى قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ".
إسناد حسن ولم يخرجوه.
* * * وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون
__________
(1) ا: فإن لم تكونوا.
(*)
(1/164)
البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتا في الجبال.
وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذى كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك.
وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب.
فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه، فكانوا على ذلك دهرا طويلا.
وانقرض جيل وأتى جيل آخر.
فلما كان في بعض الاعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت آخر مثله في الرياسة، فزوجه، فولد بينهما عاقر الناقة، وهو قدار بن سالف.
فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم، فنشأ نشأة سريعة، فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر، حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم.
فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من أشرافهم، وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام.
فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة، بولغ ذلك صالحا عليه السلام، جاءهم باكيا عليها، فتلقوه يعتذرون إليه، ويقولون: إن هذا لم يقع من ملا منا.
وإنما فعل هذا هؤلاء الاحداث فينا.
فيقال إنه أمرهم باستدراك سقها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها، فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك، فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير، وبكى الفصيل حتى سالت دموعه.
ثم استقبل صالحا عليه السلام ورغا ثلاثا،
(1/165)
فعندها قال صالح: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب " وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا، ثم تحمر وجوههم في الثاني، وفى اليوم الثالث تسود وجوههم.
فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة، فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وفى بعض هذا السياق نظر ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(1/166)
قصة ابراهيم الخليل هو إبراهيم بن تارخ (1) " 250 " بن ناحور " 148 " بن ساروغ " 230 " بن راغو " 239 " ابن فالغ " 439 " بن عابر " 464 " (2) ابن شالح " 433 " بن أرفخشذ " 438 " (3) بن سام " 600 " بن نوح عليه السلام.
هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندى كما ذكروه [ من المدد ] (4) وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته.
وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة [ إبراهيم (4) ] الخليل من تاريخه عن إسحق بن بشر الكاهلى صاحب كتاب المبتدأ، أن اسم أم ابراهيم " أميلة ".
ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة.
وقال الكلبى: سمها " بونا " بنت كربتا بن كرثى، من بنى أرفخشذ بن سام بن نوح.
وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى " أبا الضيفان "
قالوا: ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، وتاحور وهاران، وولد لهاران " لوط ".
وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الاوسط، وأن هاران مات في
__________
(1) ط: تسارخ وهو تحريف.
(2) ا: 443 (3) ا: 893.
(4) ليست في ا.
(*)
(1/167)
حياة أبيه في أرضه التى ولد فيها، وهى أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل.
وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والاخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر، بعد ماروى من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق، في قرية يقال لها برزة، في جبل يقال له قاسيون.
ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل.
وإنما نسب إليه هذا المقام لانه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام.
قالوا: فتزوج إبراهيم سارة، وناحور " ملكا " ابنة هاران يعنون ابنة أخيه.
قالوا: وكانت سارة عاقرا لا تلد.
قالوا: وامنطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة.
وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهى أرض بابل وما والاها.
ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانين، وهى بلاد بيت المقدس،
فأقاموا بحران وهى أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا.
وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.
والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال.
ولهذا كان على كل باب
(1/168)
من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون لها أعيادا وقرابين.
وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والاصنام وكل من كان على وجه الارض كانوا كفارا، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام.
وكان الخليل عليه السلام هو الذى أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال ; فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره، قال الله تعالى: " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (1) ".
أي كان أهلا لذلك.
وقال تعالى: " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق، واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أو لم يروا كيف يبدى الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شئ قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه
تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء، ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير * والذين كفروا بآيات ولقائه أولئك يئسوا من
__________
(1) سورة الانبياء 58.
(*)
(1/169)
رحمتى وأولئك لم عذاب أليم " فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه، فأنجاه الله من النار، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض وبلعن بعضكم بعضا ; ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين (1) ".
ثم ذكر تعالى مناظرته لابيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
* * * وكان أول دعوته لابيه، وكان أبوه ممن يعبد الاصنام، لانه أحق الناس بإخلاص النصيحة [ له ] (2) كما قال تعالى: " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا * يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا أبت لاتعبد الشيطان إن الشيطان كان كان للرحمن عصيا * يا أبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا * قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى ; عسى
أن لا أكون بدعاء ربى شقيا " (3).
__________
(1) سورة العنكبوت 16 - 27.
(2) سقط من ا.
(3) سورة مريم 41 - 48 (*)
(1/170)
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة ; بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الاوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغنى عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ؟ ثم قال [ له ] (1) منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه: " يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا " أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا، يفضى بك إلى الخير في دنياك واخراك.
فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده [ وتوعده ] (2) قال: " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تنته لارجمنك " قيل بالمقال وقيل بالفعال.
" واهجرني مليا " أي واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له إبراهيم: " سلام عليك " أي لا يصلك منى مكروه ولا ينالك منى أذى، بل أنت سالم من ناحيتى.
وزاده خيرا فقال: " سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا ".
قال ابن عباس وغيره: أي لطيفا، يعنى في أن هداني لعبادته والاخلاص له.
ولهذا قال: " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى، عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا ".
__________
(1) من ا.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/171)
وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه [ كما قال تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ] (1) إن إبراهيم لاواه حليم " (2) وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنى أخى عبد الحميد، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصنى ؟ فيقول [ له (1) ] أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأى خزى أخزى من أبى الابعد ؟ فيقول الله: إنى حرمت الجنة على الكافرين.
ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك ؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ".
هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبى ذئب (3)، عن سعيد المقبرى، عن أبيه عن أبى هريرة.
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان به.
وقد رواه البزار عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) سقط من ا (2) سورة التوبة 214 (3) ط: ابن أبى ذؤيب محرفة.
(*)
(1/172)
بنحوه، وفى سياقه غرابة.
ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال تعالى: " وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ؟ إنى أراك وقومك في ضلال مبين " هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب، منهم ابن عباس، على أن اسم أبيه تارح.
وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، [ فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر ] (1).
وقال ابن جرير: والصواب أن اسمه آزر.
ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم.
وهذا الذى قاله محتمل.
والله أعلم.
* * * ثم قال تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القم بازغا قال هذا ربى، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين * وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا، وسع ربى كل شئ
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/173)
علما، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ؟ ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون ؟ * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون * وتلك حججتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (1) ".
وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للالوهية، ولا أن تعبد مع الله عزوجل، لانها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا لا إله إلا هو ولا رب سواه.
فبين لهم أولا عدم صلاحية الكواكب " لذلك (2) ] قيل هو الزهرة، ثم ترقى منها إلى القمر الذى هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التى هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى: " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إباه تعبدون " (3).
ولهذا قال: " فلما رأس الشمس بازغة " أي طالعة " قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين *
__________
(1) ليست في ا (2) ليست في ا (3) سورة فصلت 37 (*)
(1/174)
وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون
به إلا أن يشاء ربى شيئا، أي لست أبالى هذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لاهل حران، فإنهم كانوا يعبدونها.
وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا، كما ذكره ابن إسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق.
* * * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الاصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: " وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، ومأواكم النار ومالكم من ناصرين " وقال في سورة الانبياء: " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟ * قال بل ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدين * وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا
(1/175)
إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا
يا إبراهيم ؟ * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين " (1) وقال في سورة الشعراء: " واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون ؟ * أو ينفعونكم أو يضرون ؟ * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون * فإنهم عدولى إلا رب العالمين * الذى خلقني فهو يهدين * والذى هو يطعمنى ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذى يميتني ثم يحيين * والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين * رب هب لى حكما وألحقني بالصالحين " (2).
وقال تعالى في سورة الصافات: " وإن من شيعته لابراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون ؟ * أئفكا آلهة دون الله تريدون ؟ * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في
__________
(1) سورة الانبياء 51 - 70 (2) الآيات: 69 - 82.
(*)
(1/176)
النجوم، فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ؟ * مالكم لا تنطقون ؟ * فراغ عليهم ضربا باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون ؟ * والله خلقكم وما
تعملون * قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين " (1).
يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، أنه أنكر على قومه عبادة لاوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: " ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون " ؟ أي معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا: " وجدنا آباءنا لها عابدين ".
ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والاجداد، وما كانوا عليه من عبادة الانداد.
" قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " كما قال تعالى: " إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون * أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين ".
قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ؟ وقال لهم: " هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ؟ * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال.
ولهذا قال لهم: " أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الاقدمون ؟ * فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ".
__________
(1) الآيات: 83 - 98 (12 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/177)
وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الاصنام ; لانه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لاثرت فيه.
" قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من الاعبين ؟ " ويقولون: هذا
الكلام الذى تقوله لنا وتتنقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله (1) محقا جادا فيه أم لا عبا ؟ " قال بل ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين " يعنى بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو، ربكم ورب كل شئ، فاطر السموات والارض، الخالق لهما على غير مثال سبق.
فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله: " وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " أقسم ليكيدن هذه الاصنام التى يعبدونها يعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه.
وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم.
وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام (2) مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال إنى سقيم.
كما قال تعالى: " فنظر نظرة في النجوم * فقال إنى سقيم " عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونصرة دين الله الحق، وبطلان ما هم عليه من عبادة الاصنام التى تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الاهانة.
__________
(1) ا: تقوله (2) ا: عيد.
(*)
(1/178)
فلما خرجوا إلى عيدهم، واستقر هو في بلدهم " راغ إلى آلهتهم " أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا إليها فقال لها على سبيل التهكم والازدراء " ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين " لانها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده كما قال
تعالى: " فجعلهم جذاذا " أي حطاما، كسرها كلها " إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ".
قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار ! فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم " قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ".
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التى كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: " من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ".
" قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها.
وعلى قول ابن مسعود، أي يذكرهم بقوله: " وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ".
" قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون " أي في الملا الاكبر
(1/179)
على رءوس الاشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه.
وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الاصنام الحجة على بطلان ماهم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: " موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ".
* * * فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا
يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا ".
قيل معناه: هو الحامل لى على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " وتإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.
" فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون " أي فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا إنكم أنتم الظالمون.
أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها.
" ثم نكسوا على رؤوسهم ".
قال السدى: أي ثم رجعوا إلى الفتنة، فعلى هذا يكون قوله: " إنكم أنتم الظالمون " أي في عبادتها.
وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء.
أي فأطرقوا ثم قالوا: " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها !.
(1/180)
فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: " أفتعبدون من دون الله حالا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟ ".
كما قال: " فأقبلوا إليه يزفون " قال مجاهد: يسرعون.
قال: " أتعبدون ما تنحتون " أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون " والله خلقكم وما تعملون ".
وسواء كانت: " ما " مصدرية أو بمعنى الذى، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الاصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق
مثله ؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم.
وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم ; إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب (1) إلا للخالق وحده لا شريك له.
* * * " قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين ".
عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ماهم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله ; وأعلى كلمته ودينه وبرهانه.
كما قال تعالى: " قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين ".
__________
(1) ا: تجب ولا تصلح.
(*)
(1/181)
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الاماكن، فمكثوا مدة يجمعون له حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم.
ثم عمدوا إلى جوبة (2) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق (2) صنعه لهم رجل من الاكراد يقال له " هيزن " وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك
[ رب العالمين (3) ] لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك.
فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قالها إبراهيم حين القى في النار، وقالها محمد حين قيل له: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " الآية.
وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحق بن سليمان، عن أبى جعفر الرازي، عن عاصم ابن أبى النجود، عن أبى صالح عن
__________
(1) الجوبة: الحفرة (2) المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة في الحرب.
(3) ليست في ا.
(*)
(1/182)
أبى هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " لما ألقى إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الارض واحد أعبدك ! ".
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: [ يا إبراهيم (1) ] ألك حاجة ؟ فقال: أما إليك فلا ! ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر ؟ فكان أمر الله أسرع.
" قلنا يا ناركونى بردا وسلاما على إبراهيم ".
قال على بن أبى طالب: [ أي (1) ] لا تضريه.
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: وسلاما على إبراهيم لآذى إبراهيم بردها.
وقال كعب الاحبار: لم ينتفع أهل الارض يومئذ بنار، ولم تحرق منه سوى وثاقه.
وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره.
وقال السدى: كان معه أيضا ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة (2) حوله نار وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول، ولا هو يخرج إليهم.
__________
(1) ليست في ا.
(2) ط: في مثل الحوبة (*)
(1/183)
فعن أبى هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم، إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم ! وروى ابن عساكر عن عكرمة، أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته: يا بنى إنى أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم.
فأقبلت إليه لا يمسها شئ من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت.
وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما، وأنه قال: ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها [ مثل (1) ] إذ كنت فيها.
صلوات الله وسلامه عليه.
فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا.
قال الله تعالى: " وأرادوا به كيدا فجعلناهم
الاخسرين "، وفى الآية الاخرى " السفلين " ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا.
وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما، بل هي كما قال تعالى: " إنها ساءت مستقرا ومقاما ".
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم
__________
(1) لبست في ا.
(*)
(1/184)
شريك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ (1)، وقال: " كان ينفخ (2) على إبراهيم ".
ورواه مسلم من حديث ابن جريج.
وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى أمية، أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ".
قال: فكانت عائشة تقتلهن.
وقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح ؟ فقالت: نقتل به الاوزاغ ; ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه ".
تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة، قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا، فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت: هذا
__________
(1) الوزغ: حشرة يقال لها سام أبرس.
(2) ا: نفخ:.
(*)
(1/185)
لهذه الاوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه (1)، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.
ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
__________
(1) لا نستطيع الاطمئنان إلى هذه المرويات مادامت تخالف العقل، فليس هناك تكليف للحيوان، وليس الوزغ من الفواسق التى أمرنا الرسول بقتلها، وإذا صح أنه أمر بقتله فينبغي أن تكون هنالك علة أخرى.
(*)
(1/186)
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في [ إزار (1) ] العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية، وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى " ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ; إذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت، قال أنا أحيى وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذى كفر، والله لا يهدى القوم الظالمين " (1).
يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذه الملك الجبار المتمرد، الذى ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والاخبار: وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنهان بن كوش بن سام بن نوح.
قاله مجاهد.
وقال غيره: نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال مجاهد وغيره: وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: (2) مؤمنان وكافران ; فالمؤمنان: ذو القرنين، وسليمان - والكفران: النمرود، وبختنصر.
__________
(1) سقطت من المطبوعة (2) ا: أربعة فيما ذكروا (*)
(1/187)
وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة.
وكان طغى وبغى، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا.
ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك، وادعى لنفسه الربوبية.
فلما قال الخليل: " ربى الذى يحيى ويميت، قال انا أحيى وأميت ".
قال قتادة والسدى ومحمد بن إسحق: يعنى أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة،
ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة ; فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها، على وجود فاعل.
ذلك الذى لابد من استنادها إلى موجوده، ضرورة عدم قيامها بنفسها.
ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة، من خلقها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التى توجد مشاهدة، ثم إماتتها.
ولهذا قال إبراهيم: " ربى الذى يحيى ويميت ".
فقول هذا الملك الجاهل: " أنا أحيى وأميت " إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند.
وإن عنى ما ذكره قتادة السدى ومحمد بن
(1/188)
إسحق، فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل ; إذ لم يمنع مقدمة، ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذه الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حصره وغيرهم، ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع، وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة: " قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب " أي هذه الشمس مسخرة كل يوم، تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها، وهو الذى لا إله إلا هو خالق كل شئ، فإن كنت كما زعمت من أنك الذى تحيى وتميت [ فأت بهذه الشمس من المغرب فإن الذى يحيى ويميت (1) ] هو الذى يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شئ ودان له كل شئ.
فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله [ فلست (1) ] كما زعمت.
وأنت تعلم وكل أحد أنك
لا تقدر على شئ من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبين ضلاله وجهه وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به (2) عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به، بل انقطع وسكت ولهذا قال: " فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ".
وقد طكر السدى أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار، ولم يكن اجتمع به يومئذ، فكانت بينهما هذه المناظرة
__________
(1) سقط من ا.
(2) ا: ويحتج به.
(*)
(1/189)
[ وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم، أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ] (1) ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ (2) فكانت بينهما هذه المناظرة.
ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شئ من الطعام.
فلما قرب من أهله عمد إلى كشيب من التراب، فملا منه عدليه وقال: أشغل أهلى إذا قدمت عليهم.
فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا، فعملت منه طعاما.
فلما استيقظ إبراهيم وجد الذى [ قد (3) ] أصلحوه، فقال: أنى لكم هذا ؟ قالت: من الذى جئت به، فعرف أنه رزق رزقهموه الله عزوجل.
قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار، ملكا يأمره باإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى
عليه وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعى.
فجمع النمرود جيشه وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخره أربعمائة سنة ! عذبه الله تعالى بها.
فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها، حتى أهلكه الله عزوجل بها.
__________
(1) سقط من ا.
(2) سقط من المطبوعة (3) ليست في ا.
(*)
(1/190)
ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام، ودخوله الديار المصرية واستقراره في الارض المقدسة قال الله: " فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (1) ".
وقال تعالى: " ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (2) ".
لما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر، وهبه الله تعالى بعد ذلك الاولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب.
فكل نبى بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبى من الانبياء من بعده، فعلى أحد نسله
وعقبه ; خلعة من الله وكرامة له، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه (3) عزوجل ودعوة الخلق إليه.
والارض التى قصدها بالهجرة أرض الشام، وهى التى قال الله عزوجل: " إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين ".
__________
(1) سورة العنكبوت 26، 27 (2) سورة الانبياء 71، 73 (3) ا: من عبادة الله.
(*)
(1/191)
قاله أبى بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم.
وروى العوفى عن ابن عباس قوله: " إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين " مكة، ألم تسمع إلى قوله: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين " وزعم كعب الاحبار أنها حران.
وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب: أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه " ملكا " فنزلوا حران، فمات تارح أبو إبراهيم بها.
وقال السدى: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقى إبراهيم سارة - وهى ابنة ملك حران - وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها.
رواه ابن جرير وهو غريب.
والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذى تنسب إليه حران.
ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط، كما حكاه السهيلي عن القتيبى والنقاش، فقد أبعد النجعة وقال بلا علم.
ومن ادعى أن تزويج بنت الاخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على
ذلك دليل.
ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت - كما هو منقول عن الربانيين من اليهود - فإن الانبياء لا تتعاطاه.
والله أعلم.
ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم.
والله أعلم.
(1/192)
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه: " إنى جاعل هذه الارض لخلفك من بعدك " فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة، وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا، إلى التيمن، وأنه كان جوع، أي قحط وشدة وغلاء، فارتحلوا إلى مصر.
وذكروا قصة سارة مع ملكها، وأن إبراهيم قال لها: قولى أنا أخته.
وذكروا إخدام الملك إياها هاجر.
ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن، يعنى أرض بيت المقدس وما والاها، ومعه دواب وعبيد وأموال.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد، عن أبى هريرة قال: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتان منهن في ذات الله، قوله: " إنى سقيم "، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا "، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها، فقال: من هذه ؟ قال: أختى.
فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الارض مؤمن غيرى وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته انك أختى فلا تكذبينى.
فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال:
ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت الله فأطلق.
ثم تناولها الثانية مثلها أو أشد، فقال: ادعى الله لى ولا أضرك، فدعث فأطلق.
فدعا بعض (م - 13 قصص الانبياء 1)
(1/193)
حجبته فقال: إنكم لم تأتوني (1) بإنسان وإنما أتيتموني (2) بشيطان.
فأخدمها هاجر.
فأتته وهو قائم يصلى فأومأ بيده: مهيم ؟ فقالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بنى ماء السماء ".
تفرد به من هذا الوجه موقوفا.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عمرو بن على الفلاس، عن عبد الوهاب الثقفى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سرين، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله، قوله: " إنى سقيم " وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا "، وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا، فأتى الجبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختى.
فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختى، وإنه ليس اليوم مسلم غيرى وغيرك، وإنك أختى، فلا تكذبينى عنده.
فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ، فقال: ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها، فقال ادعى الله لى ولا أضرك، فدعت فأرسل، ثلاث مرات، فدعا
__________
(1) ا: إنك لم تأتتى (2) ا: أتيتني.
(*)
(1/194)
أدنى حشمه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر.
فجاءت وإبراهيم قائم يصلى.
فلما أحس بها انصرف، فقال: مهيم ؟ فقالت: كفى الله كيد الظالم، وأخدمنى هاجر ".
وأخرجاه من حديث هشام.
ثم قال البزار: لا يعلم أسنده عن محمد عن أبى هريرة إلا هشام.
ورواه غيره موقوفا.
وقال الامام أحمد: حدثنا على بن حفص، عن ورقاء - هو أبو عمر (1) اليشكرى - عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله حين دعى إلى آلهتهم، فقال: " إنى سقيم "، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " وقوله لسارة: " إنها أختى ".
قال: ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس، قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار: من هذه معك ؟ قال أختى [ قال فأرسل بها (2) ] قال فأرسل بها إليه، وقال لا تكذبي قولى، فإنى قد أخبرته أنك أختى، إن ما على الارض مؤمن غيرى غيرك.
فلما دخلت عليه قام إليها، فأقبلت تتوضأ وتصلى وتقول: اللهم إن
__________
(1) ط: ابن عمر.
(2) سقطت من ا.
(*)
(1/195)
كنت تعلم أنى آمنت بك وبرسولك (1) وأحصنت فرجى إلا على زوجي،
فلا تسلط على الكافر.
قال: فغط حتى ركض برجله.
قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة إنها قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته.
قال: فأرسل.
[ قال: ثم قام إليها، قال فقامت تتوضأ وتصلى وتقول: اللهم إن كنت تعلم أنى آمنت يك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجي، فلا تسلط على الكافر.
قال فغط حتى ركض برجله.
قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة عن أبى هريرة إنها قالت: اللهم إن يمت يقل هي قتلته، قال فأرسل (2) ].
قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إلى إلا شيطانا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر.
قال: فرجعت، فقالت لابراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة ! تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح.
وقد رواه البخاري عن أبى اليمان، عن شعيب بن أبى حمزة، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا سفيان، عن على بن زيد ابن جدعان، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله
__________
(1) ط: وبرسلك.
(2) سقطت من ا.
(*)
(1/196)
صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التى قال: " ما منها كلمة إلا ما حل (1) بها عن دين الله ; فقال: إنى سقيم، وقال: بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختى ".
فقوله في الحديث: " هي أختى " أي في دين الله.
وقوله لها: " إنه ليس على وجه الارض مؤمن غيرى وغيرك " يعنى زوجين مؤمنين غيرى وغيرك.
ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبى عليه السلام.
وقوله لها لما رجعت إليه: مهيم ؟ معناه ما الخبر.
فقالت: إن الله رد كيد الكافرين.
وفى رواية: الفاجر وهو الملك، وأخدم جارية.
وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك، قام يصلى الله عزوجل، ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذى أراد أهله بسوء.
وهكذا فعلت هي أيضا.
فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عزوجل بما تقدم من الدعاء العظيم.
ولهذا قال تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة (2) " فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارة، وأم موسى ومريم عليهن السلام.
والذى عليه الجمهور أنهن صديقات رضى الله عنهن وأرضاهن.
ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كشف الحجاب فيما بين
__________
(1) ماحل: دافع.
(2) سورة البقرة.
(*)
(1/197)
إبراهيم على السلام وبينها، فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه.
وكان مشاهدا لها وهى عند الملك، وكيف عصمها الله منه، ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه واشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حبا شديدا، لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر، فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها، أحسن منها، رضى الله عنها.
ولله الحمد والمنة.
وذكر بعض أهل التواريخ (1) أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملا لاخيه على مصر.
ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح.
وذكر ابن هشام في التيجان: أن الذى أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر.
نقله السهيلي والله أعلم.
* * * ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهى الارض المقدسة التى كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية.
ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الاموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك، إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر ; فنزل بمدينة سدوم (2) وهى أم تلك البلاد في ذلك الزمان.
وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا.
__________
(1) ا: التاريخ.
(2) قال في القاموس: وسدوم لقرية قوم لوط غلط فيه الجوهرى، والصواب سذوم بالذال.
المعجمة.
وذكر شارح القاموس أن المشهور فيه إهمال الدال.
(*)
(1/198)
وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل، فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبشره بأن هذه الارض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الارض.
وهذه البشارة اتصلت بهذه الامة، بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الامة المحمدية.
ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله زوى (1)
لى الارض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها " فالوا: ثم إن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه، وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ [ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنفذ لوطا عليه السلام واسترجع (2) ] أمواله، وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالى (3) دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة، وأظن مقام إبراهيم إنما سمى لانه كان موقف جيش الخليل.
والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده.
صلوات الله وسلامه عليه.
__________
(1) زوى: جمع (2) سقط من المطيوعة ! (3) المظبوعة: شرقي دمشق.
(*)
(1/199)
ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وإن الله بشره بذلك.
وإنه لما كان لابراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لابراهيم عليه السلام: إن لرب قد أحرمني الولد، فادخل على أمتى هذه لعل الله يرزقنى منها ولدا.
فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه.
قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها [ سارة ] (1) فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلى بها ما شئت، فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك.
فقال لها ملك من الملائكة: [ لا تخافى فإن الله جاعل من هذا الغلام الذى حملت خيرا ] (1) وأمرها
بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل، ويده الكل به، ويملك جميع بلاد إخوته.
فشكرت الله عزوجل [ على ذلك (1) ].
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه ; فإنه الذى به (2) سادت العرب، وملكت جميع البلاد غربا وشرقا، وآتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت امة من الامم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالته ويمن سفارته (3) وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الارض.
__________
(1) ليست في ا (2) ط: سادت به (3) ط: بشارته (*)
(1/200)
ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام.
قالوا: وولدته ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.
ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره يإسحاق من سارة، فخر لله ساجدا، وقال له: قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (1) جدا كئيرا (2)، ويولد له اثنا عشر عظيما، وأجعله رئيسا لشعب عظيم.
وهذه أيضا بشارة بهذه الامة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء [ الراشدون (3) ] الاثنا عشر، المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون اثنا عشر أميرا ".
ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت أبى ما قال.
قال " كلهم من قريش ".
أخرجاه في الصحيحين.
وفى رواية: " لا يزال هذا الامر قائما، وفى رواية عزيزا، حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ".
فهؤلاء منهم [ الائمة (4) ] الاربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا، ومنهم بعض بنى العباس.
وليس المراد أنهم يكونوا اثنى عشر نسقا بل لابد من وجودهم.
وليس المراد الائمة الائنى عشر الذين يعتقد (5) فيهم الرافضة، الذين أولهم
__________
(1) ا: ويمنته (2) ا: كبيرا (3) ليست في ا (4) ليست في ا (5) ا: يعتقدون (*)
(1/201)
على بن أبى طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا - [ وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون (1) ] فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من على وابنه الحسن بن على، حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحرب (2) بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الامة في أمر من الامور.
وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا، فذاك هوس في الرؤوس، وهذيان في النفوس، لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
* * * والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل، اشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها، فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.
ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا.
فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إنيه هاجر وتعلقت بثيابه،
وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا وليس معنا ما يكفينا ؟ فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له: آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم.
قالت فإذا لا يضيعنا ! وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبى زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة غضبت (3) على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها، وأن تخفضها فتبر قسمها.
قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أدنها منهن، وأول من طولت ذيلها.
__________
(1) ليس في ا (2) ط: الحروب (3) ا: تغضبت (*)
(1/202)
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهى أرض مكة، وبنائه البيت العتيق قال البخاري: قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبى شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معممر، عن أبوب السختيانى وكثير بن كثير ابن المطلب بن أبى وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل، اتخذت منطقا لتعقى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبإبنها اسماعيل وهى ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء.
فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء.
ثم قفى (1) إبراهيم منطلقا فتبعته أم اسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذى ليس به أنيس (1) ولا شئ ؟ فقالت
له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله امرك بهذا ؟ قال: نعم.
قالت: إذا لا يضيعنا.
ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: " ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " (3).
__________
(1) ا: بقى.
(2) ا: أنس.
(3) سورة إبراهيم 37 (*)
(1/203)
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى (1) - أو قال يتلبط (2) - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الارض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا.
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت [ بطن (3) ] الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الانسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا، [ فعلت (4) ] ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث.
فإذا
هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا.
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم إسماعيل ! لو تركت زمزم، أو قال لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا " [ قال (5) ]: فشربت وأرضعت ولدها.
فقال لها الملك:
__________
(1) ط: يلتوى.
(2) ا.
يبلبط.
(3) ليست في ا.
(4) ط: ففعلت.
(5) ليست في ا.
(*)
(1/204)
لا تخافى الضيعة فإن هاهنا بيتا لله (1) يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعا من الارض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أفسل مكة فرأوا طائا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.
فأرسلوا جريا (2) أو جريين فإذا هم بالماه، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا.
قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت: نعم.
ولكن لا حق لكم في الماء [ عندنا (3) ] قالوا: نعم.
قال عبد الله بن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهى تحب الانس.
فنزلوا ورسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.
وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم واعجبهم حين شب.
فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.
وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تركته فلم يجد إسمعيل، فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغى لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نن بشر، [ نحن (4) ] في ضيق وشدة،
__________
(1) ا.
بيت الله يبنى (2) الجرى: الرسول.
(3) ليست في ا.
(4) ليست في ا.
(*)
(1/205)
وشكت (1) إليه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولى له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد ؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة.
قال: فهل أوصاك بشئ ؟ قالت نعم، أمرنى أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك.
قال: ذاك أبى، وقد أمرنى أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله.
ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امراته فسألها عنه، فقالت خرج يبتغى لنا.
قال: كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عزوجل.
فقال: ما طعامكم ؟ قالت: اللحم.
قال: فما شرابكم ؟ قالت الماء، قال: " اللهم بارك لهم في اللحم والماء ".
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب (2)، ولو كان لهم [ حب (3) ] لدعا لهم فيه " [ قال (3) ] فهما لا يخلو (4) عليهما أحد
بغير مكة إلا لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسمعيل قال: هل أتاكم من أحد ؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا ؟
__________
(1) ا: فشكت:.
(2) الحب: الجرة.
(3) ليست في ا (4) بخلو: يقتصر.
(*)
(1/206)
فأخبرته أنا بخير.
قال: فأوصاك بشئ ؟ قالت نعم.
هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.
قال: ذاك أبى وأنت العتبة، أمرنى أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسمعيل يبرى نبلاله تحت دوحة قرييا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع بالولد الوالد وبالوالد للوالد (1) ثم قال: يا إسمعيل إن الله أمرنى بأمر.
قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني ؟ قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرنى أن أبنى هاهنا بيتا.
وأشار إلى أكمة على ما حولها.
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسمعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبنى، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له.
فقام عليه وهو يبنى وإسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ".
قال: فجعلا (2) يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ".
ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج
__________
(1) ط الوالد بالولد والولد بالوالد.
(2) ا: وجعلا.
(*)
(1/207)
بإسمعيل وأم إسمعيل، ومعهم شنة (1) فيها ماء.
وذكر تمامه بنحو ما تقدم.
وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه، وفى بعضه غرابة، وكانه مما تلقاه ابن عباس عن الاسرائيليات، وفيه أن إسمعيل كان رضيعا إذ ذاك.
وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم، وذلك بعد مضى تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة.
وهذا امتثال لامر الله عزوجل في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب.
ولهذا كان (2) الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال، كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذى رواه البخاري: حدثنا قتببة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشى، عن أبى الزناد عن الاعرج، عن أبى هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم ".
تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبى الزناد، وتابعه عجلان، عن أبى هريرة، ورواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة، عن أبى هريرة.
وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به.
وفى بعض الالفاظ: " اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم " والقدوم هو الآلة، وقيل موضع.
__________
(1) الشنة: القربة الخلق.
(2) ا: لما كان (*)
(1/208)
وهذا اللفظ لا ينافى الزيادة على الثمانين.
والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته، عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ".
رواه ابن حبان في صحيحه.
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وأنه إسمعيل، ولم يذكر في قد مات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات: أولاهن بعد أن تزوج إسمعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد - على ما ذكر - إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم، وقد ذكر أن الارض كانت تطوى له.
وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غياة الضرورة الشديدة والحاجة الاكيدة ؟ ! وكأن بعض هذا السياق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات، ولم يذكر فيه قصة لذبيح.
وقد دللنا على أن الذبيح هو إسمعيل على الصحيح في سورة الصافات.
(م - 14 قصص الانبياء) (*)
(1/209)
قصة الذبيح قال الله تعالى: آ وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين * رب هب
لى من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المومنين * وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (1) ".
يذكر تعالى [ عن (2) ] خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه، سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم، وهو إسماعيل (3) عليه السلام ; لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل.
وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لانه أول ولد وبكره.
وقوله: " فلما بلغ معه السعي " أي شب وصار يسعى في مصالحه
__________
(1) الآيات: 99 - 113 من سورة الصفات (2) ليست في ا (3) ا: اسحق.
وهو تحريف (*)
(1/210)
كأبيه.
قال مجاهد: " فلما بلغ معه السعي " أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا.
وفى الحديث عن ابن عباس مرفوعا: " رؤيا الانبياء وحى " قاله عبيد بن عمير أيضا.
وهذا اختبار من الله عزوجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذى جاءه على كبر، وقد طعن في السن، بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع.
فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذى قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذى ليس له غيره، أجاب ربه وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته.
ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا: " قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ ".
فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ".
وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.
(1/211)
قال الله تعالى: " فلما أسلما وتله للجبين " قيل: أسلما: أي استسلما لامر الله وعزما على ذلك.
وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر، والمعنى: " تله للجبين " أي ألقاه على وجهه.
قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقى طرف جبينه لاصقا بالارض " وأسلما " أي سمى إبراهيم وكبر، وتشهد الولد للموت.
قال السدى وغيره: أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا.
ويقال: جعل بينها وبين حلقه
صفيحة من نحاس.
والله أعلم.
فعند ذلك نودى من الله عزوجل: " أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك، ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلك ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان ! ولهذا قال تعالى: " إن هذا لهو البلاء المبين " أي الاختبار الظاهر البين.
وقوله: " وفديناه بذبح عظيم " أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن (1)، رآه مربوطا بسمرة في ثبير.
قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا.
وقال سعيد بن جبير: كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه
__________
(1) الاعين: العظيم سواد العين.
والاقرن الكبير القرنين.
(*)
(1/212)
عهن (1) أحمر.
وعن ابن عباس: هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه، وهو الكبش الذى قربه ابن آدم فتقبل منه.
رواه ابن أبى حاتم.
قال مجاهد: فذبحه بمنى، وقال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام.
فأما ماروى عن ابن عباس أنه كان وعلا، وعن الحسن أنه كان تنسا من الاروى واسمه جرير، فلا يكاد يصح عنهما.
ثم غالب ماهاهنا من الآثار مأخوذ من الاسرائيليات.
وفى القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار (2) الباهر، وأنه فدى بذبح
عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا.
قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بنى سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال [ قال لى رسول الله (3) ] " إنى كنت رأيت قرنى الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (4) فخمرهما فإنه لا ينبغى أن يكون في البيت شئ يشغل المصلى ".
قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش [ معلقين (3) ] في البيت حتى احترق البيت فاخترقا.
__________
(1) العهن: الصوف.
(2) ا: والاخبار.
(3) سقطت من ا (4) تخمرهما: تعطيهما (*)
(1/213)
وكذا روى عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس.
وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسمعيل ; لانه كان هو المقيم بمكة وإسحق لا نعلم أن قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسمعيل ; لانه ذكر قصة الذبيح (1) ثم قال بعده.
" وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين ".
ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده أنه إسحق إنما هو إسرائيليات.
وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعا لا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده (2)
وفى نسخ ه من المعربة بكره إسحق، فلفظة إسحق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لانه ليس هو الوحيد ولا البكر [ إنما ] (3) ذاك إسمعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسحق والد يعقوب - وهو إسرائيل - الذى ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بأنه إسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم، وإنما أخذوه - والله أعلم - من كعب الاحبار، أو من صحف (4) أهل الكتاب
__________
(1) ا: الذبح (2) ط: ووحيده.
(3) من ا (4) ا: أو مصحف أهل الكتاب.
(*)
(1/214)
وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لاجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسمعيل.
وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظى على انه إسمعيل ولبس بإسحق من قوله: " فبشرناه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " [ قال ] (1) فكيف تقع البشارة باسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحق وهو صغير قبل أن يولد له ؟ هذا لا يكون، لانه يناقض البشارة المتقدمة.
والله أعلم.
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله: " فبشرناها بإسحق " جملة تامة، وقوله: " ومن وراء إسحاق يعقوب " جملة أخرى ليست في حيز البشارة.
قال: لانه لا يجوز من حيث العربية
أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت يزيد ومن بعده عمرو، حتى يقال ومن بعده بعمرو.
وقال: فقوله " ومن وراء إسحق يعقوب " منصوب بفعل مضمر تقديره: " ووهبنا لاسحق يعقوب ".
وفى هذا الذى قاله نظر.
ورجح أنه إسحق ; واحتج بقوله: " فلما بلغ معه السعي " قال: وإسماعيل لم يكن عنده، إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة فكيف يبلغ معه السعي ؟
__________
(1) ليست في ا (*)
(1/215)
وهذا أيضا فيه نظر، لانه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الاوقات راكبا البراق إلى مكة، يطلع على ولده وابنه ثم يرجع.
والله تعالى أعلم.
فمن حكى القول عنه بأنه إسحق كعب الاحبار.
وروى عن عمر والعباس وعلى وابن مسعود، ومسروق وعكرموة وسعيد بن جبير ومجاهد، وعطاء والشعبى ومقاتل وعبيد بن عمير، وأبى ميسرة وزيد بن أسلم و عبد الله بن شقيق، والزهرى والقاسم وابن أبى بردة ومكحول، وعثمان ابن حاضر والسدى والحسن وقتادة، وأبى الهذيل وابن سابط.
وهو اختيار ابن جرير، وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس.
ولكن الصحيح عنه - وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام.
قال مجاهد وسعيد والشعبى ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس: هو إسماعيل عليه السلام.
وقال ابن جرير: حدثنى يونس ; أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن قيس، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود.
وقال عبد الله ابن الامام أحمد عن أبيه: هو إسماعيل.
وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عن الذبيح فقال: الصحيح أنه إسماعيل عليه السلام.
قال ابن أبى حاتم: وروى عن على وابن عمر وأبى هريرة، وأبى الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن، ومجاهد والشعبى
(1/216)
ومحمد بن كعب، وأبى جعفر محمد بن على وأبى صالح أنهم قالوا: الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.
وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبى عمرو بن العلاء.
قلت: وروى عن معاوية، وجاء عنه: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يابن الذبيحين: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار، وكان الحسن البصري يقول: لا شك في هذا.
وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الاسلمي، عن محمد بن كعب: إنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام - يعنى استدلاله بقوله بعد العصمة (1): " فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " - فقال له عمر: إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه، وإنى لاراه كما قلت: ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم.
قال: فسأله عمر بن عبد العزيز:
أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذى كان من أمر الله فيه والفضل الذى ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يححدون ذلك ويزعمون أنه إسحق، لان إسحق أبوهم.
وقد ذكرنا هذه المسألة مستصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير.
ولله الحمد والمنة.
__________
(1) كذا بالاصول.
ولعلها: بعد القصة.
(*)
(1/217)
ذكر مولد إسحاق عليه السلام قال الله تعالى: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ".
وقد كانت البشارة به من الملاكة لابراهيم وسارة لما مروا بهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال الله تعالى: " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاما، قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا ؟ إن هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (1) ".
وقال تعالى: " ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما،
قال إنا منكم وجلون * قالوا لا تؤجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون ؟ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضانون (2) ".
__________
(1) الآيات: 69 - 73 من سورة هود (2) الآيات: 51 - 56 من سورة الحجر (*)
(1/218)
وقال تعالى: " هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون ؟ * فأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (1) ".
يذكر تعالى: أن الملائكة * قالوا: وكانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل - لما وردوا على الخليل حسبهم [ أولا (2) ] أضيافا، فعاملهم معاملة الضيوف، وشوى لهم عجلا سمينتا من خيار بقره، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الاكل بالكلية، وذلك لان الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام " فنكرهم " إبراهيم " وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط " أي لندمر عليهم.
فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم، وكانت قائمة على رؤوس الاضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم.
فلما ضحكت استبشارا بذلك، قال الله تعالى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " أي بشرتها الملائكة بذلك " فأقبلت امرأته في صرة " أي في صرخة " فصكت وجهها " أي كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: " يا ويلتى
أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا " أي كيف يلد مثلى وأنا كبيرة وعقيم أيضا، وهذا بعلى، أي زوجي، شيخا ؟ تعجبت من وجود ولد والحالة هذه.
__________
(1) الآيات: 24 - 30 من سورة الذاريات (2) من ا (*)
(1/219)
ولهذا قالت: " إن هذا لشئ عجيب * قالوا: أتعجبين من أمر الله ! رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ".
وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها، " قال أبشرتموني على أن مسنى الكبير فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين " أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه، فبشروهما " بغلام عليم " ; وهو إسحق أخو إسماعيل.
غلام عليم مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر.
وقال في الآية الاخرى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ".
وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظى وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل، وأن إسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ، وهو المشوى، رغيفا من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن.
وعندهم أنهم أكلوا.
وهذا غلط محض.
وقيل: كانوا يرون أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء.
وعندهم أن الله تعالى قال لابراهيم: أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة، وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا، وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه.
فخر إبراهيم على وجهه - يعنى
ساجدا - وضحك قائلا في نفسه: أبعد مائة سنة يولد لى غلام ؟ أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة ؟ !
(1/220)
وقال إبراهيم لله تعالى: ليت إسماعيل يعيش قدامك.
فقال الله لابراهيم: بحق إن امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من قابل، وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده.
وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جدا كثيرا، ويولد له اثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم.
وقد تكلمنا على هذا بما تقدم.
والله أعلم.
فقوله تعالى: " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب.
أي يولد في حياتهما لنقر أعينهما به كما قرت بولده.
ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة.
ولما عين بالذكر [ دل ] (1) على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله.
وقال تعالى: [ " ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا " ] (1) وقال تعالى: " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب (2) ".
وهذا إن شاء الله ظاهر قوى.
ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الاعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمى عن أبيه، عن أبى ذر، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ [ قال المسجد الحرام.
قلت: ثم أي ؟ ] (3) قال: المسجد الاقصى " قلت كم
__________
(1) سقطت من ا.
(2) من الآية: 9: من سورة مريم
(3) سقطت من المطبوعة.
(*)
(1/221)
بينهما ؟ قال: " أربعون سنة " قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ".
وعند أهل الكتاب: أن يعقوب عليه السلام هو الذى أسس المسجد الاقصى، وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله.
وهذا متجه.
ويشهد له ما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكون بناء يعقوب عليه السلام وهو - إسرائيل - بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء.
وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحق ; لان إبراهيم عليه السلام لما دعا، قال في دعائه كما قال تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني، وبنى أن نعبد الاصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه منى، ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن، وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء.
الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (1) ".
وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام، لما بنى
__________
(1) الآيات: 35 - 43 من سورة إبراهيم (*)
(1/222)
بيت المقدس سأل الله خلالا ثاثا كما ذكرناه عند قوله: " رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى "، وكما سنورده في قصته - فالمراد من ذلك والله أعلم، أنه جدد بناءه، كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة، ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه.
وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.
(1/223)
ذكر بناية البيت العتيق قال الله تعالى: وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بى شيئا، وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (1) ".
وقال تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غنى من العالمين " (2).
وقال تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إنى جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي ؟ قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر، قال ومن كفر فأمتعه قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين
لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت
__________
(1) الآيتان: 26 - 27 من سورة الحج (2) الآيتان: 96 - 97 من سورة آل عمران.
(*)
(1/224)
التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم " (1) يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء إبراهيم عليه السلام (2) أنه بنى البيت العتيق الذى هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه.
وبوأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودله عليه.
وقد روينا عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وغيره: أنه أرشد إليه بوحى من الله عزوجل.
وقد ذكرنا في صفة خلق السموات: أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها كالكعبة لاهل الارض.
فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبنى له بيتا يكون لاهل الارض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السموات والارض، كما ثبت في الصحيحين: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والارض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام.
ومن تمسك في هذا بقوله: " مكان البيت " فليس بناهض
__________
(8) الآيات: 124 - 129 من سورة البقرة.
(2) ط: عليه أفضل صلاة وتسليم.
(م - 15 قصص الانبياء 1) (*)
(1/225)
ولا ظاهر، لان المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره (1)، المعظم عند الانبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم.
وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة، وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك.
ولكن كل هذه الاخبار عن بنى إسرائيل.
وقد قررنا أنها لاتصدق ولا تكذب فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهى مردودة.
وقد قال الله: " إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين ".
أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى، البيت الذى ببكة.
وقيل محل الكعبة " فيه آيات بينات " أي على أنه بناء الخليل، والد الانبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته.
ولهذا قال: " مقام إبراهيم " أي الحجر الذى كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء.
كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل.
وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه ; فأخره عن البيت قليلا، لئلا يشغل المصليمن عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء: منها قوله لرسوله
صلى الله عليه وسلم: لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله: " واتخذوا
__________
(1) ط قدرته.
(*)
(1/226)
من مقام إبراهيم مصلى ".
وقد كانت آثار قدمى الخليل باقية في الصخرة إلى أول الاسلام.
وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: وثور (1) ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى (1) في حراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذ اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل يعنى أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافيه لامنتعلة.
ولهذا قال تعالى: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " [ أي في حال قولهما (2) ]: " ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم " فهما في غاية الاخلاص والطاعة لله عزوجل، وهما يسألان من الله عزوجل السميع العليم أن يتقبل منهما ماهما فيه من الطاعة العظيمة والسعى المشكور: " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ".
* * * والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف (3) البقاع، في واد غير ذى زرع، ودعا لاهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الاشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا محتما.
فاستجاب الله وله الحمد له مسألته، ولبى دعوته، وآتاه طلبته، فقال
__________
(1) ط: لبر (2) ليست في ا (3) ط: أفضل (*)
(1/227)
تعالى: " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم (1) ؟ " وقال تعالى: " أو لم نمكن لهم حرما آمنا يحبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ".
وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم، أي من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة ; لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية، سعادة الاولى والآخرة (2).
وقد استجاب الله له: فبعث فيهم رسولا وأى رسول ! ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله، وعم بدعوته أهل الارض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم ; في سائر الاقطار والامصار والاعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الانبياء، لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به، وشرف بقعته وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم (3) محتده وعظيم مولده، وطيب مصدره ومورده.
ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان بانى الكعبة لاهل الارض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه، في منازل السموات ورفيع الدرجات، عند البيت المعمور، الذى هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور، الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور.
__________
(1) سورة العنكبوت 67 (2) ط: والاخرى (3) ا: وكمال (*)
(1/228)
وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت (1)، وما ورد في ذلك من الاخبار والآثار، بما فيه كفاية، فمن أراد فليراجعه ثم.
ولله الحمد.
فمن ذلك ما قال السدى: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت لم يدريا أين مكانه، حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول، وأتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الاساس.
وذلك حين يقول تعالى: " وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت ".
فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال إبراهيم لاسماعيل: يا بنى اطلب لى [ حجرا حسنا أضعه هاهنا.
قال يا أبت إنى كسلان تعب.
قال على ذلك فانطلق، وجاءه جبريل بالحجر (2) ] الاسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة (3).
وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن.
فقال: يا أبت من جاءك بهذا ؟ قال: جاء به من هو أنشط منك.
فبنيا وهما يدعوان الله: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ".
وذكر ابن أبى حاتم أنه بناه من خمسة أجبل، وأن ذا القرنين وكان ملك الارض إذ ذاك - مر بهما وهما يبنيانه فقال: من أمركما بهذا ؟ فقال إبراهيم: الله أمرنا به.
فقال: وما يدريني بما تقول ؟
__________
(1) ط: بناية البيت (2) سقطت من المطبوعة ! (3) المطبوعة: النعامة.
وهو تحريف.
والثغامة: نبت أبيض.
(*)
(1/229)
فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق.
وذكر الازرقي:
أنه طاف مع الخليل بالبيت.
وقد كانت [ الكعبة (1) ] على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بنتها قريش، فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ماهى عليه اليوم.
وفى الصحيحين من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: أن عبد الله بن محمد بن أبى بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ؟ " فقلت: يا رسول الله: ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال: " لولا حدثان قومك [ بالكفر لفعلت (1) ] ".
وفى رواية " لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية، أو قال بكفر، لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالارض، ولادخلت فيها الحجر ".
وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على [ ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ] حسبما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه.
فأمر بردها إلى ما كانت عليه، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر، ثم سدوا الحائط وردموا الاحجار في جوف الكعبة، فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم.
__________
(1) سقطت من ا (*)
(1/230)
ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك.
ثم لما كان في زمن المهدى بن المنصور استشار الامام مالك بن أنس في ردها على الصفة التى بناها ابن الزبير فقال [ له (1) ] إنى أخشى أن يتخذها الملوك لعبة.
يعنى كلما جاء ملك بناها على الصفة التى يريد.
فاستقر الامر على ماهى عليه اليوم.
__________
(1) سقطت من ا (*)
(1/231)
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم قال الله تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إنى جاعلك للناس إماما، قال ومن ذرتي ؟ قال لا ينال عهدي الظالمين " لما وفى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة، جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه.
وسأل الله أن تكون هذه الامامة (1) متصلة بسببه، وباقية في نسبه، وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل [ ورام ] (2) وسلمت إليه الامامة بزمام، واستثنى من نيلها الظالمون، واختص بها من ذريته العلماء العاملون.
كما قال تعالى: " ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، وآتيناه أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين (3) ".
وقال تعالى: " ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل.
ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإليسا كل من الصالحين * وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (4) ".
فالضمير في قوله " ومن ذريته " عائد على إبراهيم على المشهور، ولوط
وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته.
[ والله أعلم (2) ].
__________
(1) ا: الامة.
(2) ليست في ا.
(3) الآية: 27 من سورة العنكبوت (4) الآيات: 84 - 87 من سورة الانعام.
(*)
(1/232)
وقال تعالى: " ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب (1) ".
الآية.
فكل كتاب أنزل من السماء على نبى من الانبياء بعد إبراهيم الخليل، فمن ذريته وشيعته.
وهذه خلعة سنية [ لا تضاهي، ومرتبة علية (2) ] لاتباهى.
وذلك أنه ولد [ له ] (2) لصلبه [ ولدان ] (2) ذكران عظيمان: إسمعيل من هاجر، ثم إسحق (2) من سارة، وولد له يعقوب - وهو إسرائيل - الذى ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذى بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة، حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل.
وأما إسمعيل عليه السلام، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ولم يوجد من سلالته من الانبياء سوى خاتمهم على الاطلاق وسيدهم، وفخر بنى آدم في الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشى، المكى ثم المدنى.
صلوات الله وسلامه عليه.
فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطه العقد الفاخرة، وهو السيد الذى يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الاولون والآخرون يوم القيامة.
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال: " سأقوم مقاما
يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ".
__________
(1) الآية: 26 من سورة الحديد (2) ليست في ا (3) ا: وإسحق.
(*)
(1/233)
فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق، في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.
وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا جرير، عن منصور عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: " إن أباكما كان يعوذ بهما إسمعيل وإسحق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ".
ورواه أهل السنن من حديث منصور به.
وقال تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى ؟ قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى.
ولكن ليطمئن قلبى، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم " (1).
ذكر المفسرون لهذا [ السؤال ] (2) أسبابا بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير.
والحاصل: أن الله عزوجل أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور.
واختلفوا في تعيينها على أقوال، والمقصود حاصل على كل تقدير، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن، ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزءا ففعل ما أمر به.
ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه، وكل
__________
(1) الآية: 260 من سورة البقرة (2) ليست في ا.
(*)
(1/234)
ريشة تأتى إلى أختها، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذى يقول للشئ كن فيكون.
فأتين إليه سعيا، ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا.
ويقال إنه أمر أن يأخذ رؤوسهن في يده، فجعل كل طائر يأتي فيلقى (1) رأسه فيتركب على جئته كما كان.
فلا إله إلا الله.
وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينيا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين ! فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله.
وقال تعالى: " يا أهل الكتاب، لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت النوراة والابحيل إلا من بعده أفلا تعقلون * ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ؟ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين (2) ".
ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين، كون الخليل على ملتهم وطريقتهم (3)، فبرأه الله منهم، وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله: " وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده " أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده
__________
(1) ا: فيلقيه.
(2) الآيات: 65 - 68 من سورة آل عمران.
(3) ا: وطريقهم.
(*)
(1/235)
بمدد متطاولة ؟ ولهذا قال: " أفلا تعقلون " إلى أن قال: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " فبين أنه كان على دين الله الحنيف، وهو القصد إلى الاخلاص، والانحراف عمدا عن الباطل إلى الحق الذى هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية.
كما قال تعالى: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون * وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ولاسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم، لا تفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم * صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون * قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون * أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله ؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل
(1/236)
عما تعملون.
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (1) ".
فنزه الله عزوجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا، وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين.
ولهذا قال تعالى: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه " يعنى الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم.
" وهذا النبي " يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم.
فإن الله شرع له الدين الحنيف الذى شرعه للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا من قبله، كما قال تعالى: " قل إننى هداني ربى إلى صراط مستقيم، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (2) وقال تعالى: " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين * ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " (3).
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت.
ورأى إبراهيم وإسمعيل بأيديهما الازلام فقال: " قاتلهم الله ! والله إن استقسما (4) بالازلام قط ! ".
لم يخرجه مسلم.
__________
(1) الآيات: 130 - 140 من سورة البقرة.
(2) الآيات: 161 - 163 من سورة الانعام.
(3) الآيات: 120 - 123 من سورة النحل.
(4) ا: لن يسنقسما (*)
(1/237)
وفى بعض ألفاظ البخاري: " قاتلهم الله ! لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط ".
وقوله: " أمة " أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير، يقتدى به فيه " قانتا لله " أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته، " حنيفا " أي مخلصا على بصيرة، " ولم يك من المشركين * شاكرا لانعمه " أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله، " اجتباه " أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته.
واتخذه خليلا، وجمع له بين خيرى (1) الدنيا والآخرة.
وقال تعالى: " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (2) " يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام ; لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: " وإبراهيم الذى وفى " [ ولهذا ] اتخذه الله (3) خليلا، والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم: قد تخللت مسلك الروح منى * وبذا سمى الخليل خليلا وهكذا نال هذه المرتبة (4) خاتم الانبياء وسيد المرسلين (5) محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلى و عبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس، إن الله اتخذني خليلا ".
__________
(1) ا: خير.
(2) سورة النساء 125 (3) ا: واتخذه الله خليلا.
(4) ط: المنزلة.
(5) ط: الرسل (*)
(1/238)
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله " أخرجاه من حديث أبى سعيد.
وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذا لما قدمن اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: " واتخذ الله إبراهيم خليلا " فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم ! وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسمعيل ابن أحمد بن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجبا (1) أن الله اتخذ من خلقه خليلا ! فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر: آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وإنى
__________
(1) ط: عجب.
(*)
(1/239)
حبيب الله ولا فخر، ألا وإنى أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة [ باب (1) ] الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين، وأنا
أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر ".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، زوله شواهد من وجوه أخر [ والله أعلم (1) ].
وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم ؟ والكلام لموسى ؟ والرؤية لمحمد ؟ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا محمود بن خالد السلمى، حدثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى إن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء.
وقال عبيد بن عمير: كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد أحدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، فقال: يا عبد الله ما أدخلك دارى بغير إذنى ؟ قال: دخلتها بإذن ربها.
قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربى إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلا.
قال: من هو ؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا، حتى يفرق بيننا الموت.
قال: ذلك العبد أنت.
قال: أنا ! قال: نعم.
__________
(1) سقطت من ا.
(*)
(1/240)
قال: فبم اتخذني [ ربى (1) ] خليلا ؟ قال: بأنك (2) تعطى الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبى حاتم.
وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه
والمدح له، فقيل: إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعا، منها خمسة عشر في البقرة وحدها.
وهو أحد أولى العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتى الاحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا "، وقوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " الآية.
ثم هو أشرف أولى العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
وهو الذى وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبى نمير عن أنس في حديث الاسراء ; من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، فمما انتقد على شريك في هذا الحديث.
والصحيح الاول.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا
__________
(1) سقطت من ا (2) ا: إنك (م 16 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/241)
أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به أحمد.
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذى قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ".
رواه مسلم من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذى أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم [ يوم القيامة (1) ] ولا فخر ".
ثم ذكر استشفاع الناس بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها، أنا لها " الحديث بتمامه.
وقال البخاري: حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيدالله، حدثنى سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟ قال: " [ أكرمهم (1) ] أتقاهم " فقالوا (2) ليس عن هذا نسألك.
قال: فأكرم الناس يوسف (3) نبى الله، ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: " فعن معادن العرب تسألونني ؟ [ قالوا نعم (4) قال ] فخيارهم (5) في الجاهلية خيارهم (5) في الاسلام إذا فقهوا ".
__________
(1) سقطت من ا (2) ا: قالوا (3) ا: قال: فيوسف نبى الله (4) سقطت من ا (5) ط: فخياركم (*)
(1/242)
وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيدالله - وهو ابن عمر - العمرى به.
ثم قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيدالله، عن سعيد، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما، وحديث عبدة بن
سليمان.
والنسائي من حديث محمد بن بشر، أربعتهم عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ولم يذكروا أباه (1) ] وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد.
وقال البخاري: حدثنا عبدة، حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ".
تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر به.
* * * فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان،
__________
(1) سقطت من ط (*)
(1/243)
حدثنى مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النى صلى الله عليه وسلم: " يحشر الناس عراة غرلا، فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " ثم قرأ: " كما بدأنا أول خلق نعيده " فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضى الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت
لصاحب المقام المحمود، الذى يغبطه به الاولون والآخرون.
وأما الحديث الآخر الذى قال الامام أحمد: حدثنا وكيع وأبو نعيم، حدثنا سفيان - هو الثوري - عن مختار [ بن مختار (1) ] بن فلفل، عن أنس ابن مالك، قال: قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية.
فقال: " ذاك إبراهيم " فقد رواه مسلم من حديث الثوري و عبد الله بن إدريس، وعلى بن مسهر ومحمد بن فضيل، أربعتهم عن المختار بن فلفل.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وهذا (2) من باب الهضم والتواضح مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء ".
وقال: " لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ ".
وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه
__________
(1) من ا والمعروف فيه: مختار بن فلفل.
أنظر ميزان الاعتدال 4 / 80.
(2) ا: فهذا.
(*)
(1/244)
سيد ولد آدم يوم القيامة.
وكذلك حديث أبى من كعب في صحيح مسلم: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ".
ولما كان إبراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أمر المصلى أن يقول في تشهده، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره، قال: قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك ؟ قال: " قولوا اللهم صل على محمد [ وعلى آل محمد ] (1) كما صليت على إبراهيم [ وعلى ] (1) آل إبراهيم، وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم [ وعلى ] (1) آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
* * * وقال الله تعالى: " وإبراهيم الذى وفى ".
قالوا: وفى جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه، وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس [ في قوله تعالى ] (1): " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد.
في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والسواك، والاستنشاق، وفرق (2) الرأس.
وفى الجسد: تقليم
__________
(1) سقط من ا.
(2) ا: وفرق في الرأس.
(*)
(1/245)
الاظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبى حاتم.
وقال: وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبى والنخعي وأبى صالح وأبى الجلد نحو ذلك.
قلت: وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الاظفار، ونتف الابط ".
وفى صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع، عن زكريا بن أبى زائدة، عن مصعب بن شيبة العبدرى المكى الحجبى، عن طلق بن حبيب العترى، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الاظفار، وغسل البراجم (1)، ونتف الابط وحلق العانة، وانتقاص الماء، يعنى الاستنجاء ".
وسيأتى [ في ذكر (3) ] مقدار عمره والكلام على الختان.
والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عز وجل وخشوع العبادة العظيمة، عن مراعاة مصلحة بدنه، وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين، وإزالة ما يشين ; من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (2) أو وسخ.
فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم: " وإبراهيم الذى وفى "
__________
(1) جمع برجمة، وهى مفاصل الاصابع من ظهر الكف.
(2) القلح: صفرة الاسنان (3) ليست في ا.
(*)
(1/246)
ذكر قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي ومحمد بن موسى القطان قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك عن عكرمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ " إن في الجنة قصرا - أحسبه قال من لؤلؤة - ليس فيه فصم ولا وهى أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا " قال البزار: وحدثنا أحمد بن جميل المروزى، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك عن عكرمة، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) ] بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح.
ولم يخرجوه.
ذكر صفة إبراهيم عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبى الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض على الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية ".
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ.
وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن عثمان
__________
(1) سقطت من ا (*)
(1/247)
- يعنى ابن المغيرة - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم ; فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له: فإبراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعنى نفسه.
وقال البخاري: حدثنا بنان بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس، وذكروا له الدجال [ وأنه مكتوب (1) ] بين عينيه كافر أو " ك ف ر "، فقال: لم أسمعه، ولكنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: " أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بخلبة (2) كأنى أنظر إليه انحدر في الوادي " ورواه البخاري أيضا ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن ابن أبى عدى، عن عبد الله بن عون به.
وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفى
اللباس، ومسلم، جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدى، عن عبد الله ابن عون به.
__________
(1) سقط من ا.
(2) الحلبة: حبل من ليف.
(*)
(1/248)
ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره ذكر ابن جرير في تاريخه: أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان، وهو - فيما قيل - الضحاك الملك المشهور، الذى يقال إنه ملك ألف سنة، وكان في غاية الغشم والظلم.
وذكر بعضهم أنه من بنى راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا، وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر، فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود، فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك، فقالوا: يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين، فكان مولد إبراهيم [ الخليل (1) ] في ذلك الحين، فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار، وشب شبابا باهرا وأنبته الله نباتا حسنا، حتى كان من أمره ما تقدم.
وكان مولده بالسوس، وقيل ببابل، وقيل بالسواد من ناحية كوثى (2).
وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببرزة شرقي دمشق.
فلما أهلك الله نمرود على يديه هاجر إلى حران، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا.
وولد له إسماعيل وإسحق.
وماتت سارة قبله بقرية حبرون التى في أرض كنعان، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب.
فخزن عليها إبراهيم عليه السلام، ورثاها رحمها الله، واشترى
__________
(1) سقطت من ا.
(2) موضع بسواد العراق.
(*)
(1/249)
من رجل من بنى حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال، ودفن فيها سارة هنالك.
قالوا: ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحق فزوجه " رفقا " بنت بتوئيل ابن ناحور بن تارح، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الابل.
قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام " قنطورا " فولدت له: زمران، ويقشان، ومادان، ومدين، وشياق، وشوح.
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم بصحتها.
وقد قيل إنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان.
والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا: ثم مرض إبراهيم عليه السلام، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل وتسعين سنة، ودفن في المغارة المذكورة التى كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة التى في مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسمعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد ورد ما يدل [ على (1) ] أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبى.
فقال أبو حاتم ابن حبان في صحيحه: أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة، حدثنا على بن زياد اللخمى (2)، حدثنا أبو قرة، عن ابن جريج، عن
__________
(1) سقطت من ا (2) ا: الحجبى.
(*)
(1/250)
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب [ عن أبى هريرة (1) ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ".
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر ابن عون العمرى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبى هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد (2)، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن إبراهيم حين بلغ [ عشرين (3) و ] مائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقدوم ".
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق، أنه قال: القدوم اسم القرية.
قلت: الذى في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة.
وفى رواية وهو ابن ثمانين سنة، وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك.
والله أعلم.
وقال محمد بن إسماعيل الحانى الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات، حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن أبى هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول، وأول من
__________
(1) سقطت من ا.
(2) ا: ابن نيست.
(3) من ا (*)
(1/251)
فرق، وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم، وهو ابن عشرين
ومائة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا.
وهو أشبه بالمرفوع (1) خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب.
فقال: يا رب ماهذا ؟ فقال الله: " وقار " فقال يا رب زدنى وقارا.
وزاد غيرهما: وأول من قص شاربه، وأول من استحد، وأول من لبس السراويل.
فقبره وقبر ولده إسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التى بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد حبرون، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم.
وهذا متلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل من زمن بنى إسرائيل وإلى زماننا هذا، أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم.
فينبغي أن تراعى تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها، وأن تبجل وأن تجل أن يدلى في أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها.
وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال: وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة:
__________
(1) ا: من المرفوع (*)
(1/252)
ألهى جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله
وكيف يبقى آخرا * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل أول من ولد له: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل.
ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة: مدين، وزمران، وسرج ويقشان، ونشق، ولم يسم السادس.
ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين، فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان ونافس.
هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه: " التعريف والاعلام ".
(1/253)
قصة لوط عليه السلام ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الامور العظيمة: قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة العميمة.
وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح - وهو آزر كما تقدم - ولوط ابن أخى إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا، ويقال إن هاران هذا هو الذى بنى حران.
وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدى أهل الكتاب والله تعالى أعلم.
وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر (1)، وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها.
ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية، وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.
ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بنى آدم، وهى إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين.
فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى هذه المحرمات والفواحش المنكرات، والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمرزوا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم
__________
(1) ا: أرض عز عز: محرفة.
(*)
(1/254)
من البأس الذى لايرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين.
ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين.
فقال تعالى في سورة الاعراف: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (1) ".
وقال تعالى في سورة هود: " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما، قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله ؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد
مجيد * فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود * ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال هذا يوم عصيب * وجاءه قومه يهرعون
__________
(1) الآيات: 80 - 84.
(*)
(1/255)
إليه، ومن قبل كانوا يعملون السيئات، قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد ؟ * قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد * قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ؟ * فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (1) ".
وقال تعالى في سورة الحجر: " ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون ؟ * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين * فلما جاء آل لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وأتيناك بالحق وإنا لصادقون *
فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون * وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين * وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي
__________
(1) الآيات: 69 - 83.
(*)
(1/256)
فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أو لم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين (1) ".
وقال تعالى في سورة الشعراء: " كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بن أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إنى لعملكم من القالين * رب نجنى وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم (2) ".
وقال تعالى في سورة النمل: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من
قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (3) ".
__________
(1) الآيات: 50 - 77 (2) الآيات: 160 - 170 (3) الآيات: 54 - 85.
(17 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/257)
وقال تعالى في سورة العنكبوت: " ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل، وتأتون في ناديكم المنكر، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيخها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون " (1).
وقال تعالى في سورة الصافات: " وإن لوطا لمن المرسليمن * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون (2) ".
وقال تعالى في الذاريات بعد قصة [ ضيف (3) ] إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم: " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى
قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين *
__________
(1) الآيات: 28 - 35 (2) الآيات: 133 - 138 (3) سقطت من ا (*)
(1/258)
فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم " (1).
وقال في سورة القمر (2): " كذبت قوم لوط بالنذر * إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر * فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " (3).
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير.
وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن ; تقدم ذكرها مع نوح وعاد وثمود.
* * * والمقصود الآن إيراد ماكان من أمرهم، وما أحل الله بهم، مجموعا من الآيات والآثار.
وبالله المستعان.
وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى ما ذكر الله عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به [ حتى ] (4) ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نهوا.
بل استمروا على حالهم، ولم يرعووا (5) عن غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم.
وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم - إذ كانوا لا يعقلون
__________
(1) الآيات: 31 - 37 (2) ا: سورة الانشقاق (3) الآيات: 33 - 40 (4) ليست في ا.
(5) ط: ولم يرتدعوا.
(*)
(1/259)
إلا أن قالوا: " أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " فجعلوا غاية المدح ذما يقتضى الاخراج ! وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسن إخراج، وتركهم في محلتهم خالدين، لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج، وحر يتوهج، وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن " [ ارتكاب (1) ] الطامة العظمى، والفاحشة الكبرى، التى لم يسبقهم إليها أحد من [ العالمين (2) ] أهل الدنيا.
ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها.
وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم، المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه.
حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحون من مجالسيهم، وربما وقع (3) منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل.
وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلا، فأخذهم الله أخذا وبيلا.
وقالوا له فيما قالوا: " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم، وحلول البأس العظيم.
__________
(1) من ا.
(2) من ا.
(3) ا: وقد أوقع.
(*)
(1/260)
فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين.
فغار الله لغيرته، وغضب لغضبته ; واستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته، وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاءوا له من الامر الجسيم والخطب العميم: " قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين " وقال: " ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا، قالوا نحون أعلم بمن فيها.
لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ".
وقال الله تعالى: " فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ".
وذلك أنه كان يرجو أن [ يجيبوا أو (1) ] ينيبوا ويسلموا ويفلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود " أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره ; فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، " إنه قد جاء أمر ربك " أي قد أمر به من لايرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه.
" وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ".
وذكر سعيد بن جبير والسدى وقتادة ومحمد بن إسحق: أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: أنهلكون قرية يها ثلاثمائة مؤمن [ قالوا لا ] (2)
__________
(1) من ا.
(2) سقطت من ا.
(*)
(1/261)
قال: فمائتا مؤمن ؟ قالوا: لا.
قال: فأربعون مؤمنا ؟ قالوا: لا.
قال: فأربعة عشر مؤمنا ؟ قالوا: لا.
قال ابن إسحاق: إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟ قالوا لا.
" قال: إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها.
" الآية.
وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا ؟ فقال الله: " لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ".
ثم تنازل إلى عشرة فقال الله: " لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون ".
قال الله تعالى: " ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ".
قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم - وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم، في صور شبان حسان، اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم.
فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس، فخشى إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرا من الناس، و " سئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال هذا يوم عصيب " قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحق: شديد بلاؤه.
وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشتطروا عليه أن لا يضيف أحدا، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه.
وذكر قتادة: أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها، فتضيفوا فاستحيا منهم وانطلق أمامهم، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون
(1/262)
عن هذه القرية وينزلون في غيرها، فقال لهم فيما قال: [ والله (1) ] يا هؤلاء
ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء.
ثم مشى قليلا، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال: وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى شهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدى: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقى من الماء لاهلها، وكانت له ابنتان: اسم الكبرى " ريثا " والصغرى " زغرتا ".
فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل ؟ فقالت لهم: [ نعم (2) ] مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم.
شفقة (3) عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه ! أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم.
وقد كان قومه (4) نهوه أن يضيف رجلا [ فقالوا: خل عنا فلنضف الرجال (2) ].
فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها ; فقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط.
فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله: " ومن قبل كانوا يعملون السيئات " أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، " قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم " يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا ; لان النبي
__________
(1) من ا.
(2) ليست في ا (3) ط: فرقت عليهم من قومها (4) ا: وقد كانوا نهوه.
(*)
(1/263)
للامة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (1) " وفى قول بعض الصحابة
والسلف: وهو أب لهم.
وهذا كقوله: " أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون (2) ".
وهذا هو الذى نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدى ومحمد بن إسحاق، وهو الصواب.
والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب، وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تعشوا عنده.
وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما.
وقوله: " فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد ؟ " نهى لهم عن تعاطى مالا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء (3).
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه، عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد: " لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ".
يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمت يالوط أنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا.
__________
(1) من الآية: 5 من سورة الاحزاب (2) الآيتان: 165، 166 من سورة الشعراء.
(3) ا: كفرة أعتياء (*)
(1/264)
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذى العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام: " لو أن لى بكم قوة أو آوى
إلى ركن شديد ".
ود أن لو كان له بهم قوة، أوله منعة وشعيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوى إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي ".
ورواه أبو الزناد (1) عن الاعرج عن أبى هريرة.
وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط، إن كان يأوى (2) إلى ركن شديد - يعنى الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبى إلا في ثروة من قومه ".
وقال تعالى: " وجاء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أو لم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين ".
فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم.
هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نهاهم (3) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ماحم (4) به القدر مماهم إليه صائرون وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون.
__________
(1) ا: ورواه ابن أبى الدنيا (3) ا: لقد كان يأوى (4) ا: كلما لهم (5) ا: ما حم بهم (*)
(1/265)
ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون " وقال تعالى: " ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا
بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " (1).
ذكر المفسرون وغيرهم: أن نبى الله لوطا عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل مالهم في إلحاج وإنحاح (2)، فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال (3) ] " لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد "، لاحللت بكم النكال.
قالت الملائكة: " يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك " وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان !.
قال الله تعالى: " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر " (4).
فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط، عليه السلام، آمرين له بأن يسرى هو وأهله من آخر الليل.
" ولا يلتفت منكم أحد "، يعنى عند
__________
(1) ا: ورواه ابن أبى الدنيا (2) كذا في ا.
ولعلها إتباع كقولهم شحيح نحيح وفى ط: في الجاج والعاج وهو تحريف.
(3) من ا.
(*)
(1/266)
سماع صوت العذاب إذا حل بقومه.
وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم.
وقوله: " إلا امرأتك " على قراءة النصب: يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: " فأسر بأهلك " كأنه يقول إلا امرأتك فلا تشربها، ويحتمل أن يكون من قوله: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع، ولكن الاول أظهر في المعنى.
والله أعلم.
قال السهيلي: واسم امرأة لوط " والهة "، واسم امرأة نوح " والغة " وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة، الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب: " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ".
فلما خرج لوط عليه السلام بأهله، وهم ابنتاه، لم يتبعه منهم رجل واحد، ويقال إن امرأته خرجت معه.
فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لايرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد.
وعند أهل الكتاب: أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذى هناك فاستبعده، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم، فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها، ثم نحل بهم العذاب.
فذكروا أنه ذهب إلى قرية " صوعر " (1) التى يقول الناس: غور زغر، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب.
__________
(1) ا: صغر.
(*)
(1/267)
قال الله تعالى: " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ".
قالوا: اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن - وكن سبع مدن -
بمن فيهن من الامم، فقالوا إنهم كانوا أربعمائة نسمة، وقيل أربعة آلاف (1) نسمة، وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن والمعتملات.
فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها.
قال مجاهد: فكان أول ما سقط منها شرفاتها.
" وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ".
[ والسجيل فارسي معرب (2) ] وهو الشديد الصلب القوى، " منضود " أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء.
" مسومة " أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذى يهبط عليه فيدمغه، كما قال: " مسومة عند ربك للمسرفين " وكما قال تعالى: " وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين "، وقال تعالى: " والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى فبأى آلاء ربك تتمارى " يعنى (3) قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل، متتابعة، مسومة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذى سقط عليه ; من الحاضرين منهم في بلدهم، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها.
ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها، ويقال إنها خرجت مع زوجها
__________
(1) ا: أربعة آلاف ألف نسمة (2) سقطت من ا.
(3) ا: أي قلبها.
(*)
(1/268)
وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة، التفت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا، وقالت: واقوماه (1) ! فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها ; إذ كانت على دينهم، وكانت عينا لهم على
من يكون عند لوط من الضيفان.
كما قال تعالى: " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأه نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله من الله شيئا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين " (2) أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة - حاشا وكلا ولما فإن الله لا يقدر على نبى قط (3) أن تبغى امرأته، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبى قط.
ومن قال خلاف هذا قد أخطأ خطأ كبيرا (4).
قال الله تعالى في قصة الافك، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة نبت الصديق، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر، ووعظ وحذر قال فيما قال: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم " (5) أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة.
__________
(1) ا يا قومه.
(2) سورة التحريم.
(3) ا: على نبيه أن تبغى امرأته.
(4) ا: كثيرا.
(5) سورة النور (*)
(1/269)
وقوله هنا: " وما هي من الظالمين ببعيد " أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم، سواء كان محصنا أولا.
ونص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة.
واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبى عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ".
وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق [ جبل ] (1) ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، لقوله تعالى: " وما هي الظالمين ببعيد " وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه وعصى مولاه، ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات، كما قال تعالى: " إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الحكيم ".
وقال الله تعالى: " فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ذلك لآية للمؤمنين " أي من نظر بعين
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/270)
الفراسة والتوسم فيهم (1)، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " ثم قرأ: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين ".
وقوله: " وإنها لبسبيل مقيم " أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن.
كما قال: " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ".
وقال تعالى: " ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون " وقال تعالى: " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيخها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم ".
أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشى الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فأنزجر عن محارم الله وترك معاصيه، وخاف أن يشابه قوم لوط.
ومن تشبه بقوم فهو منهم، وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه ; كما قال بعضهم: فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه، يمتثل ما أمره الله به عزوجل، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال، والجوارى من السرارى ذوات الجمال، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد، فيحق عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى: " وما هي من الظالمين ببعيد ".
__________
(1) ط: فهم.
(*)
(1/271)
مدين قصة قوم شعيب عليه السلام قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا
في الارض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا، واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين * وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين * قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال: أولو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * وقال الملا الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين *.
(1/272)
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آمى على قوم كافرين " (1).
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير، وإنى أخاد عليكم عذاب يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ *
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ؟ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟ إنك لانت الحليم الرشيد * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منك ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبو إليه إن ربى رحيم ودود * قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول، وإنا لنراك فينا ضعيفا، ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز * قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا ؟ إن ربى بما تعلمون محيط * ويا قوم
__________
(1) الآيات: 85 - 93 (18 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/273)
اعملوا على مكانتكم إنى عامل، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب، وارتقبوا إنى معكم رقيب * ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود " (1).
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا: وإن كان أصحاب لايكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين " (2).
وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: " كذب أصحاب الايكة
المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين * أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين * قالوا إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربى أعلم بما تعملون، فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم " (3).
* * * كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم " مدين " التى هي قريبة (4) من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريبا
__________
(1) الآيات: 84 - 95 (2) الآيتان: 78 - 79 (3) الآيات: 176 - 191 (4) ط: قرية.
محرفة.
(*)
(1/274)
من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم (1) وهم من بنى مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل.
وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (2) بن يشجن، ذكره ابن إسحق.
قال: ويقال له بالسريانية يترون، وفى هذا نظر.
ويقال شعيب ابن يشخر بن لاوى بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا (3) ابن مدين بن إبراهيم، ويقال شعيب بن صيفور بن عيفا بن ثابت ابن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر: ويقال جدته، ويقال أمه، بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق.
وعن وهب ابن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجرا معه إلى الشام، فزوجهما بنتى لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة.
وفى هذا كله نظر.
والله تعالى أعلم.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد (4) العنزي: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة، فقال: " نعم الحى عنزة ; مبغى (5) عليهم منصورون رهط (6) شعيب وأختان (7) موسى ".
__________
(1) ط: مدينة عرفت بها القبيلة.
(2) ط: مكيل.
(3) ا: غبها.
(4) ا: سعيد.
(5) ا: يبغى.
(6) ط: قوم شعيب (7) الاختان.
جمع ختن وهو الصهر.
وفى المطبوعة.
وأحبار.
محرفة.
(*)
(1/275)
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا صهر (1) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل.
والله أعلم.
وفى حديث أبى ذر الذى في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمى شعيبا خطيب الانبياء.
يعنى لفصاحته وعلزو عبارته، وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته.
وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك،
عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء ".
وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الايكة، وهى شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها.
وكانوا من أسوإ الناس معاملة ; يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقس.
فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر اكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد.
وهو الولى الحميد.
__________
(1) ط: من موسى.
ومحرفة (*)
(1/276)
كما قال تعالى: " وإلى مدين أخاهم شعيبا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم " أي دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع عن صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التى لم ينقل إلينا تفصيلها (1)، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا.
" فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ".
أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال: " ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط " [ أي طريق (2) ] " توعدون " أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس
وغير ذلك وتخيفون السبل.
قال السدى في تفسيره عن الصحابة: " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة.
وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس، يعنى يعشرونهم.
وكانوا أول من سن ذلك.
" وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا " نهاهم (3) عن قطع الطريق الحسية الدنيوية، والمعنوية الدينية.
__________
(1) ط: لم تنقل إلينا تفصيلا.
(2) ليست في ا (3) ا: فنهاهم.
(*)
(1/277)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق