الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

أشراط الساعة

أشراط الساعة
[4 الفتن]
المطلب الرابع: الفتن الفتن بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة، قال ابن فارس (1) الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار (2) .
وقال الأزهري (3) جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك " فتنت الفضة والذهب " أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] (4) أي يحرقون بالنار (5) .
وقد وردت كلمة الفتنة في القرآن الكريم بمعنى الابتلاء والامتحان، ومن ذلك قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3] (6) .
" ومعنى: (وهم لا يفتنون) أي وهم لا يبتلون، ومعنى (فتنا) أي اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم ممن أرسلنا إليهم رسلنا، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم، وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتليناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك " (7) .
_________
(1) هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازى، أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب، أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، من أشهر كتبه: معجم مقاييس اللغة، والمجمل، وجامع التأويل في التفسير، توفي في الري سنة 395 هـ. سير أعلام النبلاء (17 / 103) .
(2) معجم مقاييس اللغة (4 / 472) .
(3) هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، قال الذهبي: كان رأسا في اللغة والفقه، ثقة، ثبتا دينا، له كتاب تهذيب اللغة، توفي سنة 371 هـ، سير أعلام النبلاء (16 / 315) .
(4) سورة الذاريات، الآية: 13.
(5) تهذيب اللغة (14 / 296) .
(6) سورة العنكبوت، الآية: 1 - 3.
(7) تفسير ابن جرير الطبري (25 / 128) .
...............................
(1/53)
وعرف الجرجاني (1) الفتنة بقوله: " الفتنة ما يتبين به ما للإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة " (2) .
وأما الفتن التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وأن أمته سوف تبتلى بالكثير منها، وأنها ترسل عليها إرسال القطر فهي من قبيل الاختبار والامتحان؛ ليتبين حال الإنسان فيها من الخير والشر وتعلقه بها، كما يوجد فيها بعض المعاني الأخرى المذكورة عند أهل اللغة من القتل والاختلاف والعذاب وتغير الأحوال والأزمنة.
قال الحافظ ابن حجر: " وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره، ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] (3) وتستعمل في الإكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: 10] (4) واستعملت أيضا في الضلال والإثم والكفر والعذاب، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن" (5) .
وقد دلت نصوص كثيرة صحيحة على أن من علامات الساعة كثرة الهرج، وهو القتل واللغط وظهور الفتن وانتشارها ونزولها في البلاد وكبر بلائها وهولها، حتى يمسي المرء المسلم من شدة وقعها كافرا، ويصبح مؤمنا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا، وتجيء الفتنة تلو الأخرى فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتظهر أخرى، فيقول هذه هذه إلى أن يشاء الله، فلا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وكلما طال الزمان
_________
(1) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحنفي المعروف بالشريف الجرجاني، فيلسوف، ومن كبار العلماء في العربية، ولد بجرجان سنة 740 هـ، وتوفي سنة 816 هـ.
بغية الوعاة (2 / 196 - 197) ، البدر الطالع (1 / 488) .
(2) التعريفات (212) .
(3) سورة التغابن، الآية: 15.
(4) سورة البروج، الآية: 10.
(5) فتح الباري (11 / 176) .
...........................
(1/54)
بأهله وبعد بهم كانت الفتن أشد ومصائبها أعظم، كما شهدت بذلك نصوص الشرع، ودلت عليه الحوادث والوقائع، فعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه فشكونا إليه ما نلقي من الحجاج فقال: " اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم» (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (2) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل (3) ومنا من هو في جشره (4) إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق (5) بعضها بعضا،
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن، (8 / 89، 90) .
(2) (أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان 1 / 110) .
(3) ينتضل: من المناضلة، والمناضلة: المقاتلة والمدافعة، وأصله من النضال: الرمي بالسهام، يقال: ناضلته فنضلته: أي راميته فغلبته. منال الطالب في شرح طوال الغرائب ص (117) .
(4) الجشر: بفتح الجيم والشين، هم قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت. النهاية في غريب الحديث (1 / 273) .
(5) قال النووي - رحمه الله -: هذه اللفظة رويت على أوجه: أحدها - وهو الذي نقله القاضي عياض عن جمهور الرواة -: يرقق بضم الياء وفتح الراء وبقافين: أي يصير بعضها رقيقا أي خفيفا لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه: يثبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. والوجه الثاني: فيرفق: بفتح الياء وإسكان الراء وبعدها فاء مضمومة، والثالث: فيدفق بالدال المهملة الساكنة وبالفاء المكسورة أي يدفع ويصب، والدفق هو الصب.
شرح صحيح مسلم للنووي (12 / 233) .
........................
(1/55)
وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. . .» الحديث (1) . وقد أرشد صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى ما يعصمهم من هذه الفتن والشرور والآثام فأمرهم بالتعوذ بالله منها وبالابتعاد عنها مع المبادرة بالأعمال الصالحة والإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر ولزوم جماعة المسلمين.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» (2) .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ، قال: " نعم "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن "، قلت: وما دخنه؟ قال: " قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر "، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها "، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: " هم من جلدتنا ويتكلمون بسنتنا "، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم "، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (3) . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يطول حصرها وسردها في هذا المكان، وكلها دالة على هذا الأمر العظيم الذي نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذر أمته من عاقبته، وأرشدهم إلى ما يعصمهم من هذه الشرور والآثام بالتعوذ منها والابتعاد عنها مع صحة الإيمان بالله تعالى واتباع أمره ونهيه ولزوم جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة، وإن كانوا في ضعف وقلة عدد.
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة (3 / 1472) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها (4 / 2200) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: (8 / 93) .                                              (1/56)

.
..............
أشراط الساعة
 [المطلب الخامس خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة]
المطلب الخامس: خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة من أمارات الساعة وأشراطها خروج الدجالين الكذابين، الذين يدعون النبوة ويثيرون الفتنة بأباطيلهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عدد هؤلاء قريب من ثلاثين فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (1) .
وقد تحققت ووقعت هذه الآية، والعلامة من علامات الساعة، فخرج كثير من أدعياء النبوة قديما وحديثا، ولا يستبعد أن يظهر دجالون آخرون إلى أن يظهر الدجال الأعور الكذاب - نعوذ بالله من فتنته - فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الكذاب» (2) .
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (3) .
" وقد ظهر من هؤلاء عدد كبير في الماضي، فادعى النبوة في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الأسود العنسي في اليمن حيث كانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) وقد تحرك بمن معه من المقاتلين واستولى على جميع أجزاء اليمن، وبعد أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث، بعث برسالة إلى المسلمين هناك يحثهم فيها على الوقوف في وجهه ومقاتلته، فاستجابوا لذلك وقتلوه في منزله بمعاونة زوجته التي تزوجها قسرا بعد أن قتل زوجها، وقد كانت مؤمنة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبمقتله ظهر الإسلام وأهله، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أتى إليه الخبر في ليلته من السماء فأخبر أصحابه، وقد دامت فترة
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: - كتاب المناقب - (6 / 616) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (5 / 16) بسند صحيح.
(3) أخرجه أبو داود في سننه (11 / 324) والترمذي في سننه (6 / 466) وقال هذا حديث صحيح.
(4) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (3 / 185) والكامل في التاريخ (2 / 337) .
(1/57)

ملك هذا الكذاب من حين ظهوره إلى أن قتل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة أشهر " (1) .
ومنهم طليحة بن خويلد الأسدي الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني أسد سنة 9 هـ وأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وقد تنبأ طليحة هذا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فوجه إليه ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه بالسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن السيف لا يعمل فيه، فكثر جمعه، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، ولما قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأمر الخلافة، أرسل إليه جيشا بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه فالتقى الجيشان، فهزم جيش طليحة ففر بعدها مع زوجته إلى الشام، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، ولحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد في سبيل الله بلاء حسنا واستشهد بنهاوند رضي الله عنه (2) .
ومنهم مسيلمة الكذاب، الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام التاسع الهجري مع جماعة من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ وقال: إني قد أشركت في الأمر معه - أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان يزعم أن الوحي يأتيه في الظلام، وقد أرسل له أبو بكر الصديق جيشا بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه فاستقبلهم مسيلمة بجيش كان قوامه أربعين ألف مقاتل ودارت بينهم معارك حاسمة كانت الدائرة فيها على مسيلمة وجيشه، وقتل مسيلمة بيد وحشي بن حرب رضي الله عنه وانتصر الحق وارتفعت راية التوحيد (3) .
_________
(1) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (3 / 231) ، الكامل في التاريخ (2 / 338) ، المختصر في أخبار البشر (156 - 157) ، البداية والنهاية (6 / 307 - 309) .
(2) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (3 / 261) ، الكامل في التاريخ (2 / 343 - 348) .
(3) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (3 / 272) الكامل في التاريخ (2 / 361، 362) ، البداية والنهاية (6 / 323 - 327) .
(1/58)

ومنهم سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم فالتف حولها أناس كثير من قومها ومن غيرهم وغزت بهم القبائل المجاورة حتى وصلت إلى بني تميم، فاصطلحوا معها، وسارت حتى وصلت اليمامة والتقت بمسيلمة وصدقته وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها وأقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها (1) .
وأما في عصر التابعين وما بعده فظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي تظاهر بالتشيع أولا فالتف حوله جماعة كثيرة من الشيعة (2) وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية، وكان يدعو الناس إليه، وزعم أن جبريل عليه السلام ينزل عليه، وقد استولى على الكوفة ونواحيها وقتل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء، وقد دارت بينه وبين مصعب بن الزبير عدة معارك كانت الدائرة فيها عليه والغلبة لمصعب، فقتل المختار، وفرح المسلمون بذلك (3) .
ومنهم الحارث بن سعيد الكذاب الذي أظهر التعبد والتنسك في دمشق ثم زعم أنه نبي، ولما علم أن الخبر وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان اختفى وجهل الناس خبره، فاستطاع رجل من أهل البصرة أن يعرف مكانه وتظاهر له بالتصديق فأمر الحارث ألا يحجب منه هذا الرجل متى ما أراد الدخول عليه،
_________
(1) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (3 / 271 - 275) ، وتاريخ ابن خلدون (2 / 874) ، والبداية والنهاية (6 / 319 - 321) .
(2) الشيعة: هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه، وقدموه على سائر الصحابة، ثم ظهرت فيها السبئية المنتسبون إلى عبد الله بيت سبأ فادعوا إمامة علي بالنص، وقالوا: بالغيبة والرجعة، ثم ساقوا الإمامة في ذريته على اختلاف بينهم، والشيعة فرق كثيرة منهم الغالي ومنهم دون ذلك، تم صار التشيع ستارا للفرق الباطنية الملحدة. انظر: مقالات الإسلاميين (1 / 65) ، والملل والنحل (1 / 146) .
(3) انظر: الفرق بين الفرق (45 - 55) ، والبداية والنهاية (8 / 311 - 314) .
(1/59)

فاتصل هذا الرجل بعبد الملك وأخبره الخبر، فسير معه جنودا من العجم وتم القبض عليه وجيء به إلى عبد الملك، فأمر عبد الملك رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فصلبه عبد الملك بعد ذلك (1) .
وفي العصر الحديث قبل أكثر من قرن ظهر بالهند رجل يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني - لعنة الله عليه - ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله عز وجل أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وقد صار له أتباع وأعوان فانبرى له كثير من العلماء وردوا عليه وبينوا أنه دجال من الدجالين، وكان منهم العالم الكبير ثناء الله الأمر تسري الذي كان من أشد العلماء عليه حتى إنه في عام 1326 هـ تحدى القادياني الشيخ ثناء الله هذا، بأن الكاذب المفتري من الرجلين سيموت، ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه ويسلط عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وبعد ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام تقريبا أصيب القادياني بدعوته. وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: ولما اشتد مرضه أيقظني فذهبت إلى حضرته ورأيت ما يعانيه من الألم فخاطبني قائلا: أصبت بالكوليرا ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة حتى مات (2) .
وهكذا سيستمر خروج هؤلاء الكذابين الدجالين واحدا بعد الآخر، حتى تستوفي عدتهم التي أخبرنا الصادق المصدوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يكون آخرهم المسيح الدجال الذي يخرج في آخر الزمان - نعوذ بالله من فتنته - وينزل عيسى ابن مريم عليه السلام للقضاء عليه وعلى فتنته، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة الكبرى.
_________
(1) انظر: تلبيس إبليس (427 - 430) ، البداية والنهاية (9 / 27، 28) .
(2) القاديانية: لإحسان إلهي ظهير (155 - 159) .
(1/60)
...........................
أشراط الساعة
 [المطلب السادس ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان]
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان من علامات الساعة التي ظهرت وأخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ولادة الأمة ولدا يكون له السيادة عليها، وتفاخر الناس بالبنيان الشاهق، وزخرفة البيوت بعد أن كانوا حفاة يعيشون في خيام الشعر ويرعون الشياه والبعير، كما دل على ذلك الحديث المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث جبريل الطويل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، «قال له جبريل عليه السلام:. . فأخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ ، قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (1) . ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث أن تنقلب الموازين، وتصبح الأمور في غير محلها اللائق بها، كأن يصبح الولد سيدا ومولى لأمه، ويحدث هذا عندما يتسع الإسلام، ويكثر السراري، ويتخذ الناس السراري ويكثر منهن الأولاد، فيكون الرجل من أمته في معنى السيد لأمه، إذا كانت مملوكة لأبيه، وملك الأب راجع إلى الولد، وكذلك ابنتها؛ لأنها في الحسب كأبيها. وكذلك بالنسبة للحفاة العراة رعاء الشاء، أهل الجهل والجفاء عندما تختل الموازين بكثرة الأموال بين أيديهم، يصبحون هم رؤوس الناس فيتطاولون في البنيان ويتنافسون على وجه التفاخر والخيلاء، في زخرفة العمارات وعدد أدوارها بعد أن كانوا أهل تنقل وترحال لا تستقر بهم دار.
يقول العلامة حمود التويجري - رحمه الله تعالى -: " والتطاول في البنيان يكون بتكثير طبقات البيوت ورفعها إلى فوق، ويكون بتحسين البناء وتقويته وتزويقه، ويكون بتوسيع البيوت وتكثير مجالسها ومرافقها، وكل ذلك واقع في زماننا حين كثرت الأموال وبسطت الدنيا على الحفاة العراة العالة، فالله المستعان (2) ".
_________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (1 / 36) .
(2) إتحاف الجماعة (2 / 162) .
(1/61)

وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير هاتين العلامتين من أشراط الساعة، فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عن ولادة الأمة ربتها أو ربها الواردة في الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» وفي الرواية الأخرى: " ربها " على التذكير، وفي الأخرى " بعلها " قال يعني السراري، ومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها.
قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.
وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.
وقيل معناه: أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد.
وقيل معناه غير ما ذكرناه، وكلها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها (1) .
ويقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه، فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال:
الأول: قال الخطابي (2) معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد
_________
(1) شرح صحيح مسلم النووي (1 / 158) .
(2) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي، الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المحدث، من أشهر تصانيفه: غريب الحديث، توفي سنة 388 هـ.
سير أعلام النبلاء (17 / 23) ، شذرات الذهب (3 / 127) .
(1/62)

الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيها بمنزلة ربها لأنه وليد سيدها (1) . قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (2) قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم وقع أكثره في صدر الإسلام وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة.
الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
الثالث: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون - من كونها تدل على فساد الأحوال - مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيا، والسافل عاليا (3) .
وأما تطاول الناس في البنيان فهو ظاهر وبين في هذا العصر حيث تسابق الناس إلى التباهي بالعمران والزخرفة بسبب كثرة الأموال حتى إن أهل البادية من أهل الفقر والحاجة أخذوا في بناء الأبنية ذوات الطوابق المتعددة وتنافسوا
_________
(1) معالم السنن (7 / 67) .
(2) شرح صحيح مسلم للنووي (1 / 158) .
(3) فتح الباري (1 / 122) .
(1/63)

في ذلك، وكل هذا قد وقع كما أخبر به رسولنا صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق كما سبق ذلك في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فحدثني متى الساعة؟ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله من خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو. . . ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك. . . "، قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها "، قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: " العرب» (1) .
قال القرطبي: " المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على أمر، ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان " (2) .
وقال ابن رجب الحنبلي: " ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (3) فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا " (4) .
ويقول الحافظ ابن حجر: " ومعنى التطاول في البنيان أن كل من يبني بيتا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد: المباهاة في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد " (5) .
_________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4 / 332) حديث رقم (2926) ، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(2) انظر: فتح الباري لابن حجر (1 / 123) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق (7 / 188) .
(4) جامع العلوم والحكم (36) .
(5) فتح الباري (13 / 88) .
(1/64)
.....................
أشراط الساعة
 [المطلب السابع قبض العلم وظهور الجهل]
المطلب السابع: قبض العلم وظهور الجهل من علامات الساعة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قبض العلم وظهور الجهل، فعن أبي موسى وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل» (1) .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» (2) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله، أيم هو؟ ، قال: القتل القتل» (3) .
قال ابن العربي (4) " وأما ذهاب العلم، قال المشيخة: فيكون بوجوده، إما بمحوه من القلوب، وقد كان في الذين قبلنا، ثم عصم هذه الأمة، فذهاب العلم منها بموت العلماء، وقد قال جماعة من الناس: إن ذهاب العلم يكون أيضا بذهاب العمل به، فيحفظون القرآن ولا يعملون به فيذهب العلم. . . والذي عندي أن الوجوه الثلاثة في هذه الأمة، فقد يذنب الرجل حتى يذهب ذنبه علمه، وقد يقرؤه ولا يعمل به، وقد يقبض بعلمه فلا ينتفع أحد به، أو يمنع من بثه فيذهب لوقته " (5) .
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (8 / 89) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (1 / 28) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (1 / 29) .
(4) هو أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري الإشمبيلي، المالكي المعروف بابن العربي، من حفاظ الحديث، صنف كتبا كثيرة في الحديث والفقه والأصول والتفسير، ومنها: العواصم من القواصم، وعارضة الأحوذي شرح سن الترمذي. توفي سنة 543 هـ.
وفيات الأعيان (1 / 489) نفح الطيب (1 / 340) .
(5) عارضة الأحوذي (10 / 121) .
(1/65)

وقال القرطبي أثناء شرحه لحديث: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل» : وأما قلة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع، أعني برفع العلم وقلته: ترك العمل به (1) .
وقال ابن حجر: قيل: إن المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد (2) .
وقد ورد ما يدل على أن المراد برفع العلم وكثرة الجهل: موت العلماء فلا يبقى إلا الجهال الذين يتخذهم الناس رؤساء فيضلوا ويضلوا غيرهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (3) .
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: «لما كان في حجة الوداع؛ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: " يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم "، وقد كان أنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] (4) . قال: فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله ذلك على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بردا، فاعتم به، حتى رأيت حاشيته خارجة من
_________
(1) التذكرة ص (748 - 749) .
(2) فتح الباري (13 / 17) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم (1 / 34) ، ومسلم في صحيحه: كتاب العلم (4 / 2053) .
(4) سورة المائدة، الآية: 101.
(1/66)

حاجبه الأيمن، قال: ثم قلنا له: سل النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا؟ قال: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب، قال: فقال: " أي ثكلتك أمك، هذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون منها بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وأن من ذهاب العلم أن يذهب حملته (ثلاث مرات) » (1) .
يقول الحافظ النووي أثناء شرحه لحديث عبد الله بن عمرو السابق: " هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالتهم فيضلون ويضلون " (2) .
وقد وقع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في زمان من قبل فكيف بزماننا، قال ابن بطال (3) " وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل " (4) . من أجل هذا حث السلف على طلب العلم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، وعليكم بالعمل، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وعليكم بالعلم، وإياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق» (5) . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، فتعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء» (6) . وقد ظهر مصداق هذا كله في زماننا ولم يبق العلم إلا في أناس قليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
_________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (3 / 266) ، والدارمي في سننه (1 / 68) مختصرا.
(2) شرح صحيح مسلم للنووي: (16 / 224) .
(3) هو أبو الحسن علي بن خلف بن بصاد القرطبي، كان من أهل العلم والمعرفة، شرح صحيح البخاري، ينقل عنه الحافظ ابن حجر كثيرا، توفي سنة 449 هـ.
سير أعلام النبلاء (18 / 47) ، شذرات الذهب (3 / 283) .
(4) انظر: كتاب فتح الباري لابن حجر: (13 / 16) .
(5) أخرجه أبو داود في سننه: (4 / 63) .
(6) أخرجه الدارمي في سننه: (1 / 69) ، وابن عبد البر في جامع ببان العلم وفضله ص (207) .
(1/67)
..............................



















امتناع الطلاق في الحمل وتحريمه حسب تشريع سورة الطلاق 5هـ .


امتناع الطلاق في الحمل وتحريمه
وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
تحقيق بطلان الطلاق في الحمل وبيان شذوذ روايته
رواية محمد ابن عبد الرحمن مولي طلحة عن سالم: وتحقيق بطلان الطلاق في الحمل وبيان شذوذ روايته
ج)رواية محمد ابن عبد الرحمن مولي طلحة عن سالم:
وتحقيق بطلان الطلاق في الحمل وبيان شذوذ روايته:
5 - (1471) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير.(واللفظ لأبي بكر) قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان، عن محمد ابن عبدالرحمن،(مولى آل طلحة) عن سالم، عن ابن عمر ؛ أنه طلق امرأته وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "مره فليراجعها. ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا"....[قلت المدون: هذه الرواية قد دخلها من علل المتن الآتي:
1.الإيجاز الشديد ،
2.والتصرف فيها{روايةً بالمفهوم}،حيث وقع في مفهوم محمد ابن عبد الرحمن مولي طلحة أن الطلاق يكون في الطهر أو الحمل،بإعتبار أن الحامل طاهر من الحيض وليست في حيض ،وروي ما فهمه علي أنه من رواية ابن عمر النصية،وهو مخالف لثلاثة أسس:
1. الأساس الأول هو:مخالفته لرواية مالك عن نافع عن ابن عمر عمدة أحكام الطلاق عنه مخالفة شديدة .
2.والأساس الثاني هو :أنه اختصر إجمالا سائر التفصيلات النصية أو التقريرية الواردة في سائر الروايات عن ابن عمر ، فشذ شذوذاً عظيماً،
3.والأساس الثالث هو :مخالفته لأحكام العدد الواردة في سورة الطلاق والتي تؤكد أن المرأة الحامل لا تطلق إلا بعد أن تضع حملها لقوله تعالي(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) /سورة الطلاق):
أما محمد بن عبد الرحمن فهو :
محمد بن عبد الرحمن فهو : مولى آل طلحة بْن عبيد اللَّه سالم بْن عبد اللَّه بْن عمر م 4 والسائب بْن يزيد وسليمان بْن يسار ت وعكرمة مولى ابْن عباس وعلي بْن ربيعة الوالبي وعيسى بْن طلحة بْن عبيد اللَّه ت س ق وكريب مولى ابْن عباس بخ م 4 ومُحَمَّد بْن مسلم بْن شهاب الزهري س وموسى بْن طلحة بْن عبيد اللَّه س وأبي سلمة بْن عبد الرحمن بْن عوف م روى عنه إسرائيل بْن يونس والْحَسَن بْن عمارة ت وحماد بْن يونس الزهري وسَعْد بْن الصلت البجلي قاضي شيراز وسُفْيَان الثوري م 4 وسُفْيَان بْن عيينة بخ م د س ق وشريك بْن عبد اللَّه د وشعبة بْن الحجاج ت س وعبد الرحمن بْن عبد اللَّه المسعودي ت س وعبد الملك بْن أبي بكر بْن حفص بْن عمر بْن سَعْد بْن أبي وقاص ومسعر بْن كدام م س ق
# قال عباس الدوري , ويعقوب بْن شيبة , عن يَحْيَى بْن معين : ثقة(قلت المدون ولم يزد علي ذلك) # وقال أَبُو زرعة ، وأَبُو حاتم ، وأَبُو داود صالح الحديث
قلت المدون :وما أدراك من هم: أَبُو زرعة ، وأَبُو حاتم ، وأَبُو داود؟ إنهم أدق ما صنع الله تعالي من نقاد للرجال وعدٍ للأحاديث النبوية وقولهم هذا يعني أنه غير ثقة عندهم وحديثه صالح ويعني أنه لا يشامخ حديث الثقات الضابطين. وقال النسائي:ليس به بأس وهي طعن في ضبطه وليس عدالته كما قال النسائي في حديثه هذا بعد أن ذكر نصه : قال :لا يتابع علي محمد بن عبد الرحمن في هذا الحديث، وهذا يعني تفرده بهذه الرواية من دون الرواة الحفاظ العدول الأضبط منه وأوثق وأعدل وهو وسم لروايته هذه بالشذوذ الشديد من قبل الحافظ النسائي،وهذا النوع من الأحاديث لا يصلح تفرد الراوي به وهو بهذا الوصف
# وذكره ابن حبان في كتاب الثقات^ وقال الْبُخَارِي: قال لنا علي , عن ابن عيينة : كان أعلم من عندنا بالعربية.أي كان أعلم باللغة العربية منه إلي الحفظ والضبط والإتقان مقارنةً بروايات الضابطين العدول الأثبات
*روى له الْبُخَارِي في الأدب والباقون.
[قلت المدون: ورواية البخاري له في الأدب هي عزوف منه عن أن يروي له في الصحيح كما أن البخاري لم يوثقه واكتفي بقوله كان أعلم من عندنا بالعربية وهي قدح في الرواوي أكثر منه تعديلا في الحفظ وتحمل الحديث وجودة أدائه.قلت المدون: ومثله لا يصلح تفرده بالرواية فضلا علي أن يخالف الضابطين الثقات جدا] وقد تفرد برواية الطلاق في الحمل مخالفا لما رواه الثقات العدول الأثبات المتقنين كمالك عن نافع عن بن عمر وكل طرق عبد الله بن عمر الثمانية في طلاق بن عمر لامرأته.
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
هذه الآية هي فرض ما بعد طلاق المرأة الحامل بعد طول عدة حملها مع زوجها في بيتها الذي هو بيته فلما انقضت العدة وجاء أجل تطليقها بعد وضع حملها ولم يمسكها زوجها بعد انفلات العدة وظل مصمما علي تطليقها هنا وهنا فقط تداعت الأحداث وكشفت عن الضحايا التالي ذكرهم لقرار الزوج بعد إمساك زوجها والمضي قدما في تطليقها بعد وضع حملها أقول فالضحايا لقرار الطلاق هم :
1. الزوج نفسه
2.الزوجة بعد تطليقها
3.الطفل المولود أو الطفلة
4.المجتمع بفقده بيتا مدعما لكيانه البنائي كدولة
↙ أما الزوج فلم يعلم علم اليقين قبل طلاقه لزوجته بتداعيات قراره كم ستمر عليه الأيام والأسابيع والأشهر والسنون مجترا لملامة نفسه أو واقعا تحت وطأة حنينه لمطلقته وأطفاله ومستقره الدافئ في بيته والذي انهار مع قرار طلاقه ↙ وأما الزوجة فقد هُدِم بيتها وتفرق عنها دفئ اجتماعها بزوجها وأولادها وبرزت لها مسألة النفقة علي وليدها والإرضاع له(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) لوفرض علي المطلق توفير أجر مطلقته للإرضاع فالوليد هو للأب في كل تعاليات الزواج أو تداعيات الطلاق
↙ أما الطفل فتداعيت قرار أبيه عليه أنه: يحتاج الي مطعم(رضاعة ثم غذاء ودواء وملبس ومسكن)تعليم وخلافه وكل ذلك علي الأب كحق لإبنه وما دزن ذلك فهو تعدي لأمر الله تعالي
وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ
كما فرض الله تعالي بعد انقضاء العدة ووقوع الطلاق نتيجة مشي الزوجين الحثيث إلي نهايتها وحصول الزوج علي معول هدم بيته القابع في نهاية العدة ونزوله علي بيته مكانا وزوجة وأولاده بالتدمير والتخريب لذلك فرض الله تعالي الإتمار بين المطلقين بالمعروفحفاظا علي ما تبقي من أشلاء بيتهما المخرب
وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)
والتعاسر بين المطلقين مرده إلي أحد هذه الإحتمالات:
1.قبول الإتمار بالمعروف ظاهريا ومخالفته لأي سبب في حقيقة الأمر دون الإفصاح
2.ضعف امكانيات المطلق وعجزه عن تدبير أجر إحتياجات ومطالب مطلقته في حضانتها لولده
3.انشغال المطلقة بنفسها راغبة عن بواقي حياة مطلقها بإهمامها بعروض الخطاب معرضة عن أشلاء حياتها السابقة من مطلقها حتي وليدها
======
ويبقي في هذا التداعي الناتج عن رعونة الزوج في سرعة قرار طلاقه لامرأته بعد أن مد الله تعالي له: عدةً قدرها 3 ثلاثة قروء إن كانت امرأته من ذوات الأقراء أو 3 ثلاثة أشهر قمرية إن كانت من اللائي لا يحضن وطول مدة الحمل إن كانت من أولات الأحمال إلي أن تضع امرأته حملها ثم تغابي أوتكاسل أو ظل عازما علي قراره حتي أتاه أجل عدة امرأته فلم يمسكها وحقق بعد العدة طلاقه لها فعليه إذن : كل تداعيات هذا الطلاق كما فرضها الله تعالي ومن لم يستطع فلينفق مما آتاه الله سيجعل الله بعد عسرٍ يسرا
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)
------------------
صور تعبيرية لأحكام الطلاق
اضغط الصورة للتكبير

































--------------------------