الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

كتاب الزهد والورع والعبادة ابن قيم الجوزية


الزهد والورع والعبادة ابن قيم الجوزية
الزهد والورع والعبادة ابن قيم الجوزية
الفصل الاول الصراط المستقيم في الزهد والعبادة والورع
قال الشيخ رحمه الله أهمية لزوم السنة فصل في الصراط المستقيم في الزهد والعبادة والورع في ترك المحرمات والشهوات والاقصتاد في العبادة وأن لزوم السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة فإن أصحابها لا بد أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد لهم من اتباع الهوى ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء فإن طريق السنة علم وعدل وهدى وفي البدعة جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس معنى الضلال والغي والرشد والرسول ما ضل وما غوى والضلال مقرون بالغي فكل غاو ضال والرشد ضد الغي والهدى ضد الضلال وهو مجانبة طريق الفجار وأهل البدع كما كان السلف ينهون عنهما قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا
والغي في الأصل مصدر غوى يغوي غيا كما يقال لوى يلوي ليا وهو ضد الرشد كما قال تعالى وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان سبيل الغي يتخذوه سبيلا والرشد العمل الذي ينفع صاحبه والغي العمل الذي يضر صاحبه فعمل الخير رشد وعمل الشر غي ولهذا قالت الجن وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا فقابلوا بين الشر وبين الرشد وقال في آخر السورة قل اني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ومنه الرشيد الذي يسلم إليه ماله وهو الذي يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر وقال الشيطان ولأعوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلصين وهو أن يأمرهم بالشر الذي يضرهم فيطيعونه كما قال تعالى وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي وقال وبرزت الجحيم للغاوين الى أن قال فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس أجمعون وقال قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغويناهم غوينا وقال ما ضل ضاحبكم وما غوى
(1/1)
ثم ان الغي اذا كان اسما لعمل الشر الذي يضر صاحبه فإن عاقبة العمل أيضا تسمى غيا كما ان عاقبة الخير تسمى رشدا كما تسمى عاقبة الشر شرا وعاقبة الخير خيرا وعاقبة الحسنات حسنات وعاقبة السيئات سيئات فالحسنات والسيئات في كتاب الله يراد بها أعمال الخير وأعمال الشر كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل خيرا وحسنات لقي خيرا وحسنات ومن عمل شرا وسئيات لقي شرا وسيئات كذلك من عمل غيا لقي غيا وترك الصلاة واتباع الشهوات غي يلقى صاحبه غيا فلهذا قال الزمخشري كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد كما قيل فمن يلق خيرا يحمد الناس أمرهومن يغولا يعدم على الغي لائما وقال الزجاج جزاؤه غي لقوله يلق أثاما أي مجازاة آثام وفي الحديث المأثور ان غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها وهذا تعبير عن ملاقاة الشر وقال سبحانه أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فإن الصلاة فيها ارادة وجه الله كما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أي يصلون صلاة الفجر والعصر والداعي يقصد ربه ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة لربها محبة له
(1/2)
اتباع الشهوات واتباع الشهوات هو اتباع ما تشتهيه النفس فإن الشهوات جمع شهوة والشهوة هي في الأصل مصدر ويسمى المشتهى شهوة تسمية للمفعول باسم المصدر قال تعالى ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاعظيما فجعل التوبة في مقابلة اتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا أي فالله يحب لنا ذلك ويرضاه ويأمر به ويريد الذين يتبعون الشهوات وهم الغاوون أن تميلوا ميلا عظيما يعدل بكم عن الصراط المستقيم الى اتباع الشهوات عدولا عظيما فإن أصل الميل العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء الا مؤمن رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان فأخبر أنا لا نطيق الاستقامة أو ثوابها اذا استقمنا وقال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فقوله كل الميل أي يريد نهاية الميل يريد الزيغ عن الطريق والعدول عن سواء الصراط الى نهاية الشر بل اذا بليت بذلك فتوسط وعد الى الطريق بالتوبة كما في الحديث عن النبي صلى اله عليه وسلم مثل المؤمن كمثل
(1/3)
الفرس في آخيته يجول ثم يرجع الى آخيته كذلك المؤمن يجول ثم يرجع الى ربه قال تعالى وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الى قوله ونعم أجر العاملين فلم يقل لا يظلمون ولا يذنبون بل قال اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم أي بذنب آخر غير الفاحشة فعطف العام على الخاص كما قال موسى رب اني ظلمت نفسي وقالت بلقيس رب اني ظلمت نفسي وقال تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة وما ظلمناهم ولكم ظلموا أنفسهم فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه وبعصيانهم لأنبيائهم وبتركهم التوبة الى ربهم وقوله تعالى ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولهذا قال والله يريد أن يتوب عليكم ثم قال يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا قال مجاهد وغيره يتبعون الشهوات الزنا وقال
(1/4)
ابن زيد هم أهل الباطل وقال السدي هم اليهود والنصارى والجميع حق فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية ثم ذكر أنه خلق الانسان ضعيفا وسياق الكلام يدل على أنه ضيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة ولهذا قال طاووس ومقاتل ضعيف في قلة الصبر عن النساء وقال الزجاج وابن كيسان ضعيف العزم عن قهر الهوى وقيل ضعيف في أصل الخلقة ولأنه خلق من ماء مهين يروى ذلك عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر يناسب ما ذكر في الآية فانه قال يريد الله أن يخفف عنكم وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون اليه ولا تصبروا عنه كما أباح نكاح الفتيات وقد قال قبل ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم فهو سبحانه مع اباحته نكاح الاماء عند عدم الطول وخشية العنت قال وأن تصبروا خير لكم فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس النكاح كاباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه حكم الاستمناء وكذلك من أباح الاستمناء عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل فقد روي عن ابن عباس أن نكاح الاماء خير منه وهو خير من
(1/5)
الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الاماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد واختاره ابن عقيل في المفردات والمشهور عنه يعني عن أحمد أنه محرم الا اذا خشي العنت والثالث أنه مكروه الا اذا خشي العنت فإذا كان الله قد قال في نكاح الاماء وأن تصبروا خير لكم ففيه أولى وذلك يدل على أن الصبر عن كلاهما ممكن فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا والاستمناء لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه انما هو لمن خشي العنت وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة بأن يتذكر في حال استمناءه صورة كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد والصبر عن هذا من الواجبات لابد من المستحبات وجوب الصبر عن المحرمات وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها قال تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والاستعفاف هو ترك المنهي عنه كما في الحديث
(1/6)
الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي لأحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر فالمستغني لا يستشرف بقلبه والمستعف هو الذي لا يسأل الناس بلسانه والمتصبر هو الذي لا يتكلف الصبر فأخبر أنه من يتصبر يصبره الله وهذا كأنه في سياق الصبر على الفاقة بأن يصبر على مرارة الحاجة لا يجزع مما ابتلي به من الفقر وهو الصبر في البأساء والضراء قال تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الصبر على البلاء والضراء والمرض وهو الصبر على ما ابتلي به من حاجة ومرض وخوف والصبر على ما ابتلي به باختياره كالجهاد فإن الصبر عليه أفضل من الصبر على المرض الذي يبتلى به بغير اختياره ولذلك اذا ابتلي بالعنت في الجهاد فالصبر على ذلك أفضل من الصبر عليه في بلده لأن هذا الصبر من تمام الجهاد وكذلك لو ابتلي في الجهاد بفاقة أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه أفضل كما قد بسط هذا في مواضع
(1/7)
الصبر على الطاعات وكذلك ما يؤذي الانسان به في فعله للطاعات كالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم من المصائب فصبره عليها أفضل من صبره على ما ابتلي به بدون ذلك وكذلك اذا دعته نفسه الى محرمات من رئاسة وأخذ مال وفعل فاحشة كان صبره عنه أفضل من صبره على ما هو دون ذلك فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما فإن في العلم والامارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والحج والصوم والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس الى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة أوجه أحدهما أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب الثاني أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك الثالث أن طلب النفس لها اذا كان بسبب أمر ديني كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل اليه من ذلك فإن صبره عن ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما اذا مالت نفسه الى ذلك بدون عمل صالح ولهذا كان يونس بن عبيد يوصي بثلاث
(1/8)
يقول لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله ولا تصنع أذنك الى صاحب بدعة وان قلت أرد عليه فأمره بالاحتراز من أسباب الفتنة فإن الانسان اذا تعرض لذلك فقد يفتتن ولا يسلم فإذا قدر أنه ابتلي بذلك بغير اختياره أو دخل فيه باختياره وابتلي فعليه أن يتقي الله ويصبر ويخلص ويجاهد وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب من أفضل الأعمال كمن تولى ولاية وعدل فيها أو رد على أصحاب البدع بالسنة المحضة ولم يتفنوه أو علم النساء الدين علىالوجه المشروع من غير فتنة الابتلاء لكن الله اذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه واذا تعرض العبد بنفسه الى البلاء وكله الله الى نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة فإنك ان أعطيتها عن مسألة وكلت اليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وكذلك قال في الطاعون اذا ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه واذا سمعتم به
بأرض فلا تقدموا عليه فمن فعل ما أمره الله به فعرضت له فتنة من غير اختياره فإن الله يعينه عليها بخلاف من تعرض لها التوبة لكن باب التوبة مفتوح فإن الرجل قد يسأل الامارة فيوكل اليها ثم يندم فيتوب من سؤاله فيتوب الله عليه ويعينه اما على اقامة الواجب واما على الخلاص منها وكذلك سائر الفتن كما قال قل يا عباري الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذه الأمور تحتاج الى بسط لا يتسع له هذا الموضع الهداية والمقصود أن الله سبحانه يريد أن يبين لنا ويهدينا سنن الذين من قبلنا الذين قال فيهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وهم الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله اهدنا الصراط المستقيم صرط الذين أنعمت عليهم فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط هؤلاء وهو سبيل من أناب اليه فذكر هنا ثلاثة أمور البيان والهداية والتوبة
(1/9)
المراد بالسنن وقيل المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل أي يريد أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء فيهدي عباده المؤمنين الى الحق ويضل آخرين فإن الهدى والضلال انما يكون بعد البيان كما قال وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم وقال وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فتكون سنن متعلقا بيبين يعني سنن أهل الباطل لا بيهدي وأهل الحق متعلق بقوله ويهديكم وقال الزجاج السنن الطرق فالمعنى بدلكم على طاعته كما دل الأنبياء وتابعيهم وهذا أولى لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هو العامل وحده بل العامل اما الثاني وحده واما الاثنان كقوله آتوني أفرغ عليه قطرا أو اذا أريد هذا التقدير يبين لكم سنن الذين من قبلكم ويهديكم سننا فدل على أنه يهدينا سننهم والمراد بذلك سنن أهل الحق بخلاف قوله قد خلت من قبلكم سنن فإنه قال بعدها فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فإنه أراد تعريف عقوبة
(1/10)
الظالمين بالعيان وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر ثلاثة أمور التبيين والهدى والتوبة لأن الانسان أولا يحتاج الى معرفة الخير والشر وما أمر به وما نهي عنه ثم يحتاج بعد ذلك الى أن يهدي فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل وهو سنن الأنبياء والصالحين ثم لا بد له بعد ذلك من الذنوب فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو محتاج الى العلم والعمل به والى التوبة مع ذلك فلا بد له من التقصير أو الغفلة في سلوك تلك السنن التي هداه الله اليها فيتوب منها بما وقع من تفريط في كل سنة من تلك السنن وهذه السنن تدخل فيها الواجبات والمستحبات فلا بد للسالك فيها من تقصير وغفلة فيستغفر الله ويتوب اليه فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحق الذي أوجبه عليه فما يسعه الا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة تفسير الهداية وقد يقال الهداية هنا البيان والتعريف أي يعرفكم سنن الذين من قبلكم من أهل السعادة والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى وهديناه النجدين قال علي وابن مسعود سبيل الخير والشر وعن ابن عباس سبيل الهدى والضلال وقال مجاهد سبيل السعادة والشقاوة أي فطرناه على ذلك وعرفناه اياه والجميع واحد والنجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر ونبينه له كتبيين الطريقين العاليين لكن الهدى والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك فيه بنو آدم ويعرفونه بعقولهم وأما طريق من تقدم من الأنبياء فلا بد من اخبار الله تعالى عنها كما
(1/11)
قال تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم ولم يحتج أن يذكر الهدى اذا كان المعنى واحدا فلما ذكر أنه يريد التبيين والهدى علم أن هذا غير هذا فالتبيين التعريف والتعليم والهدى هو الأمر والنهي وهو الدعاء الى الخير كما قال تعالى ولكل قوم هاد أي داع يدعوهم الى الخير كما قال تعالى وإنك لتهدي الى صراط مستقيم أي تدعوهم اليه دعاء تعليم الارادة الشرعيه والارادة الكونية وهداه هنا يتعدى نفسه لأن التقدير ولزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها وليس المراد هنا بالهدى الالهام كما في قوله اهدنا الصراد المستقيم لكونه لو أراد ذلك لوقع ولم يكن فينا ضال بل هذه ارادة شرعيه أمرية بمعنى المحبة والرضا ولهذا قال الزجاج يريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم فعلق الارادة بفعل نفسه فإن الزجاج ظن الارادة في القرآن ليست الا كذلك وليس كما ظن بل الارادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأما الإرادة وشرعه فهو كقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم الآية وقوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ونحو ذلك
(1/12)
فهذه ارادته لما أمر به بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه فيكون كما قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا الآية وكما قال نوح ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم واليه ترجعون فهذه ارادة لما يخلقه ويكونه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الارادة متعلقة بكل حادث والارادة الشرعيه الأمرية لا تتعلق الا بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح يفعل شيئا ما يريده الله مع قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن هذه الارادة نوعان كما قد بسط في موضع آخر وقد يراد بالهدى الالهام ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين هداهم الله الى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم فاهتدوا ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جائت رسل ربنا بالحق لكن الخطاب في الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء والخطاب لأهل البيت بقوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ولهذا يهدد من لم يطعه وكا في الصيام يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فهذه ارادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا لا ارادة
(1/13)
الخلق المستلزمة للمراد لأنه لو كان كذلك لم تكن الآية خطابا الا لمن أخذ باليسر ولمن فعل ما أمر به وليس كذلك بل الحكم الشرعي لازم لجميع المسلمين فمن أطاع أثيب ومن عصى عوقب والذين أطاعوه انما أطاعوه بهداه لهم هدى الامام والاعانة بأن جعلهم مهتدين كما أنه هو الذي جعل المصلي مصليا والمسلم مسلما ولو كانت الارادة هنا من الانسان مستلزمة لوقوع المراد لم يقل ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما فأنه حينئذ لا تأثير لارادة هؤلاء بل وجدها وعدمها سواء كما في قول نوح ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم فإنه شاء الله كان وان لم يشاء الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس اتباع الشهوات والأهواء والمقصود بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون الشهوات والمعنى اني أريد لكم الخير الذي ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر الذي يضركم كالشيطان الذي يريد أن يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من دوني بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق الغي والفساد كما قال تعالى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى الآيات وقوله يتبعون الشهوات في الموضعين فاتباع الشهوة من جنس اتباع الهوى كما قال تعالى انما
(1/14)
يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وقال ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهم وقال تعالى ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وقال تعالى أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم وقال تعالى ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون وهذا في القرآن كثير والهوى مصدر هوى يهوى هوى ونفس المهوي يسمى هوى ما يهوى فاتباعه كاتباع السبيل كما قال تعالى ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وكما في لفظ الشهوة فاتباع الهوى يراد به نفس مسمى المصدر أي اتباع ارادته ومحبته التي هي هواه واتباع الارادة هو فعل ما تهواه النفس كقوله تعالى واتبع سبيل من أناب الي وقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال ولا تتبعوا من دونه أولياء فلفظ الاتباع يكون للآمر الناهي وللأمر والنهي وللمأمور به والمنهي عنه وهو الصراط المستقيم كذلك يكون للهوى أمر ونهي وهو أمر النفس ونهيا كما قال
(1/15)
تعالى ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ولكن ما يأمر به من الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم للآخر فاتباع الأمر هو فعل المأمور واتباع أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى هذه يعلم أن اتباع الشهوات واتباع الأهواء هو اتباع شهوة النفس وهواها وذلك يفعل ما تشتهيه وتهواه بل قد يقال هذا هو الذي يتعين في لفظ اتباع الشهوات والأهواء لأن الذي يشتهي ويهوى انما يصير موجودا بعد أن يشتهي ويهوى وإنما يذم الانسان اذا فعل ما يشتهى ويهوى عند وجود فهو حينئذ قد فعل ولا ينهى عنه بعد وجوده ولا يقال لصاحبه لا تتبع هواك وأيضا فالفعل المراد المشتهى الذي يهواه الانسان هو تابع لشهوته وهواه فليست الشهوة والهوى تابعة له فاتباع الشهوات هو اتباع شهوة النفس واذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة الأصل يحتاج الى أن يجعل في الخارج ما يشتهى والانسان يتبعه كالمرأة المطلوبة أو الطعام المطلوب وإن سميت المرأة شهوة والطعام أيضا كما في قوله صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم له الا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه طعامه وشرابه وشهوته من أجلي أي بترك شهوته وهو إنما يترك ما يشتهيه كما يترك الطعام لا أنه يدع طعامه بترك الشهوتة الموجودة في نفسه
(1/16)
فإن تلك مخلوقة فيه مجبول عليها وإنما يثاب اذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة و حقيقة الأمر أنهما متلازمان فمن اتبع نفس شهوته القائمة بنفسه اتبع ما يشتهيه وكذلك من اتبع الهوى القائم بنفسه اتبع ما يهواه فإن ذلك من آثار الارادة واتباع الارادة هو امتثال أمرها وفعل ما تطلبه كالمأمور الذي يتبع أمر أميره ولابد أن يتصور مراده الذي يهواه ويشتهيه في نفسه ويتخيله قبل فعله فيبقى ذلك المثال كالإمام مع المأموم يتبعه حيث كان وفعله في الظاهر تبع لاتباع الباطن فتبقى صورة المراد المطلوب المشتهى التي في النفس هي المحركة للانسان الآمرة له ولهذا يقال العلة الغائية علة فاعلية فإن الانسان للعلة الغائية بهذا التصور والارادة صار فاعلا للنفعل وهذه الصورة المرادة المتصورة في النفس هي التي جعلت الفاعل فاعلا فيكون الانسان متبعا لها والشيطان يمده في الغي فهو يقوي تلك الصورة ويقوي أثرها ويزين للناس اتباعها وتلك الصورة تتناول صورة العين المطلوبة كالمحبوب من الصور والطعام والشراب وتتناول نفس الفعل الذي هو المباشرة لذلك المطلوب المحبوب والشيطان والنفس تحب ذلك وكلما تصور ذلك المحبوب في نفسه أراد وجوده في الخارج فإن أول الفكر آخر العمل وأول البغية آخر الدرك ولهذا يبقى الانسان عند شهوته وهواه أسيرا لذلك مقهورا تحت سلطان الهوى أعظم من قهر كل قاهر فإن هذا القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه لا يمكنه مفارقته البتة والصورة الذهنية تطلبها النفس فإن المحبوب تطلب النفس أن تدركه وتمثله لها في نفسها فو متبع للارادة وإن كانت الذهنية والتزين من الزين والمراد التصور في نفسه والمشتهى الموجود في الخارج له محركان التصور والمشتهى هذا
(1/17)
يحركه تحريك طلب وأمر وهذا يأمره أن يتبع طلبه وأمره فاتباع الشهوات والأهواء يتناول هذا كله بخلاف كل قاهر ينفصل عن الانسان فإنه يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها وهذا انما يفارقه بتغير صفة نفسه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه وثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنا وكلمة الحق في الغضب والرضا وقوله في الحديث هوى متبع فيه دليل على أن المتبع هو ما قام في النفس كقوله في الشح المطاع وجعل الشح مطاعا لأنه هو الآمر وجعل الهوى متبعا لأن المتبع قد يكون اماما يقتدى به ولا يكون آمرا وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اياكم الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا فبين أن الشح يأمر بالبخل والظلم والقطيعة فالبخل منع منفعة الناس بنفسه وماله والظلم هو الاعتداء عليهم فالأول هو التفريط فيما يجب فيكون قد فرط فيما يجب واعتدى عليهم بفعل ما يحرم وخص قطيعة الرحم بالذكر اعظاما لها لأنها تدخل في الأمرين المتقدمين قبلها
(1/18)
تفسير البخل والشح والحسد وقال المفسرون في قوله تعالى ومن يوق شح نفسه هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنه شيئا أمره الله بأدائه فالشح يأمر بخلاف أمر الله ورسوله فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالاحسان والشح يأمر باظلم وينهى عن الاحسان وقد كان عبد الرحمن بن عوف يكثر في طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفه أن يقول اللهم قنى شح نفسي فسئل عن ذلك فقال اذا وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة وفي رواية عنه قال اني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذلك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن انما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما وانما يكن بالبخل وبئس الشيء البخل وقد ذكر تعالى الشح في سياق ذكر الحسد والايثار في قوله ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ثم قال ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فمن وقى شح نفسه لم يكن حسودا باغيا على المحسود والحسد أصله بغض المحسود والشح يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في المال وبغض للغير وظلم له كما قال تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا أشحة عليكم الآيات
(1/19)
الى قوله أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه وبغض الخير يأمر بالشر وبغض الانسان يأمر بظلمه وقطيعته كالحسد فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم المحسود ولقطيعته كابني آدم واخوة يوسف فالحسد والشح يتضمنان بغضا وكراهية فيأمران بمنع الواجب وبظلم ذلك الشخص فإن الفعل صدر فيه عن بغض بخلاف الهوا فإن الفعل صدر فيه عن حب أحب شيئا فأتبعه ففعله وذلك مقصوده أمر عدمي والعدم لا ينفع ولكن ذلك القصد أمر بأمر وجودي فأطيع أمره وابن مسعود جعل البخل خارجا عن الشح والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل ومن الناس من يقول الشح والبخل سواء كما قال ابن جرير الشح في كلام العرب هو البخل ومنع الفضل من المال وليس كما قال بل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود أحق أن يتبع فإن البخيل قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم وقد لا يكون متلذذا به ولا متنعما بل نفسه تضيق عن انفاقه وتكره ذلك حتى يكون يكره أن ينفع نفسه منه مع كثره ماله وهذا قد يكون مع التذاذة بجمع المال ومحبته لرؤيته وقد لا يكون هناك لذة أصلا بل يكره أن يفعل احسانا الى أحد حتى لو أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه بغضا للخير لا للمعطي ولا للمعطي بل بغضا منه للخير وقد يكون بغضا وحسدا للمعطي أو للمعطى وهذا هو الشح وهذا هو الذي يأمر بالبخل قطعا ولكن كل بخل يكون عن شح فكل شحيح بخيل وليس كل بخيل شحيحا
(1/20)
قال الخطابي الشح أبلغ في المنع من البخل والبخل انما هو من أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللآزم للانسان من قبل الطبع والجبلة وحكى الخطابي عن بعضعهم أنه قال البخل أن يضن الانسان بماله والشح أن يضن بماله ومعروفه وقيل الشح أن يشح بمعروف غيره على غيره والبخل أن يبخل بمعروفه على غيره والذين يتبعون الشهوات ويتبعون أهواءهم يحبون ذلك ويريدونه فاتبعوا محبتهم وارادتهم من غير علم فلم ينظروا هل ذلك نافع لهم في العاقبة أو ضار درجات اتباع الهوى ولهذا قال فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ثم قال ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله واتباع الهوى درجات فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله ما يتسحسنون بلا علم ولا برهان كما قال أفرأيت من أتخذ اله هواه أي يتخذ الهه الذي يعبده وهو ما يهواه من آلهة ولم يقل ان هواه نفس الهه فليس كل من يهوى شيئا يعبده فإن الهوى أقسام بل المراد أنه جعل المعبود الذي يعبده هو ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى نفسه في العبادة فإنه لم يعبد ما يحب أن يعبد ولا عبد العبادة التي أمر بها وهذه حال أهل البدع فإنهم عبدوا غير الله وابتدعوا عبادات
(1/21)
زعموا أنهم يعبدون الله بها فهم انما اتبعوا أهواؤهم فإن أحدهم يتبع محبة نفسه وذوقها ووجدها وهواها من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير فلو اتبع العلم والكتاب المنير لم يعبد الا الله بما شاء لا بالحوادث والبدع والمقصود أن الآلهة كثيرة والعبادات لها متنوعة وبالجملة فكل ما يريده الانسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه فتلك الصورة العلمية محركة له الى محبوبة ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من يعبده وهذا كثير ما زال ولم يزل ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما يعبد الشيطان ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له وقد كانت الشياطين تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين الى الاسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يعظمه من الأحياء والآموات من المشايخ ويرهم فيدعوه ويستغيث به في حياته وبعد مماته فيراه قد أتاه وكلمه وقضى حاجته وإنما هو شيطان تمثل على صورته ليغوي هذا المشرك والمبتلون بالعشق لا يزال الشيطان يمثل لأحدهم صورة المعشوق او يتصور بصورته فلا يزال يرى صورته مع مغيبه عنه بع موته فإنما جلاه الشيطان على قبله ولهذا اذا ذكر العبد الله الذكر الذي يخنس منه الوسواس الخناس خنس هذا المثال الشيطاني وصورة المحبوب تستولي على المحب أحيانا حتى لا يرى غيرها ولا يسمع غير كلامها فتبقى نفسه مشتغله بها والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصا يحصل لأحدهم نوع من
(1/22)
ذلك يسمى الاصطلام والفناء يغيب بمحبوبه عن محبته وبمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه وأمره ونهيه ومنهم من قد ينتقل من هذا الى الاتحاد فيقول أنا هو وهو أنا وانا الله ويظن كثير من المساكين أن هذا هو غاية السالكين وأن هذا هو التوحيد الذي هو نهاية كل سالك وهم غالطون في هذا بل هذا من جنس قول النصارى ولكن ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعيه في الباطن في خبر الله وأمره وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع والمقصود أن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسيرا ما يهواه يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب ولهذا قال بعض السلف ما أنا على الشاب الناسك بأخوف مني عليه من سبع ضار يثب عليه من صبي حدث يجلس اليه وذلك أن النفس الصافية التي فيها رقة الرياضة ولم تنجذب الى محبة الله وعبادته انجذابا تاما ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها متى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها كما يستولي السبع على ما يفترسه فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على الامتناع منه كذلك ما يمثله الانسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قبله وتقهره فلا يقدر قلبه على الامتناع منه فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة أعظم من استغراق الفريسة في جوف الأسد لأن المحبوب المراد هو غاية النفس له عليها سلطان قاهر
(1/23)
القلب بين الحب والخوف والقلب يغرق فيما يستولي عليه اما من محبوب وإما من مخوف كما يوجد من محبة المال والجاه والصور والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقان فيه كما يغرق الغريق في الماء فلا بد أن يستولي عليها ما يحيط بها من الأجسام والقلوب يستولي عليها ما يتمثل لها من المخاوف والمحبوبات والمكروهات فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه والرجاء يتعلق بالمحبوب والخوف يتعلق بالمكروه ولا يأتي بالحسنات الا الله ولا يذهب السيئات الا الله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وما بكم من نعمة فمن الله ثم اذا مسكم الضر فإليه تجئرون واذا دعا العبد ربه باعطاء المطلوب ودفع المرهوب جعل له من الايمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه واستنارته بنور الايمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب ان كان عرضا من الدنيا وأما إذا طلب منه أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته وما يتبع ذلك فهنا المطلوب قد يكون أنفع من الطلب وهو الدعاء والمطلوب الذكر والشكر وقيام العبادة على أحسن الوجوه وغير ذلك وهذا لبسطه موضع آخر استيلاء الشهوات والأهواء على القلوب والمقصور أن القلب قد يغمره فيستولي عليه ما يريده العبد ويحبه وما يخافه ويحذره كائنا من كان ولهذا قال تعالى بل قلبوبهم في
(1/24)
غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون فهي فيما يغمرها عما أنذرت به فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم قال الله تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين أي فيما يغمر قلوبهم من حب المال والبنين المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال الصالحة وقال تعالى قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون الآيات أي ساهون عن أمر الآخرة فهم في غمرة عنها أي فيما يغمر قلبوهم من حب الدنيا ومتاعها ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له وهذا يشبه قوله ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا فالغمرة تكون من اتباع الهوى والسهو من جنس الغفلة ولهذا قال من قال السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه وهذا جماع الشر الغفلة والشهوة فالغفلة عن الله والدار الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ساهيا عن ذكره قد اشتغل بغير الله قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد
(1/25)
القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ان أعطي رضي وإن منع سخط جعله عبد ما يرضيه وجوده ويسخطه فقده حتى يكون عبد الدرهم وعبد ما وصف في هذا الحديث والقطيفة هي التي يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض السلف البس من الثياب ما يخدمك ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه وهي كالبساط الذي تجلس عليه والخميصة هي التي يرتدي بها وهذا من أقل المال وإنما نبه به النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أعلى منه فهو عبد لذلك فيه أرباب متفرقون وشركاء متشاكسون ولهذا قال ان أعطي رضي وإن منع سخظ فما كان يرضي الانسان حصوله ويسخطه فقده فهو عبده اذ العبد يرضى باتصاله بهما ويسخط لفقدهما والمعبود الحق الذي لا اله الا هو اذا عبده المؤمن وأخيه حصل للمؤمن بذلك في قلبه ايمان وتوحيد ومحبة وذكر وعبادة فيرضى بذلك واذا منع من ذلك غضب وكذلك من أحب شيئا فلا بد من أن يتصوره في قلبه ويريد اتصاله به بحسب الامكان قال الجنيد لا يكون العبد عبدا حتى يكون مما سوى الله تعالى
(1/26)
حرا وهذا مطابق لهذا الحديث فإنه لا يكون عبدا لله خالصا مخلصا دينه لله كله حتى لا يكون عبدا لما سواه ولا فيه شعبة ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى الله فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير ففيه من الشرك بقدر محبته وعبادته لذلك الغير زيادة قال الفضيل بن عياض والله ما صدق الله في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية وقال زيد بن عمرو بن نفيل أربا واحدا أم ألف ربأدين اذا انقسمت الأمور روى الامام أحمد والترمذي والطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد بغى واعتدى ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد ال دنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد رغب يذله ويزيله عن الحق بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله قال
(1/27)
الترمذي غريب وفي الحديث الصحيح المتقدم ما يقويه والله أعلم وكذلك أحاديث وآثار كثيرة رويت في معنى ذلك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وطالب الرئاسة ولو بالباطل ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا وتغضبه الكلمة التي فيها ذمة وان كانت حقا والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه وتغضيه كلمة الباطل له وعليه لأن الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم فإذا قيل الحق والصدق والعدل الذي يحبه الله أحبه وان كان فيه مخالفة هواه لأن هواه قد صار تبعا لما جاء به الرسول واذا قيل الظلم والكذب فالله يبغضه والمؤمن يبغضه ولو وافق هواه وكذلك طالب المال ولو بالباطل كما قال تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون وهؤلاء هم الذين قال فيهم تعس عبد الدينار الحديث فكيف اذا استولى على القلب ما هو أعظم استعبادا من الدرهم والدينار من الشهوات والأهواء والمحبوبات التي تجذب القلب عن كمال محبته لله وعبادته لما فيها من المزاحمة والشرك بالمخلوقات كيف تدفع القلب وتزيغه عن كمال محبته لربه وعبادته وخشيته لأن كل محبوب يجذب قلب محبه اليه ويزيغه عن محبة غير محبوبة وكذلك المكروه يدفعه ويزيله ويشغله عن عبادة الله تعالى
(1/28)
ولهذا روى الامام أحمد في مسنده وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه الفقر تخافون لا أخاف عليكم الفقر انما أخاف عليكم الدنيا حتى ان قلب أحدكم اذا زاغ لا يزيغه الا هي وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه والذين يبغضونه كأعدائه فالذين يحبونه يجذبونه اليهم فاذا لم تكن المحبة منهم له لله كان ذلك مما يقعطه عن الله والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله ولو أحسن اليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب احسانهم اليه محبته لهم وانجذاب قلبه اليهم ولو كان على غير الاستقامة وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله وعبادته خلاص القلب من الفتنة فلا تزول الفتنة عن القلب الا اذا كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون حبه لله ولما يحبه الله وبغضبه لله ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته والا فمحبة المخلوق تجذبه وحب الخلق له سبب يجذبهم به اليه ثم قد يكون هذا أقوى وقد يكون هذا أقوى فإذا كان هو غالبا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ولا محبوباته اليها لكونه غالبا لهواه ناهيا لنفسه عن الهوى لما في قلبه من خشية الله ومحبته التي تمنعه عن انجذابه الى المحبوبات وأما حب الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم اليهم فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيته وإلا جذبوه وأخذوه اليهم كحب امرأة العزيز ليوسف فإن قوة يوسف ومحبته لله
(1/29)
وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها هذا اذا أحب أحدهم صورته مع أن هنا الداعي قوي منه ومنهم فهنا المعصوم من عصمه الله وإلا فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بينهم ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة الا كان ثالثهما الشيطان حال المواليه لغير الله وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو احسانه أو غير ذلك فالفتنة في هذا أعظم الا اذا كانت فيه قوة ايمانية وخشية وتوحيد تام فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون وهم مع ذلك يطلبون منه مقاصدهم ان لم يفعلها والا نقص الحب أو حصل نوع بغض وربما زاد أو أدى الى الانسلاخ من حبه فصار مبغوضا بعد أن كان محبوبا فأصدقاء الانسان يحبون استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم وأعداؤه يسعون في أذاه واضراره وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وان كان مضرا له مفسدا لدينه لا يفكون في ذلك وقليل منهم الشكور فاطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ضرره وانما يقصدون أغراضهم به فإن لم يكون الانسان عابدا الله متوكلا عليه مواليا له ومواليا فيه ومعاديا وإلا أكلته الطائفتان وأدى ذلك الى هلاكه في الدينا والآخرة وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم من المحاربات والمخاصمات والاختلاف والفتن قوم يوالون زيدا ويعادون عمروا
(1/30)
وآخرون بالعكس لأجل أغراضهم فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم طالبوه من زيد انقلبوا الى عمرو وكذلك أصحاب عمرو كما هو الواقع بين أصناف الناس وكذلك الرأس من الجانبين يميل الى هؤلاء الذين يوالونه وهم اذا لم تكن الموالاة لله أضر عليك من اولئك فإن أولئك انما يقصدون افساد دنياه اما بقتله أو بأخذ ماله وإما بإزالة منصبه وهذا كله ضرر دنيوي لا يعتد به اذا سلم العبد وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا يعتدون بفساد دينهم مع سلامة دنياهم فهم لا يبالون بذلك وأما دين العبد الذي بينه وبين الله فهم لا يقدرون عليه ضرر الموالاة لأجل المصلحة وأما أولياؤه الذين للأغراض فإنما يقصدون منه فساد دينه بمعاونته على أغراضهم وغير ذلك فإن لم أعداء فدخل بذلك عليه الأذى من جهتين من جهة مفارقتهم ومن جهة عداوتهم وعداوتهم أشد عليه من عداوة أعدائه لأنهم قد شاهدوا منه وعرفوا ما لم يعرفه أعداؤه فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة وان لم يجب مفارقتهم احتاج الى مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدونه وإن كان فيه فساد دينه فإن ساعدهم على نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيبا وافرا وحظا تاما من ظلمهم وجورهم وطلبوا منه أيضا أن يعاونهم على أغراضهم ولو فاتت أغراضه الدنيوية فكيف
(1/31)
بالدينية ان وجدت فيه أو عنده فإن الانسان ظالم جاهل لا يطلب الا هواه فإن لم يكن هذا في الباطن يحسن اليهم ويصبر على أذاهم ويقضي حوائجهم لله وتكون استعانته عليهم بالله تامة وتوكله على الله تام وإلا أفسدوا دينه ودنياه كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن يطلب الرئاسة الدنيوية فإنه يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به تلك الرئاسة ويحسن له هذا الرأي ويعاديه ان لم يقم معه كما قد جرى ذلك مع غير واحد وذلك يجري فيمن يحب شخصا لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ويعطيه ما يقدر عليه ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه وفيمن يحب صاحب بدعة لكونه له داعية الى تلك البدعة يحوجه الى أن ينصر الباطل الذي يعلم أنه باطل والا عاداه ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك الباطل لأجل الأتباع والمحبين ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ووليه ومن أحب أحدا لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي والحيلوله بينه وبينه رحمة في حقه وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه فأي صداقة هذه ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ضرر عليه قال تعالى اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا الغذاب
(1/32)
وتقطعت بهم الأسباب قال الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد هي المودات التي كانت لغير الله والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كره فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار فالأعمال التي أراهم الله حسرات عليهم هي الأعمال التي يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا كانت لغير الله ومنها الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ولا حول ولا قوة الا بالله سبب المحبة ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب والمحبوب يجذب فمن أحب شيئا جذبه اليه بحسب قوته ومن أحب صورة جذبته تلك الصورة الى المحبوب الموجود في الخارج بحسب قوته فإن المحب علته فاعلية والمحبوب علته غائية وكل منهما له تأثير في وجود المعلول والمحب انما يجذب المحبوب بما في قلب المحب من صورته التي يتمثلها فتلك الصورة تجذبه بمعنى انجذابه اليها لأنها هي في نفسها قصد وفعل فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضي انجذاب المحب اليه كما ينجذب الانسان الى الطعام ليأكله والى امرأة ليباشرها والى صديقه ليعاشره وكما تنجذب قلوب المحبين لله ورسوله الى الله ورسوله والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات التي يستحق لأجلها أن يحب ويعبد بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته الا هو سبحانه وبحمده فكل محبوب في العالم انما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه وهذا من معاني الهيته ولو كان فيهما
(1/33)
آلهة الا الله لفسدتا ف الله فغن ذلك من خصائص اليهيته فلا يستحق ذلك الا الله وحده وكل محبوب سواه ان لم يحب لأجله أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة والله تعالى خلف في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك من حفظ الأبدان وبقاء الانسان ف ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره وانما تحب الأنبياء والصالحوب تبعا لمحبته فإن من تمام حبه حب ما يحبه وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب الأعمال الصالحة فحبها لله هو من تمام حبه وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون أنندادهم كحب الله فالمخلوق اذا أحب لله كان حبه جاذبا الى حب الله واذا تحاب الرجلان في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه كان لكل منهما جاذبا للآخر الى حب الله كما قال تعالى حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتجالسين في وحقت محبتي للمتباذلين في وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها ان لوجوههم لنورا وإنهم لعلى كراس من نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس
(1/34)
فإنك اذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته فازداد حبك لله كما اذا ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين وتصورتهم في قبلك فإن ذلك يجذب قلبك الى محبة الله المنعم عليهم وبهم اذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه فهو يحب أن يجذبه الى الله تعالى وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب الى الله وهكذا اذا كان الحب لغير الله كما اذا أحب كل من الشخصين الآخر بصورة كالمرأة مع الرجل فإن المحب يطلب المحبوب والمحبوب يطلب المحب بانجذاب المحبوب فإذا كانا متحابين صار كل منهما جاذبا مجذوبا من الوجهين فيجب الاتصال ولو كان الحب من أحد الجانبين لكان المحب يجذب المحبوب والمحبوب يجذبه لكن المحبوب لا يقصد جذبه والمحب يقصد جذبه وينجذب وهذا سبب التأثير في المحبوب اما تمثل يحصل في قلبه فينجذب وإما أن ينجذب بلا محبة كما يأكل الرجل الطعام ويلبس الثوب ويسكن الدار ونحو ذلك من المحبوبات التي لا ارادة لها وأما الحيوان فيحب ببعضه بعضا بكونه سببا للاحسان اليه وقد جبلت النفوس على حب من أحسن اليها لكن هذا في الحقيقة انما هو محبة الاحسان لا نفس المحسن ولو قطع ذلك لضمحل ذلك الحب وربما أعقب بغضا فإنه ليس لله عز وجل فإن من أحب انسانا لكونه يعطيه فما أحب الا العطاء ومن قال انه يحب من يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من القول وكذلك من أحب انسانا لكونه ينصره انما أحب النصر لا الناصر وهذا كله من اتباع ما تهوى الأنفس فإنه لم يحب في الحقيقة الا ما يصل اليه من جلب منفعة
(1/35)
أو دفع مضرة فهو انما أحب تلك المنفعة ودفع المضرة وانما أحب ذلك لكونه وسيلة الى محبوبه وليس هذا حبا لله ولا لذات المحبوب وعلى هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض وهذا لا يثابون عليه في الآخرة ولا ينفعهم بل ربما أدى ذلك الى النفاق والمداهنة فكانوا في الآخرة من الأخلاء الذين بعضهم لبعض عدو الا المتقين وإنما ينفعهم في الأخرة الحب في الله ولله وحده وأما من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من دسائس النفوس ونفاق الأقوال وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين لكون حبهم يقرب الى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة الله لهم ونبينا كان يعطي المؤلفة قلبوهم ويدع آخرين هم أحب اليه من الذي يعطي يكلهم الى ما في قلوبهم من الايمان وإنما كان يعطي المؤلفة قلوبهم لما في قلوبهم من الهلع والجزع ليكون ما يعطيهم سببا لجلب قلوبهم الى أن يحبوا الاسلام فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب الى حب الله عز وجل وصرفها عن ضد ذلك ولهذا كان يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار فمنعهم بذلك العطاء عما يكرهه منهم فكان يعطي لله ويمنع لله وقد قال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي صحيح البخاري عنه صلى الله
(1/36)
عليه وسلم أنه قال اني والله انما أنا قاسم لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا ولكن أضع حيث أمرت سيطرة المحبوب على المحب وصورة المحبوب المتمثلة في النفس يتحرك لها المحب ويريد لها ويحب ويبغض ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أي جنس كانت فتبقى هي كالآمر الناهي له ولهذا يجد في نفسه كأنها تخاطبه بأمر ونهي وغير ذلك كما يرى كثير من الناس من يحبه ويعظمه في منامه وهو يأمره وينهاه ويخبره بأمور تدليس ابليس على المحبين والمشركون تتمثل لهم الشياطين في صور من يعبدونه تأمرهم وتنهاهم والقائلون بالشاهد والمنتسبون الى السلوك يقول أحدهم انه يخاطب في باطنه على لسان الشاهد فمنهم من يصلي بالليل وذلك بازائه ليشاهده في الضوء ومنهم من يشاهده في حال السماع في غيره ويظنون أنهم يخاطبون ويجدون المريد في قلوبهم بذلك وذلك لأنهم يتمثلونه في أنفسهم وربما كان الشيطان يتمثل في صورته فيجدون في نفوسهم خطابا من تلك الصورة فيقولون خوطبنا من جهته وهذا وإن كان موجودا في المخاطب فمن المخاطب له فالفرقان هنا فأما ذلك المخاطب من وسواس الشيطان والنفس وقد يخاطبون بأشياء حسنة رشوة منه لهم ولا يخاطبون بما يعرفون
(1/37)
أنه باطل لئلا ينفرون منه بل الشيطان يخاطب أحدهم بما يرى أنه حق والراهب اذا راض نفسه فمرة يرى في نفسه صورة التثليث وربما خوطب منها لأنه كان قد يتمثلها قبل ذلك فلما انصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب ايمانه وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب ايمانه كما قد بسط في غير هذا الموضوع ولهذا كثير من أهل الزهد والعبادة يكون من أعوان الكفار ويزعم أنه مأمور بذلك ويخاطب به ويظن أن الله هو الذي أمره بذلك والله منزه عن ذلك وإنما الآمر له بذلك النفس والشيطان وما في نفسه من الشرك اذ لو كان مخلصا لله الدين لما عرض له شيء من ذلك فإن هذا لا يكون الا لمن فيه شرك في عبادته أو عنده بدعة ولا يقع هذا لمخلص متمسك بالسنة البتة واذا كانت الرؤيا على ثلاثة أقسام رؤيا من الله ورؤيا من حديث النفس ورؤيا من الشيطان فكذلك ما يلقى في نفس الانسان في حال يقظته ثلاثة أقسام ولهذا كانت الأحوال ثلاثة رحماني ونفساني وشيطاني وما يحصل من نوع المكاشفة والتصرف ثلاثة أصناف ملكي ونفسي وشيطاني فإن الملك له قوة والنفس لها قوة والشيطان له قوة وقلب المؤمن له قوة فما كان من الملك ومن قلب المؤمن فهو حق وما كان من الشيطان ووسوسة النفس فهو باطل وقد اشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة فلم يفرقوا بين أولياء الله
(1/38)
وأعداء الله بل صاروا يظنون في من هو من جنس المشركين والكفار أهل الكتاب من وجوه كثيرة أنه من أولياء الله المتقين والكلام في هذا مبسوط في موضع آخر ولهذا في هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ومنهم من يرى أنه أفضل من الأنبياء الى أنواع آخر وذلك لأنه حصل لهم من الأنواع الشيطانية والنفسانية ما ظنوا أنها من كرامات الأولياء فظنوا أنهم منهم فكان الأمر بالعكس وأصل هذا أنهم تعبدوا بما تحبه النفس وأما العبادة بما يحبه الله ويرضاه فلا يحبونه ولا يريدونه وحده ويرون أنهم اذا عبدوا الله بما أمر به ورسله حط لهم عن منصب الولاية فيحدثون محبة قوية وتألها وعبادة وشوقا وزهدا ولكن فيه شرك وبدعة ومحبة التوحيد انما تكون لله وحده على متابعة رسوله كما قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم يحبون لله ويبغضون له وهم على ملة ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل الله فليست هي المحبه الاخلاصية فإنها مقرونة بالتوحيد ولهذا سمى أبو طالب المكي كتابه قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد الى مقام التوحيد والله سبحانه أعلم
(1/39)
الزهد والورع قال شيخ الاسلام رحمه الله قد كتبت في كراسة الحوادث فضلا في جماع الزهد والروع وأن الزهد هو عما لا ينفع اما لانفاء نفعه أو لكونه مرجوحا لأنه مفوت لما هو أنفع منه أو محصل لما يربو ضرره على نفعه وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها حمق وأما الورع فإنه الامساك عما قد يضر فتدخل فيه المحرمات والشبهات لأنها قد تضر فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجل وظلم وذلك يتضمن ثلاثة أقسام لا يتورع عنها المنافع المكافأة والراجحة والخالصة كالمباح المحص أو المستحب أو الواجب فان الورع عنها ضلالة وأنا أذكر هنا تفصيل ذلك فأقول الزهد خلاف الرغبة يقال فلان زاهد في كذا وفلان راغب فيه والرغبة هي من جنس الارادة والكراهة بحيث لا يكون لا مريدا له كارها ولا كارها له وكل من لم يرغب في الشيء ويريده فهو زاهد فيه وكما أن سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما زهد الله فيه من فضول الدنيا فتحمد فيه الرغبة والارادة لما حمد الله ارادته والرغبة فيه ولهذا كان أساس الطريق الارادة كما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة
(1/40)
والعشي يريدون وجهه وقال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ونظائره متعددة الزهد بين الذم والمدح كما رغب في الزهد وذم ضده في قوله من كان يريد الحياة الدينا وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وقال تعالى ألهكم التكاثر السورة وقال تعالى وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما وقال ان الانسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد وقال تعالى انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم الآية وهذا باب واسع وإما المقصود هنا تميز الزهد الشرعي من غيره وهو الزهد المحمود وتميز الرغبة الشرعيه من غيرها وهي الرغبة المحمودة فإنه كثيرا ما يشتبه الزهد بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية وكثيرا ما تشتبه الرغبة الشرعيه بالحرص والطمع والعمل الذي ضل سعي صاحبه وأما الورع فهو اجتناب الفعل واتقاؤه والكف والامساك عنه
(1/41)
والحذر منه وهو يعود الى كراهة الأمر والنفرة منه والبغض له وهو أمر وجودي أيضا وإن كان قد اختلف في المطلوب بالنهي هل هو عدم المنهي عنه أو فعل ضده وأكثر أهل الاثبات على الثاني فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ومتورعا ومتقيا الا اذا وجد منه الامتناع والامساك الذي هو فعل ضد المنهي عنه والتحقيق أنه مع عدم المنهي عنه يحصل له عدم مضرة الفعل المنهي عنه وهو ذمة وعقابه ونحو ذلك ومع وجود الامتناع والاتفاء والاجتناب يكون قد وجد منه عمل صالح وطاعة وتقوى فيحصل له منفعة هذا العمل من حمده وثوابه وغير ذلك فعدم المضرة لعدم السيئات ووجود المنفعة لوجود الحسنات الفرق بين الزهد والورع فتلخص أن الزهد من باب عدم الرغبة والارادة في المزهود فيه والورع من باب وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه وانتفاء الارادة انما يصلح فيهما ليس فيه منفعة خالصة أو راجحة وأما وجود الكراهية فانما يصلح فيهما فيه مضرة خالصة أو راجحة وأما وجود الكراهة فانما يصلح فيما فيه مضرة خالصة أو راجحة فأما اذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته سواء من كل وجه فهذا لا يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا يصلح فيه الورع فظهر بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير عكس وهذا بين فإن ما صلح أن يكره وينفر عنه صلح أن لا يراد ولا يرغب فيه فإن عدم الارادة أولى من وجود الكراهة ووجود الكراهة مستلزم عدم الارادة من غير عكس وليس كل ما صلح أن لا يراد يصلح أن يكره بل قد يعرض من الأمور ما لا تصلح ارادته ولا كراهته ونلا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهي عنه وبهذا يتبين أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع
(1/42)
وأما المحرمات المكروهات فيصلح فيها الزهد والورع وأما المباحات فيصلح فيها الزهد دون الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل وانما الشأن فيما اذا تعارض في الفعل هل هو مأمور به أو منهي عنه أو مباح وفيما اذا اقترن بما جنسه مباح ما يجعله مأمورا به أو منهيا عنه أو اقترن بالمأمور به ما يجعله منهيا عنه وبالعكس فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وتعارضها يحتاج الى الفرقان
هل الثواب على قدر المشقة
وقال قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الاطلاق كما قد يستدل به طوائق على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتعدة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال هلك المتنطعون وقال لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم مثل الجوع أو العطش
المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الانسان بلا فائدة مثل حديث أبي اسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن وأن يقوم قائما ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه رواه البخاري وهذا باب واسع وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الاسلام الكلمتين وهما أفضل الأعمال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أخرجاه في الصحيحين ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدةه لكان صحيحا اتصاف الأول باعتبار تعلقة بالأمر والثاني باعتبار صفته في نفسه والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط وتارة من جهة صفته في نفسه وتارة من كلا الأمرين فبالاعتبار الأول ينقسم الى طاعة ومعصية
(1/43)
وبالثاني ينقسم الى حسنة وسيئة والطاعة والمعصية اسم له من جهة الأمر والحسنة والسئة اسم له من جهة نفسه وان كان كثير من الناس لا يثبت الا الأول كما تقوله الأشعرية وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ومن الناس من لا يثبت الا الثاني كما تقوله المعتزلة وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم والصواب اثبات الاعتبارين كما تدل عليه نصوص الأثمة وكلام السلف وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم فأما كونه مشقا فليس هو سببا لفضل العمل ورجحانه ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقا فضله لمعنى غير مشقته والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره فيزاداد الثواب بالمشقة كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبي صلىالله عليه وسلم لعائشة في العمرة أجرك على قدر نصبك لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر وكذلك الجهاد وقوله صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران
(1/44)
فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال ولم يجعل علينا فيه حرج ولا أريد بنا فيه العسر وأما في شرع من قبلنا قد تكون المشقة مطلوبة منهم وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبا مقربا الى الله لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون الى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديده المتعبة من أنواع العبادات والزهادات مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة الا أن يكون شيئا يسيرا لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض الجهال بأن يقول فلان ما نكح ولا ذبح وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبون وأما الحنفاء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني وهذه الأشياء من الدين الفاسد وهو مذموم كما أن الطمأنينة الى الحياة الدنيا مذموم
أقسام الناس والناس أقسام أصحاب دنيا محضة وهم المعرضون عن الآخرة وأصحاب دين فاسد وهم الكفار والمبتعدة الذين يتدينون بما لم يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات والقسم الثالث وهم أهل الدين الصحيح أهل الاسلام المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة والحمد لله الذي هدانا الى لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق
الفصل الثاني تزكية النفس وكيف تزكو
(1/45)
وقال شيخ الاسلام احمد بن تيمية رحمه الله تعالى فصل في تزكية النفس وكيف تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات قال تعالى قد أفلح من زكاها و قد أفلح من تزكى معنى التزكية قال قتادة وابن عيينة وغيرهما قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال وقال الفراء والزجاج قد أفلحت نفس زكاها الله وقد خابت نفس دساها الله وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس وهو منقطع وليس هو مراد من الآية بل المراد بها الأول قطعا لفظا ومعنى أما اللفظ فقوله من زكاها اسم موصول ولا بد فيه من عائد على من فإذا قيل قد أفلح الشخص الذي زكاها كان ضمير الشخص في زكاها يعود على من هذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته كما يقال قد أفلح من اتقى الله وقد أفلح من أطاع ربه وأما اذا كان المعنى قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير
(1/46)
يعود على من فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو من وضمير المفعول يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على من لا ضمير الفاعل ولا المفعول فتخلو الصلة من عائد وهذا لا يجوز نعم لو قيل قد أفلح من زكى الله نفسه أو من زكاها الله له ونحو ذلك صح الكلام وخفاء هذا على من قال به من النحاة عجب وهو لم يقل قد أفلحت نفس زكاها فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة بل قال قد أفلح من زكاها فالجملة صلة لمن لا صفة لها ولا قال أيضا قد أفلحت النفس التي زكاها فإنه لو قيل ذلك وجل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح فإذا تكلفوا وقالوا التقدير قد أفلح من زكاها هي النفس التي زكاها وقالوا في زكى ضمير المفعول يعود على من وهي تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي ولهذا قيل قد أفلح ولم يقل قد أفلحت قيل لهم هذا مع أنه خروج من اللغة الفصيحة فإنما يصح اذا دل الكلام على ذلك في مثل ومن على أن المراد لنا وكذا قوله ومنهم من يستمعون اليك ونحو ذلك وأما هنا فلس في لفظ من وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس المؤنثه فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على ارادته فإن مثل هذا مما يصان كلام الله عز وجل عنه فلو قدر احتمال عود ضمير زكاها الى نفس والى من مع أن لفظ من لا دليل يوجب عوده عليه لكان الى المؤنث أولى من اعادته الى ما يحتمل التذكير والتأنيث
(1/47)
وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث فان الكلام اذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما ومن تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف والقرآن منزه عن ذلك والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام الى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة فكيف اذا كان نصا من جهة المعنى فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور ولبسط هذا موضع آخر التزكية في الكتاب السنة والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من تدسيتها كقوله قد أفلح من تزكى فلو قدر أن المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا ينهي ولا ترغيب ولا ترهيب والقرآن اذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر فلا يقول من جعله الله مؤمنا بل يقول قد أفلح المؤمنون قد أفلح من تزكى اذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلا فكيف بكلام الله ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم اما بما ليس من أفعالهم وإما بإنعامه بالايمان والعمل الصالح ويذكره في سياق قدرته ومشيئته وأما في معرض الأمر فلا يذكره الا عند النعم كقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى الآية فهذا مناسب وقوله قد أفلح من تزكى وهذه الأية من جنس الثانية لا الأولى والمقصود ذكر التزكية قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا
(1/48)
الآية وقال فارجعوا هو أزكى لكم وقال الذين لا يؤتون الزكاة وقال وما عليك ألا يزكى وأصل الزكاة الزيادة في الخير ومنه يقال زكا الزرع وزكا المال اذا نما ولن ينمو الخير الا بترك الشر والزرع لا يزكو حتى يزال عنه الدغل فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها ولا يكون الرجل متزكيا الا مع ترك الشر فإنه يدنس النفس ويدسيها قال الزجاج دساها جعلها ذليلة حقيرة خسيسة وقال الفراء دساها لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله وماله قال ابن قتيبة أي أخفاها بالفجور والمعصية فالفاجر دس نفسه أي قمعها وخباها وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى لتشهر أنفسها واللئام تنزل الأطارف والوديان فالبر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الانسان في نفسه اتساعا وبساطا عما كان عليه قبل ذلك فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والاحسان بسطه الله وشرح صدره والفجور والبخل يقمع النفس ويضعها ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح فقال مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما الى تراقيهما فجعل المتصدق كلما هم بصدقة اتسعت وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله
(1/49)
وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها فلا تتسع أخرجاه وإخفاء المنزل واظهاره تبعا لذلك قال تعالى يتوارى من القوم من سوء ما بشر به الآية فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها في بدنه بعضها في بعض ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل والنفس البرة التقية النقية التي قد زكاها صاحبها فارتفعت واتسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء وكالشعرة من العجين قال ابن عباس ان للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وان للسيئة لظلمة في القلب وسوادا في الوجه وهونا في البدن وضيقا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق قال تعالى والبلد الطيب الآية وهذا مثل البخيل والمنفق قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره الآية وقال الله ولي الذين آمنوا الآية
(1/50)
وقال له في سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب اظهارها في المؤمنين والمتكلم بما لا يعلم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا الآية فبين أن الزكاة انما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الآية وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس فإنها تعلم أن السيئات مذمومة ومكروه فعلها ويجاهد نفسه اذا دعته اليها ان كان مصدقا لكتاب ربه مؤمنا بما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم ولهذا التصديق والايمان والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو بذلك أيضا بخلاف ما اذا عملت السيئات فانها تتدنس وتدنس وتنقمع كالزرع اذا نبت منه الدغل والثواب انما يكون على عمل موجود وكذلك العقاب فأما العدم المحض فلا ثواب فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب والله سبحانه أمر بالخير ونهى عن الشر واتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود واختلفوا في النهي هل المطلوب أمر وجودي أم عدمي فقيل وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثر وقيل المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله والتحقيق أن المؤمن اذا نهى عن النكر فلا بد أن لا يقربه ويعزم على تركه ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ريب فلا يتصور أن المؤمن الذي يعلم أنه وجودي لكن قد لا يكون مريدا له كما يكره أكل الميتة طبعا ومع ذلك فلا بد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع وهذا قدر زائد على كراهة الطبع وهو أمر وجودي يثاب عليه
(1/51)
ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب المحرم ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة ايمان وقد غمر ايمانه حكم طبعه فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس المطمئنة وهو أرفع من صاحب اللوامة التي تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه وتتلوم وتتردد هل تفعله أم لا وأما من لم يخطر بباله أن الله حرمه ولا هو مريد له بل لم يفعله فهذا لا يعاقب ولا يثاب اذ لم يحصل منه أمر وجودي يثاب عليه أو يعاقب فمن قال المطلوب أن لا يفعل ان أراد أن هذا المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك والكافر اذا لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الايمان وترك الأعمال كفر يعاقب عليها ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر أمروا وجودية وتلك تددس تفس النفس ولهذا كان التوحيد والايمان أعظم ما تزكو به النفس وكان الشرك أعظم ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا كله مما ذكره السلف قالوا في قد أفلح من تزكى تطهر من الشرك ومن المعصية بالتوبة وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة صدقة الفطر ولم يريدوا أن الآية لم تتناول الا هي بل مقصودهم أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها ولهذا كان يزيد بن حبيب كلما خرج الى الصلاة خرج بصدقة ويتصدق بها قبل الصلاة ولو لم يجد الا بصلا قال الحسن قد أفلح من تزكى من كان عمله زاكيا وقال أبو الأحوص زكاة الأمور كلها وقال الزجاج تزكى بطاعة الله عز وجل ومعنى الزاكي النامي الكثير
(1/52)
وكذلك قالوا في قوله وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة قال ابن عباس لا يشهدون أن لا اله الا الله وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم أي ليست زاكية وقيل لا يطهرونها بالاخلاص كأنه أراد والله أعلم أهل الرياء فإنه شرك وعن الحسن لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها وعن الضحاك لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة وعن ابن السائب لا يعطون زكاة من أموالهم قال كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة كقوله هل لك الى أن تزكي وقوله قد أفلح من تزكى والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها فإن قيل يؤتى فعل متعد قيل هذا كقوله ثم سئلوا الفتنة لأتوها وتقدم قبلها أن الرسول دعاهم وهو طلب منه فكان هذا اللفظ متضمنا قيام الحجة عليهم بالرسل والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم ومما يليق أن الزكاة تستلزم الطهارة لأن معناها معنى الطهارة قوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم من الشر وتزكيهم بالخير قال صلى الله عليه وسلم اللهم طهرني بالماء والبرد والثلج
(1/53)
كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع والغسل فهذه الأمور توجب تبريد المغسول بها والبرد يعطي قوة وصلابة وما يسر يوصف بالبرد وقرة العين ولهذا كان دمع السرور باردا ودمع الحزن حارا لأن ما يسوء النفس يوجب حزنها وغمها وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب وقوله بالثلج والبرد والماء البارد تمثيل بما فيه من هذا الجنس والا فنفس الذنوب لا تغسل بذلك كما يقال أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم الآن بردت جلدته ويقال برد اليقين وحرارة الشك ويقال هذا الأمر يثلج له الصدر اذا كان حقا يعرفه القلب ويفرح به حتى يصير في مثل برد الثلج ومرض النفس اما شبهة واما شهوة أو غضب والثلاثة توجب السخونة ويقال لمن نال مطلوبه برد قلبه فان الطالب فيه حرارة الطلب وقوله خذ من أموالهم دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب السالفة فإنه قاله بعد قوله وآخرون اعترفوا الآية فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله قل للمؤمنين يغضوا الآيات وتوبوا الى
(1/54)
الله الآية فأمرهم جيمعا بالتوبة في سياق ما ذكره لأنه لا يسلم أحد من هذا الجنس كما في الصحيح ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا الحديث وكذلك في الصحيح أن قوله ان الحسنات يذهب السيئات نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء الا الجماع ثم ندم فنزلت ويحتاج المسلم في ذلك الى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه بل على اتباعه والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملا صالحا وثبت عنه أنه قال المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله فيؤمر بجهادها كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو اليها وهو الى جهاد نفسه أحوج فإن هذا فرض عين وذاك فرض كفاية والصبر في هذا من أفضل الأعمال فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد كما قال والمهاجر من هجر السيئات
ثم هذا لا يكون محمودا فيه الا اذا غلب بخلاف الأول فإنه من يقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة الخ وذلك لأن الله أمر الانسان أن ينهى النفس عن الهوى وأن يخاف مقام ربه فحصل له من الايمان ما يعينه على الجهاد فإذا غلب كان لضعف ايمانه في كون مفرطا بترك المأمور بخلاف العدو الكفار فإنه قد يكون بدنه أقوى فالذنوب انما تقع اذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور فإنهما ضدان قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء الآية وقال ان عبادي ليس لك عليهم سلطان فعباد الله المخلصون لا يغويهم الشيطان والغي خلاف الرشد وهو اتباع الهوى فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء خشية ومحبة والعبادة له وحده وهذا يمنع من السيئات فإذا كان تائبا فإن كان ناقصا فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم ويرفعه بعد حصوله وكالغذاء من الطعام والشراب وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع
(1/55)
النفس على طلب الحرام فإذا حصل له طلب ازالته وكالعلم الذي يمنع من الشك ويرفعه بعد وقوعه وكالطلب الذي يحفظ الصحة ويدع المرض وكذلك ما في القلب من الايمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به واذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه ولا يحصل المرض الا لنقص أسباب الصحة كذلك القلب لا يمرض الا لنقص ايمانه وكذلك الايمان والكفران متضادان فكل ضدين فأحدهما يمنع الآخر تارة ويرفعه أخرى كالسواد والبياض حصل موضعه ويرفعه اذا كان حاصلا كذلك الحسنات والسيئات والاحباط والمعتزلة أن الكبيرة تحبط الحسنات حتى الايمان وان من مات عليها لم يكن الجبائي وابنه بالموازنة لكن قالوا من رجحت سيئاته خلد في النار والموازنة بلا تخليد قول الاحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها بالكفر كما قال ومن يرتدد منكم عن دينه الآية وقوله ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله الآية وقال ولو أشركوا الحبط عنهم ما كانوا يعملون وقال لئن أشركت ليحبطن عملك الآية وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف فإنه سبحانه ذكر حد الزاني
(1/56)
وغيره ولم يجعلهم كفارا حابطي الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه ولو كانوا كفارا ومنافقين لم تجز الصلاة عليه فعلم أنهم لم يحبط ايمانهم كله وقال عمن شرب الخمر لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وذلك الحب من أعظم شعب الايمان فعلم أن ادمانه لا يذهب الشعب كلها وثبت من وجوه كثيرة يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من ايمان ولو حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه وقال تعالى ثم أورثنا الكتاب الآية فجعل من المصطفين فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل تبط بقدرهاوهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين الى السنة منهم من ينكره ومنهم من يثبته كما دلت عليه النصوص مثل قوله لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى الآية دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة وضرب مثله بالمرائي وقالت عائشة أبلغي زيدا أن جهاده بطل الحديث
(1/57)
وأما قوله أن تحبط أعمالكم وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع وقال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم قال الحسن بالمعاصي والكبائر وعن عطاء بالشرك والنفاق وعن ابن السائب بالرياء والسمعة وعن مقاتل بالمن وذلك أن قوما منوا باسلامهم فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال فإن قيل لم يرد الا ابطالها بالكفر قيل ذلك منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم فالنهي عنه لا يعبر عنه بهذا بل على وجه التغليظ كقوله ومن يرتد منكم عن دينه ونحوها والله سبحانه في هذه وفي آية المن سماها ابطالا ولم يسمه احباطا ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار الآية فان قيل المراد اذا دخلتم فيها فأتموها وبها احتج من قال يلزم التطوع بالشروع فيه قيل لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن ابطال بعبض العمل فابطاله كله أولى بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صوما ثم يقال الابطال يوجد قبل الفراغ أو بعده وما ذكره وأمر بالاتمام والابطال هو ابطال الثواب ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه بل يقال انه يثاب على ما فعل من ذلك وفي الصحيح حديث المفلس الذي يأتي بحسنات أمثال الجبال
الفصل الثالث حكم السياحة مع قطيعة الرحم
(1/58)
سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام والشبهات وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله وساح في أرض الله والبلدان فهل يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا فأجاب الحمد لله وحده الزهد المشروع الزهد المشروع هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة وثقة القلب بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا اضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة اذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك لأن الله تعالى يقول لكيلا لا تأسوا على ما فتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فهذا صفة القلب
(1/59)
وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله من مطعم وملبس ومال وغير ذلك كما قال الامام أحمد انما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وصبر أيام قلائل زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وجماع ذلك خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول خير كلام الله وخير الهدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكان عادته في المطعم أنه لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ويلبس من اللباس ما تيسر من قطن وصوف وغير ذلك وكان القطن أحب اليه وكان اذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يعتدي فيزيد في الزهد أو العبادة على المشروع ويقول أينا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب لذلك ويقول والله اني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله تعالى وبلغه أن بعض أصحابه قال أما أنا فأصوم فلا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم فلا أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني فأما الاعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله ولا هو من دين الأنبياء بل قد قال تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك
(1/60)
وجعلنا لهم أزواجا وذرية والانفاق على العيال والكسب لهم يكون واجبا تارة ومستحبا أخرى فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين أنواع السياحة وأحكامها وكذلك السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك أمر منهى عنه قال الامام أحمد ليست السياحة من الاسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين وأما السياحة المذكورة في القرآن من قوله التائبون العابدون الحامدون السائحون ومن قوله مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدت سائحات ثيبات وأبكارا فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة فان الله قد وصف النساء اللآتي يتزوجهن رسوله بذلك والمرأة المزوجة لا يشرع لها أن تسافر في البراري سائحة بل المراد بالسياحة شيئان أحدهما الصيام كما روى عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي
يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وان في الجسد مضعة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب متفق عليه لكن اذا ترك الانسان الحرام أو الشبهة بترك واجب أو مستحب وكان الاثم أو النقص الذي عليه في الترك أعظم من الاثم الذي عليه في الفعل لم يشرع ذلك كما ذكر أبو طالب المكي وأبو حامد الغزالي عن الامام أحمد بن حنبل أنه سئل عمن ترك ما لا شبهة فيه وعليه دين فسأله ولده أترك هذا المال الذي فيه شبهة فلا أقضيه فقال له اتدع
الفصل الرابع معنى حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين
(1/61)
سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى حق اليقين وعين اليقين و علم اليقين فما معنى كل مقام منها وأي مقال أعلى فأجاب الحمد لله رب العالمين للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة منها أن يقال علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار فالأولى مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده والثاني مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين
والثالث مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ولهذا يشير أهل المعرفة الى ما عندهم من الذوب والوجد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع الى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وقال صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا فالناس فيما يجده أهل الايمان ويذوقونه من حلاوة الايمان وطعمه على ثلاث درجات درجات أهل الايمان الأولى من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ذلك والثانية من يشاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وان كان هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ من المخبر والمستدل بآثارهم
(1/62)
والثالثة أن يحصل له من الذوق والوجه في نفسه ما كان سمعه كما قال بعض الشيوخ لقد كنت في حال أقول فيها ان كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيش طيب وقال آخر انه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربا وقال الآخر لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم درجات الناس في الايمان بالآخرة والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات احداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك الثانية اذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار والثالثة اذا باشروا ذلك فدخل أهل الجنة الجنة وذاقوا ما كانوا يوعدون ودخل أهل النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث درجات الناس فيما يخبروا بن من أمور الدنيا وكذلك في أمور الدنيا فان من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان له علم به فان شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فان العبارة انما تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة الا لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ولهذا يسمون أهل المعرفة لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفي الحديث الصحيح أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور النبي صلى الله عليه وسلم قال فهل يرجع
(1/63)
أحد منهم دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه قال لا قال وكذلك الايمان اذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد القلب بين زيادة الايمان وزيادة المحبة فالايمان اذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسبه واذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن والاستبشار هو الفرح والسرو وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذه والبهجة بما أنزل الله واللذة أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئا ونال ما أحبه وجد اللذة به فالذوق هو ادراك المحبوب اللذة الظاهرة كالأكل مثلا حال الانسان فيها أنه يشتهي الطعام ويحبه ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته وحلاوته وكذلك النكاح وأمثال ذلك
(1/64)
وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه الا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام انما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وفي الحديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي وقال تعالى قل ان كان آباؤكم الى قوله أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي حديث الترمذي وغيره من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وقال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فالذين آمنوا أشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة والمقصود هنا أن أهل الايمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله
(1/65)
من حلاوة الايمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدونه بالمحبة فقال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة التوحيد والاخلاص والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب على ثلاث درجات درجات الناس فيا يجدونه من ثمرة التوحيد منهم من علم ذلك سماعا واستدلالا ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم ومنهم من وجد حقيقة الاخلاص والتوكل على الله والالتجاء اليه والاستعانة به وقطع التعلق بما سواه وجرب من نفسه أنه اذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من جهتهم ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته اليهم فلا ينفعونه اما لعجزهم واما لانصارف قلوبهم عنه واذا توجه الى الله بصدق الافتقار اليه واستغاث به مخلصا له الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يدق غيره وكذلك من ذاق طعم إخلاص لله وارادة وجهه دون ما سواه يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان
(1/66)
والآلام وضيف الصدر ما لا يعبر عنه وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره بل هو في خوف وحزن دائما ان كان طالبا لما يهواه فهو قبل ادراكه حزين متألم حيث لم يحصل فإذا أدركه كان خائفا من زواله وفراقه وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة الاخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون عمله صالحا ويكون لوجه الله خالصا فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد واخلاص الدين لله ولا أضر عليه من الاشراك فإذا وجد حقيقة الاخلاص التي هي حقيقةاياك نعبدمع حقيقة التوكل التي هي حقيقة اياك نستعين كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا والله أعلم
الفصل الخامس الوصية الصغرى سؤال أبي القاسم المغربي
يتفضل الشيخ الامام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي ويرشدني الى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث وكذلك في غيره من العلوم الشرعية وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ويبين لي أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الايماء والاختصار والله تعالى يحفظه والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته فأجاب الحمد لله رب العالمين وصية الله في كتابنه أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ووصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما بعثه الى اليمن فقال
(1/67)
يا معاذ اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وكان معاذ رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة عليه فإنه قال له يا معاذ والله اني لأحبك وكان يردفه وراءه وروى فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام وأنه يحشر أمام العلماء برتوة أي بخطوة ومن فضله أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما الى أهل اليمن وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم امام الناس وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول ان معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له بإبراهيم
شرح وصية الرسول ثم انه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية فعلم أنها جامعة وهي كذلك لمن عقلها مع أنها تفسير الوصية القرآنية أما بيان جمعها فلأن العبد عليه حقان حق لله عز وجل وحق لعباده ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا اما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت وهذه كلمة جامعة وفي قوله حيثما كنت تحقيق لحاجته الى التقوى في السر والعلانية ثم قال واتبع السيئة الحسنة تمحها فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا هو الذي مضرا أمره بما يصلحه والذنب للعبد كأنه أمر حتم فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعربي صبوا عليه ذنوبا من ماء الأشياء التي تزول بموجبها الذنوب وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول موجبها بأشياء أحدها التوبة
(1/68)
والثاني الاستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له اجابة لدعائة وان لم يتب فاذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال الثالث الأعمال الصالحة المكفرة اما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام وإما الكفارات المطلقة كما قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكقرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التي يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ذنبه وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصا ما صنف من السنن خصوصا ما صنف في فضائل الأعمال العناية بمزيلات الذنوب واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالانسان الحاجة اليه فإن الانسان من حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فان الانسان الذي ينشأ بين أهل علم ودين قد يتطلخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى فاستمتعتم
(1/69)
بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ولهذا شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين الى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة فإن كثيرا من أحوال اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين الى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين الى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الاسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ثم نزله على أحوال الناس واذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله اليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات المصائب المكفرة للذنوب ومما يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح واصلاح الفاسد قال وخالق الناس بخلق حسن هو حق الناس
(1/70)
جماع الخلق الحسن مع الناس وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والاكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحق معنى الخلق العظيم وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن وحقيقته المبادرة الى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر اسم التقوى وما يجمعه وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به ايجابا واستحبابا وما نهى عنه تحريما وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي وصححه قيل يا رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى
الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس النار قال الأجوفان الفم والفرج وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين اسيمانا أحسنهم خلقا فجعل كمال الايمان في كمال حسن الخلق ومعلوم أن الايمان كله تقوى الله شمول التقوى وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع فإنها الدين كله لكن ينبوع الخير وأصله اخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله اياك نعبد واياك نستعين وفي قوله فاعبده وتوكل عليه وفي قوله عليه توكلت واليه أنيب وفي قوله فابتغو عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعا بهم عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك
(1/71)
بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك والعمل لله بكل محبوب ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك أفضل الأعمال بعد الفرائض وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد لكن مما هو كالاجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفس في الجملة وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من اعطاء الذهب الورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله والدلائل القرآنية والايمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وامام
(1/72)
المتقين صلى الله عليه وسلم كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد الى غير ذلك وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة أفضل الذكر ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله لا اله الا الله وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة الا بالله أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب الى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض أو جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضا من أفضل ذكر الله وعلى ذلك اذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة فما ندم من
(1/73)
استخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد دعوت لم يستجب لي وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك أرجح المكاسب وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه الى الله ويدعوه كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني أكسكم وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعلمه اذا انقطع فإنه ان لم ييسره لم يتيسر وقد قال الله تعالى في كتابه وأسألوا الله من فضله وقال سبحانه فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وهذا وإن كان في الجمعه فمعناه قائم في جميع الصلوات ولهذا والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج أن يقول اللهم اني أسألك من
(1/74)
فضلك وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم فابتغوا عند الله الزرق واعبدوه واشكروا له وهذا أمر والأمر يقتضي الايجاب فالاستعانة بالله واللجوء اليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ولا يأخذه بإشراف وهلع بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج اليه من غير أن يكون له في القلب مكانة والسعي فيه اذا سعى كاصلاح الخلاء وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته ولم يأته من الدنيا الا ماكتب له ومن أصبح والأخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة وقال بعض السلف أنت محتاج الى الدنيا وأنت الى نصيبك من الآخرة أحوج فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ان الله وهو الرزاق ذو القوة المتين
(1/75)
فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئا عاما لكن اذا عن للانسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم فإن فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره الا أن يكون منه كراهة شرعية الكتب التي يعتمد عليها في العلوم وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو أيضا يختلف باختلاف نشء الانسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقة ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علما وما سواه اما أن يكون علما فلا يكون نافعا وإما أن لا يكون علما وان سمي به ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه ولتكن همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه فاذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس اذا أمكنه ذلك وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم واذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول اذا قام يصلي من الليل اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بي عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من
(1/76)
الحق باذنك انك نهدي من تشاء الى صراط مستقيم فإن الله تعالى قد قال فيما رواه عنه رسوله يا عبادي كلكم ضال الا من هديته فاستهدوني أهدكم وأما وصف الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما يسره الله سبحانه وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن اسماعيل البخاري لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم ولا يقول بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم اذ لا بد من معرفة أحاديث أخر وكلام أهل الفقه وأهل العلم في الأمور التي يختص بعلمها بعض العلماء وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم ايعابا فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب الا حيرة وضلالا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبيد الأنصاري أو ليست التوراة والأنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم
فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد اذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة انه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على أشرف المرسلين
الفصل السادس الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل
(1/77)
وأقسام التقوى والصبر وسئل الشيخ الامام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الاسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم عن الصبر الجميل و الصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس فأجاب رحمه الله الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفر الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام انما أشكو بثي وحزني الى الله مع قوله فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون فالشكوى الى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد واليك المستكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت
(1/78)
رب المستضعفين وأنت ربي الله الى من تكلني الى بعيد يتجهمني أم الى عدو ملكته أمري ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر انما أشكو بثي وحزني الى الله ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف بخلاف الشكوى الى المخلوق قرىء على الامام أحمد في مرض موته أن طاووسا كره أنين المريض وقال انه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال اما ازالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس اذا سألت فاسأل الله واذا استغنت فاستعن بالله ولا بد للانسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا الى قوله وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيظ وقال تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا
(1/79)
ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقد قال يوسف أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين وصية الشيخ عبد القادر ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشائح المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين المسارعة الى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضوع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وان قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبيء
(1/80)
الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين أفهام خاطئة في القضاء والقدر فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه وبين المؤمنينوالكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب وترك ما نهىالله عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة الدينية والا فهو من جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى اقرار المشركين بالحقيقة الكونية فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية اذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ولهذا قال سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم
(1/81)
مشركون قال بعض السلف تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذي جاءوا بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الايمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الايمان بدين الله تعالى الفرق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس
(1/82)
ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع ابليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم في القول والاعتقاد أقسام الناس في العبادة وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى اياك نعبد واياك نستعين واذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصيحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي
(1/83)
وانقطاع حجتي الا غفرت لي وفي الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينة والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينة فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني وانقسامهم الى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام أقسام الناس في التقوى والصبر أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون
(1/84)
ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن اذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصبيهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى اذا قدر وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون اذا قدروا ولا يصبرون اذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى ان الانسان خلق هلوعا واذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم اذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم اذا قهروا ان قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول وان
(1/85)
فهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة واحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وان كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم قالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ينظر الى صوركم ولا الى أموالكم وإنما ينظر الى ينظر الى قلوبكم وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولي بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل مبدعة صلالة وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان الى ذلك أقرب وهو به أشبه كان الى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك
(1/86)
الصبر والتقوى في الكتاب والسنة وقد ذكر الله الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال الله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله واذا لقوكم قالوا آمنا واذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيط وقال اخوة يوسف له أانك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى واتبع ما يوحى اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين
(1/87)
وفي اتباع ما أوحي اليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار وقال تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل وقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشيعن وقال تعالى استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وفي الرحمة الاحسان الى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية اذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم انما يرحم الله من عباده
الرحماء وقال من لا يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة الا من شقي وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء والله أعلم انتهى
الفصل السابع تفسير كلام القشيري في الرضا
(1/88)
معنى الرضا وسئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح فأجاب الحمد لله رب العالمين الكلام على هذا القول من وجهين أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ والثاني من جهة صحته في نفسه وفساده أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا
عن الشيخ أبي سليمان باسناد وانما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلىالله عليه والصحابة والتابعين والمشائخ وغيرهم تارة يذكره باسناد وتاره يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول وقيل كذا ثم الذي يذكره باسناد تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع حال أحاديث كتب الرقائق فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب الى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه وان علموا أنه كذب اذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث المذكوبة مع بيان كونها كذبا جائزا وأما روايتها مع الامساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وقد فعل كثير من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه
(1/89)
غيرهم وهذا يسهل اذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه
رأي ابن تيمية في رسالة القشيري والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقة والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبة والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقة اما لسوء حفظه واما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه لكنه رواه باسناد صحيح وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وان كان أول حديث ذكره في الباب
(1/90)
فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يتعمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب السختياني لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال الامام أحمد والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال أبوحاتم وأبو زرعة منكر الحديث وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال اذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي باسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشائخ وحكاياتهم وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الأبواب كتاب مقامات الأولياء و غير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادي يقول من أراد أن يبلغ محل الرضا فيلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا
(1/91)
الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيما اذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصيحيح الذي في البخاري من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته الحديث وذلك أن الرضا نوعان نوعا الرضا أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول ما أباحه الله من غير تعهد الى المحظور كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا الى الله راغبون وهذا الرضا واجب ولهذا ذم من تركه بقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل أنه واجب والصحيح أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن وقد روي في حديث ابن عباس أن النبي صلى
(1/92)
الله عليه وسلم قال ان استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فالفعل فإن لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال ولا يرضى لعباده الكفروقال والله لا يحب الفساد وقال تعالى فإن ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين وقال تعالى فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاما عظيما وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال تعالى وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم وقال تعالى لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون وقال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهمفاذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه
(1/93)
أفهام في الرضا والارادة وانما ضل هنا فريقان من الناس قوم من أهل الكلام المنتسبين الى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع الى ارادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية وقالوا هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يريده لعباده المؤمنين وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال لا يحب الايمان ولا يرضى لعباده الايمان أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين وقد اتفق أهل الاسلام على أن ما أمر الله به فإنه بكون مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع والفريق الثاني من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها وعلموا أنه قدر على كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا والكون كله مراد المحبوب وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الارادة الدينية والكونية والاذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كما بسطناه في غير هذا الموضع وهؤلاء يؤول الأمر بهم الى أن لا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعداءه والأنبياء والمتقين ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين
(1/94)
كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا حقيقة ولعمري انه حقيقة كونية لكن هذه الحقية الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال ولئن سألتهمم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون الآيات فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام والمؤمن انما فارق الكفر بالايمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر فهو كما قال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب كما قال تعالى وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال تعالى وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال يوسف انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
(1/95)
مما روي في الرضا عن الفضيل والجنيد والمقصود هنا أن ما ذكره القشيري عن النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه وكذلك قول الشيخ أبي سليمان اذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض وذلك أن العبد انما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضلول شهواتها فاذا لم يحصل سخط فاذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل وكذلك ما ذكره معلقا قال قال الشبلي بين يدي الجنيد لا حول ولا قوة الا بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن هذا من أحسن الكلام وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله له اذ كانت حالا ينافي الرضا ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه
(1/96)
مما روي في الرضا عن موسى عليه السلام وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال وقيل قال موسى الهي دلني على عمل اذا عملته رضيت عني فقال انك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا فأوحى الله اليه يا ابن عمران رضائي في رضاك عني فهذه الحكاية الاسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران ومعلوم أن هذه الاسرائيليات ليس لها اسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من الدين الا اذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا به عن بني اسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى من أعظم أولي العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال أنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه والله تعالى راض عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان أفلايرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن وقال تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ومعلوم أن موسى بن عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ان الله خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال وألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني ثم ان قوله له في الخطاب يا ابن عمران مخالف لما ذكره الله من خطابه في القرآن حيث قال يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر ومثل ما ذكر أنه قيل كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى أبي موسى الأشعري
(1/97)
أما بعد فان الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى والا فاصبر فهذا الكلام كلام حسن وان لم يعلم اسناده واذا تبين أن فيما ذكره مستندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح وغيره فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان الا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس فإنه وان قال بعض الناس ان المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما اذا عرف ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم أنه تارة يحفظ الاسناد وتارة يغلط فيه مما قال أبو سليمان في الرضا والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشائخ وكلامهم مثل كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن صفوة الصفوة لابن الجوزي وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي سليمان ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال قال لأحمد بن أبي الحواري يا أحمد لقد أوتيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنه بذلك راضيا فهذا الكلام مأثور عن أبي سليمان بالاسناد ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ أبي سليمان ثم ان القشيري قرن هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن منها فإنه قبل أن يرويها قال وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري
(1/98)
عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال لأن الرضا بعد القضاء هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد ثم أسند بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا ما قاله أبو سليمان عزم على الرضا فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وانما هو عزم على الرضا وانما الرضا ما يكون بعد القضاء وان كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم بماذا عرفت ربك قال بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشائخ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وفي الترمذي أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا أي العمل أحب الى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد قال تعالى ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا
(1/99)
أخرتنا الى أجل قريب الآية فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه لما ابتلوا به كرهوه وفروا منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان يقول وليس لي في سواك حظ فكيفما شئت فاختبرني فأخذه العسر من ساعته أي حسر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق المحب أنه كان يقول وليس لي في سواك حظفكيفما شئت فاختبرني فأخذة العسر من ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول ادعوا لعمكم الكذاب امتحان سمنون وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي بكر الواسطي أنه قال سمنون يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله أربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية يتلوى يمينا وشمالا فلما أطلق بوله قال رب قد تبت اليك قال أبو نعيم فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب به المثل وله في المحبة مقام مشهور حتى روي عن ابراهيم بن فاتك أنه قال رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر وقال رأيته يوما يتكلم في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا
(1/100)
قول رويم والفضيل والأعرابي وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا حيث قال قال رويم ان الراضي لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ماشئت فامتحني واذا لم يطق الصبر على عسر البول أفيطيق أن تكون النار عن يمينة والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى قال بحبي لك الا فرجب عني ففرج عنه ورويم وان كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية يقولون انه رجع الى الدنيا وترك التصوف حتى روي عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد أنه قال من أراد أن يستكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولي اسماعيل بن اسحق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه اليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقي وأكل الطيبات وبنى الدور واذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ماهو معروف وكان على مذهب داود وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله
(1/101)
وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصالحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض كالفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ماكنت معذبني به في الآخرة فاجعله في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فهذا أيضا حمله خوفه من عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا وكان مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له لما عبر الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا
(1/102)
أبا سليمان لما قال هذه الكلمة لو ألقاني في النار لكنت بذلك رضيا أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعني أنه قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا تدل على رضاه لذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم لا يستمر بل ينفسخ وأن هذه الكلمة كان تركها أحسن من قولها وأنها مستدركة كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا عظيما فإن تلك الكلمة مضمونها إن من سأل الله الجنة واستعاذ من النار لا يكون راضيا وفرق بين من يقول أنا اذا فعل كذا كنت راضيا وبين من يقول لا يكون راضيا الا من يطلب خيرا ولا يهرب من شر وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشائخ وساداتهم ومن اتبعهم للشريعة حتى أنه قال انه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها الا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه الا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام وقال الشيخ أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فأذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من اتبع المشائخ للسنة فكيف أبو سليمان وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام تظهر بالكلام في المقام الثاني وهو قول القائل كائنا من كان الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار
(1/103)
ظن بعض الناس أن الجنة التنعم بالمخلوق ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب وذلك أن قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ثم صاروا ضربين بعض المذاهب في رؤية الرب ضرب أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما ذهب الى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومنهم من أقر بالرؤية اما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة واما برؤية فسروها بزيادة كشف أو علم أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب اليها ضرار بن عمرو وطوائف من أهل الكلام المنتسبين الى نصر أهل السنة في مسألة الرؤية وان كان ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع أهل السنة معنوي ولهذا كان بشر وأمثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء والمقصور هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته ربه قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر
(1/104)
ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول أسالك لذة النظر الى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر الية وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية فأما النعيم بنفس الرؤية فانكره وجعل هذا من أسرار التوحيد مذهب سلف الأمة في رؤية الرب وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر الى وجهك وأسألك الشوق الى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة
(1/105)
مهتدين وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنةان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشائخ الطريق كما روي عن الحسن البصري أنه قال لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا اليه وكلامهم في ذلك كثير ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشائخ على التنعم بالنظر الى الله تعالى تنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك فذهب طوائف من والفقهاء الى أن الله لا يحب نفسه وانما المحبة طاعته وعبادته وقالوا هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وانما محبته ارادته للاحسان اليهم وولايتهم ودخل في هذا القول من انتسب الى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع في طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء
(1/106)
من أنكر صفة المحبة ولذة النظر الى الله وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال فإن أول من أنكر المحبة في الاسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه ما دل عليه الكتاب والسنة في ذلك والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق أن الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام كأبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الاحياء وغيره وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في كتاب أبي طالب المسمى ب قوت القلوب وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نحو ذلك حيث قالوا يعشق ويعشق وقد بسط الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى يحبهم ويحبونه وقال تعالى والذين
(1/107)
آمنوا أشد حبا لله وقال أحب اليكم من الله ورسوله وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان لله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ بنظر اليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم الا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ومشائخها فهذا أحد الحزبين الغالطين أفهام بعض المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة والضرب الثاني طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة وافقوا هؤلاء على أن الجنة ليست ا لا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق ولكن وافقوا السلف والأئمة على اثبات رؤية الله والتنعم بالنظر اليه وأصابوا في ذلك وجعلوا يطلبون هذا النعيم وتسمو اليه همتهم ويخافون فوته وصار أحدهم يقول ما عبدتك شوقا الى جنتك أوخوفا من نارك ولكن لأنظر اليك واجلالا لك وأمثال هذه الكلمات مقصودهم بذلك هو أعلى من الأكل والشرب والتمتع بالمخلوق لكن غلطوا في اخراج ذلك من الجنة وقد يغلطون أيضا في ظنهم أنهم يعبدون الله بلا حظ ولا ارادة وأن كل ما يطلب منه فهو حظ النفس وتوهموا أن البشر يعمل بلا ارادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة الايمان والدين والآخرة
(1/108)
وسبب ذلك أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبة ومعبوده تفنية عن نفسه حتى لا يشعر بنفسه وإرادتها فيظن أنه يفعل لغير مراده والذي طلب وعلق به همته غاية مراده ومطلوبه ومحبوبه وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين وأرباب الأحوال والمقامات يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له عبارة تبين كلامه فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده وان كان من الناس من يقع منه في مراده واعتقاده فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام اذا عنوا به طلب رؤية الله تعالى أصابوا في ذلك لكن أخطأوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا عن الجنة فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك أمور منكرة نظير ما ذكر عن الشبلي رحمه الله أنه سمع قارئا يقرأ منكم من يريد الدنيا ومنكم من ير يد الآخرة فصرخ وقال أين مريد الله فيحمد منه كونه أراد الله ولكن غلط في ظنه أن الذين أرادوا الأخرة ما أرادوا الله وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ما أرادوا الله وهذه الآية فيأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم أفضل الخلق فإن لم يريدوا الله أفيريد الله من هو دونهم كالشبلي وأمثاله ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض المشائخ أنه سأل مرة عن قوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقلتون ويقتلون قال فاذا كانت الأنفس والأموال في ثمن الجنة فالرؤية بم تنال فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال والواجب أن يعلم أن كل ما أعده الله للأولياء من نعيم بالنظر اليه وما سوى ذلك هو في الجنة كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار وقد
(1/109)
قال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم عليه واذا علم أن جميع ذلك داخل في الجنة فالناس في الجنة على درجات متفاوتة كما قال انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاوكل مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة طلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وجميع أولياءه السابقين المقربين وأصحاب اليمين كما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بعض أصحابه كيف تقول في دعائك قال أقول اللهم اني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما اني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولهما ندندن فقد أخبر أنه هو صلى
(1/110)
الله عليه وسلم ومعاذ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم انما يدندنان حول الجنة أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة أهل الجنة نوعان وأهل الجنة نوعان سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين قال تعالى كلا ان كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون صرفا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسلية حلت عليه شفاعتي يوم القيامة فقد أخبر أن الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد واحد من عباد الله ورجا أن يكون هو ذ لك العبد هي درجة في الجنة فهل بقي بعد الوسيلة شيء أعلىمنها يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين
(1/111)
وثبت في الصحيح أيضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس الذكر قال فيقولون للرب تبارك وتعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قال فيقول وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا يستعيذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا لو رأوها لكانوا أشد منها استعاذة قال فيقول أشهدكم اني أعطيتهم ما يطلبون وأعذتهم مما يستعيذون أو كما قال قال فيقولون فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم الجنة ومهربهم من النار والنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء المشائخ كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك قال أشترط لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي أن تواسوهم قالوا فاذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا مد يدك فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك وقد قالوا له في أثناء البيعة ان بيننا وبين القوم حبالا وعهودا وانا ناقضوها
(1/112)
فهؤلاء الذين بايعوه من أعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم وأموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ولكن علموا أن في الجنة كل محبوب ومطلوب بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه فإن الطلب والحب والارادة فرع عن الشعور والاحساس والتصور فما لا يتصوره الانسان ولا يسحه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده فالجنة فيها هذا وهذا كما قال تعالى لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد وقال وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ففيها ما يشتهون وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه كما قال صلى الله عليه وسلم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا باب واسع غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار فاذا عرفت هذه المقدمة فقول القائل الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار ان أراد بذلك أن لا تسأل الله ما هو داخل في مسمى الجنة الشرعية فلا تسأله النطر اليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع الأنبياء والأولياء وأنك لا تستعيذ به من احتجابه عنك ولا من تعذيبك في النار فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح العقول وذلك أن الرضا الذي لا يسأل انما لا يسأله لرضاه عن الله
(1/113)
ورضاه عنه انما هو بعد معرفته به ومحبته له واذا لم يبق معه رضا عن الله ولا محبة لله فكأنه قال يرضى أن لا يرضى وهذا جمع بين النقيضين ولا ريب أنه كلام من لم يتصور ما يقول ولا عقله يوضح ذلك أن الراضي انما يحمله على احتمال المكاره والآلام ما يجده من لذة الرضا وحلاوته فاذا فقد تلك الحلاوة واللذة امتنع أن يتحمل ألما ومرارة فكيف يتصور أن يكون راضيا وليس معه من حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة المكاره وإنما هذا من جنس كلام السكران والفاني الذي وجد في نفسه حلاوة الرضا فظن أن هذا يبقى معه على أي حال كان وهذا غلط عظيم منه كغلط سمنون كما تقدم وان أراد بذلك أن لا يسأل التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو أعلى من ذلك فقد غلط من وجهين من جهة أنه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة ومن جهة أنه أيضا أثبت أنه طالب مع كونه راضيا فاذا كان الرضا لا ينافي هذا الطلب فلا ينافي طلبا آخر اذا كان محتاجا الى مطلوبه ومعلوم أن تمتعه بالنظر لا يتم الا بسلامته من النار وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر وما لا يتم المطلوب الا به فهو مطلوب فيكون طلبه للنظر طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه لا ينافي طلب حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ولا غيرهما مما هو من لوازم النظر فتبين تناقض قوله وأيضا فاذا لم يسأل الله الجنة ولم يستعذ به من النار فاما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج اليه من طلب منفعة ودفع مضرة واما أن لا يطلبه فان طلب ما هو دون ذلك واستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه للجنة أولى واستعاذته من النار أولى وان كان الرضا أن لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا اليه ولا يستعيذ من شيء قط وان كان مضرا
(1/114)
فلا يخلوا اما أن يكون ملتفتا بقلبه الى الله في أن يفعل به ذلك واما أن يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه الى الله فهو طالب مستعيذ بحاله ولا فرق بين الطلب بالحال والقال وهو بهما أكمل وأتم فلا يعدل عنه وان كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم أنه لا يحيى ويبقى الا بما يقيم حياته ويدفع مضاره بذلك والذي به يحيى من المنافع ودفع المضار اما أن يحبه ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن أحبه وطلبه وأراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا عن أن يكون محمودا وان قال لا أحبه وأطلبه وأريده لا من الله ولا من خلقه قيل هذا ممتنع في الحي فإن الحي ممتنع عليه أن لا يحب ما به يبقى وهذا أمر معلوم بالحس ومن كان بهذه المثابة امتنع أن يوصف بالرضا فإن الراضي موصوف بحب وارادة خاصة اذ الرضا مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك كله فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام وأما في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه أحدهما أن يقال الراضي لا بد أن يفعل ما يرضاه الله والا فكيف يكون راضيا عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ويذمه وينهي عنه وبيان هذا أن الرضا المحمود اما أن يكون الله يحبه ويرضاه واما أن لا يحبه ويرضاه فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا مأمورا به لا أمر ايجاب ولا أمر استحباب فإن من الرضا ما هو كفر كرضا الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه قال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط
(1/115)
أعمالهم فمن اتبع ما أسخط الله برضاه وعمله فقط أسخط الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الخطيئة اذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها وقال صلى الله عليه وسلم سيكون بعدي أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع هلك وقال تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فن ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين فرضنا عن القوم الفاسقين ليس مما يحبه الله ويرضاه وهو لا يرضى عنهم وقال تعالى أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدينا في الآخرة الا قليل فهذا رضا قد ذمة الله وقال تعال ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها فهذا أيضا رضا مذموم وسوى هذا وهذا كثير فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصي غيره فليس هو متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله بل هو مسخط لربه وربه غضبان عليه لا عن له ذام له متوعد له بالعقاب وطريق الله التي يأمر بها المشائخ المهتدون انما هي الأمر بطاعة الله
(1/116)
والنهي عن معصيته فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهي عنه ويعاقب أصحابه فهو عدو لله لأولى لله وهو يصد عن سبيل الله وطريقه ليس بسالك لطريقه وسبيله واذا كان الرضا الموجوده في بني آدم منه ما يحبه الله ومنه ما يكرهه ويسخطه ومنه ما هومباح لا من هذا ولا من هذا كسائر أعمال القلوب من الحب والبغض وغير ذلك لكها تنقسم الى محبوب لله ومكروه لله مباح فاذا كان الأمر كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من النار يقال له سؤال الله الجنة واستعاذته من النار اما أن تكون واجبة واما أن تكون مستحبة واما أن تكون مباحة واما أن تكون مكروهة ولا يقول مسلم انها محرمة ولا مكروهة وليست أيضا مباحة مستوية الطريفين ولو قيل انها كذلك ففعل المباح المستوي الطرفين لا ينافي الرضا اذ ليس من شرط الراضي أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور فاذا كان ما يفعله من هذه الأمور لا ينافي رضاه أينافي رضاه دعاء وسؤال هو مباح واذا كان السؤال والدعاء كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم أن الله يرضى بفعل الواجبات والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي من أولياء الله لا يفعل ما يرضاه ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله احتجاج القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به ورد أهل السنة على ذلك والقشيري قد ذكره في أوائل باب الرضا فقال اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله الذي أمر بالرضا به اذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب على العبد الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين وهذا الذي قاله قاله قبله وبعده ومعه غير واحد من
(1/117)
العلماء كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأمثالهما لما احتج عليهم القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها والرضا بما نهى الله عنه لا يجوز فأجابهم أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة أحدها وهو جواب هؤلاء وجماهير الأئمة أن هذا العموم ليس بصحيح فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضى وقدر ولم يجىء في الكتاب والسنة أمر بذلك ولكن علينا أن نرضى بما أمرنا أن نرضى به كطاعة الله ورسوله وهذا هو الذي ذكره أبو القاسم والجواب الثاني أنهم قالوا انا نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله وفي هذا الجواب ضعف قد بيناه في غير هذا الموضع الثالث أنهم قالوا هذه المعاصي لها وجهان وجه الى العبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه ووجه الى الرب من حيث هو خلقها وقضاها وقدرها فيرضى من الوجه الذي يضاف به الى الله ولا يرضى من الوجه الذي يضاف به الى العبد اذ كونها شرا وقبيحةومحرما وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك انما هو من جهة كونها مضافة الى العبد وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ما قد ذكرنا منه ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن هذا متعلق بمسائل الصفات
(1/118)
والقدر وهي من أعظم مطالب الدين وأشرف علوم الأولين والآخرين وأدقها على عقول أكثر العالمين والمقصود هنا أن مشائخ الصوفية والعلماء وغيرهم قد بينوا أن من الرضا ما يكون جائزا ومنه ما لا يكون جائزا فضلا عن كونه مستحبا أو من صفات المقربين وأن أبا القاسم ذكر في الرسالة أيضا فن قيل هذا الذي ذكرتموه أمر بين واضح فمن أين غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا من كان قيل غلطوا في ذلك لأنهم رأوا أن الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الأمر فالعبد اذا كان في حال من الأحوال فمن رضاه أن لا يطلب غير تلك الحال ثم انهم رأوا أن أقصى المطالب الجنة وأقصى المكاره النار فقالوا ينبغي أن لا يطلب شيئا ولو أنه الجنة ولا يكره ما يناله ولو أنه النار وهذا وجه غلطهم ودخل عليهم الضلال من وجهين أحدهما ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال يكون فيها للعبد طريقا الى الله فضلوا ضلالا مبينا والطريق الى الله انما هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا أحبه بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها الا هو وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فاذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه وكان كل ذم نال من رضي ما أسخط الله قد نالك
(1/119)
فتدبر هذا فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامةمن لا يحصيهم الا الله الوجه الثاني أنهم لا يفرقون بين الدعاء الذي أمروا به أمر ايحاب وأمر استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء العبد لربه ومسألته اياه ثلاثة أنواع أنواع دعاء العبد لربه نوع أمر العبد به اما أمر ايجاب واما أمر استحباب مثل قوله اهدنا الصراط المستقيم ومثل دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به أصحابه فقال اذا قعد أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله من أربع من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال فهذا دعاء أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا به في آخر صلاتهم وقد اتفقت الأمة على أنه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس وطائفة هذا مستحب والأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها لا تخرج عن أن تكون واجبة أو مستحبة وكل واحد من الواجب والمستحب يحبه الله ويرضاه ومن فعله رضي الله عنه وأرضاه فهل يكون من الرضا ترك ما يحبه ويرضاه و نوع من الدعاء ينهى عنه كالاعتداء مثل أن يسأل الرجل ما لا يصلح من خصائص الأنبياء وليس هو بنبي وربما هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى مثل أن يسأل لنفسه الوسيلة التي
(1/120)
لا تصلح الا لعبد من عباده أو يسأل الله تعالى أن يجعله بكل شيء عليما أو على كل شيء قدير وأن يرفغ عنه كل حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب وأمثال ذلك أو مثل من يدعوه ظانا أنه محتاج الى عباده وأنهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل ويذكر أنه اذا لم يفعله حصل له من الخلق ضير وهذا ونحوه جهل بالله واعتداء في الدعاء وان وقع في ذلك طائفة من الشيوخ ومثل أن يقولوا اللهم اغفر لي ان شئت فيظن أن الله قد يفعل الشيء مكرها وقد يفعل مختارا كالملوك فيقول اغفر لي ان شئت وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال لايقل أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ومثل أن يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق وأمثال ذلك فهذه الأدعية ونحوها منهي عنها ومن الدعاء ما هو مباح كطلب الفضول التي لا معصية فيها آراء في الرضا والمقصود أن الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحق فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من المشروع فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن الرضا
(1/121)
مشروع بكل مقدور ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع ايجابا واستحبابا والدعاء غير المشروع وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن طلب الجنة من الله والاستعاذة به من النار هو من أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو مستحبا وطريق أولياء الله التي يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات اذ ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين ثم انه لما أوقع هؤلاء في هذا الغلط أنهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون الله جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة كون ذلك عبادة وطاعة وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده وأن لايكون لأحدهم ارادة أصلا بل يكون مطلوبه الجريان تحت القدر كائنا من كان وهذا هو الذي أدخل كثيرا منهم في الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون اليه وما لا تتم مصلحة دينهم الا به فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمور بحكم الطبع والهوى والعاده ومعلوم أن الأفعال التي على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا طاعة ولا قربة فرأى أولئك الطريق الى الله ترك هذه العبادات والأفعال الطبعيات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ومحرمات وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق الى الله طريق المفرطين الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج اليها على غير وجه العبادة والتقرب الى الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال بل المشروع أن تفعل بنية التقرب الى الله وأن يشكر الله قال الله تعالى كلوا من
(1/122)
الطيبات واعملوا صالحا وقال تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله فأمر بالأكل والشرب فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل ولم يشكر كان مذموما وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ان الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك وفي الصحيح أيضا أنه قال نفقة المؤمن على أهله يحتسبها صدقة فكذلك الأدعية هنا من الناس من يسأل الله جلب المنفعة له ودفع المضرة عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من المشروع أن ادع الدعاء مطلقا لتقصير هذا وتفريطه بل أفعله أنا شرعا وعبادة ثم اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة انما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته بخلاف الذي يفعله طبعا فإنه انما يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعال فمن الناس من
(1/123)
يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار انما يطلب حسنة الآخرة فهو محمود ومما يبين الأمر في ذلك أن يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا من القربات فإن ذلك انما فائدته حصول الثواب ودفع العقاب الذي هو النار فلا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا ويقول أنا راض بكل ما يفعله بي وان كفرت وفسقت وعصيت بل يقول أنا أكفر وأفسق وأعصي حتى يعاقبني وأرضى بعقابه فأنال درجة الرضا بقضائه وهذا قول من هو من أجهل الخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم أما جهلة وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وأما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت كثيرا من أهل الارادة من المتصوفة في أن تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به اما ناقصين محرومين واما عاصين فاسقين واما كافرين وقد رأيت من ذلك ألوانا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وهؤلاء المعتزلة ونحوهم من القدرية طرفا نقيض هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن الأمر وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن
(1/124)
القدر والطائفتان تظن أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر كما أن طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل وهذه الأصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية والقدرية الابليسية وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع وأصل ما يبتلى به السالكون أهل الارادة العامة في هذا الزمان هي القدرية المشركية فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر كما قال فيهم بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وانما المشروع العكس وهو أن يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل الفعل ويشكره عليها بعد الفعل ويجتهد أن لا يعصي فاذا أذنب وعصى بادر الى التوبة والاستغفار كما في حديث سيد الاستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وكا في الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكما ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ومن هذا الباب دخل قوم من أهل الادارة في ترك الدعاء وآخرون جعلوا التوكل والمحبة من مقامات العامة وأمثال هذه الأغاليط التي تكلمنا عليها في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك ولهذا يوجد في كلام هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم والشريعة حتى قال سهل بن عبد الله التستري كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد علمنا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم في علمنا والله أعلم
الفصل الثامن الهم والعزم
(1/125)
سؤال ما تقوم السادة العلماء في من عزم على فعل محرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر عزما جازما فعجز عن فعله اما بموت أو غيره هل يأثم بمجرد العزم أم لا وان قلتم يأثم فما جواب من يحتج على عدم الاثم بقوله اذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وبقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم واحتج به من وجهين أحدهما أنه أخبر بالعفو عن حديث النفس والعزم داخل في العموم والعزم والهم واحد قاله ابن سيده
الثاني أنه جعل التجاوز ممتدا الى أن يوجد كلام أو عمل وما قبل ذلك داخل في حد التجاوز ويزعم أن لا دلالة في قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار لأن الموجب لدخول المقتول في النار مواجهته أخيه لأنه عمل لا مجرد قصد وأن لا دلالة في قوله صلىالله عليه وسلم في الذي قال لو أن لي مالا لفعلت وفعلت انهما في الاثم سواء وفي الأجر سواء لأنه تكلم والنبي صلى الله عليه وسلم قال ما لم تعمل به أو تتكلم وهذا قد تكلم وقد وقع في هذه المسألة كلام كثير واحتيج الى بيانها مطولا مكشوفا مستوفى الاجابة فأجاب شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه الحمد لله هذه المسأله ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها الى حسن التصور لها فإن اضراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين سببا الاضطراب أحدهما عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها التي هي مورد الكلام
(1/126)
والثاني عدم اعطاء الأدلة الشرعية حقها ولهذا كثر اضطرات كثير من الناس في هذا الباب حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون اجماعات متناقضة في الظاهر تفاوت الأفعال والصفات فينبغي أن يعلم أن كل واحد من صفات الحي التي هي العلم والقدرة والارادة ونحوها له من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا يضبطه العباد كالشك ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ومراتبه وكذلك الهم والارادة والعزم وغير ذلك ولهذا كان الصواب عند جماهير أهل السنة وهو ظاهر مذهب أحمد وهو أصح الروايتين عنه وقول أكثير أصحابه ان العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان بل وكذلك الصفات التي تقوم بغير الحي كالألوان والطعوم والأرواح الارادة الجازمة وحكمها فنقول أولا الارادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها اذا كانت القدرة حاصلة فإنه متى وجدت الارادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم ومتى وجدت الارادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الارادة جازمة وهو ارادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال ولم يفعلوه وان كانت هذه الارادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتا كثيرا لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الارادة جازمة جزما تاما وهذه المسألة انما كثر فيها النزاع لأنهم قدروا ارادة جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل وهذا لا يكون وانما يكون ذلك في العزم على أن يفعل فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئا في الحال والعزم على أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل بل
(1/127)
لا بد عند وجود من حدوث تمام الارادة المستلزمة للفعل وهذه هي الارادة الجازمة والارادة الجازمة اذا فعل معها الانسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام الذي فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر ومنها ما يتولد عن فعل الانسان كالداعي الى هدى أو ضلالة والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليى وسلم أنه قال من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص أوزارهم شيء وثبت عنه في الصححين أنه قال من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء
(1/128)
ارادة الداعي الى الهدى والضلال فالداعي الى الهدى والى الضلالة هو طالب مريد كامل الطلب والارادة لما دعا اليه لكن قدرته بالدعاء والأمر وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول ولهذا قرن الله تعالى في كتابه بين الأفعال المباشرة والمتولدة فقال ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فذكر في الآية الأولى ما يحدث عن أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة وهو ما يصيبهم من العطش والجوع والتعب وما يحصل للكفار بهم من الغيط وما ينالونه من العدو وقال كتب لهم به عمل صالح فأخبر أن هذه الأمور التي تحدث وتتولد من فعلهم وفعل آخر منفصل عنهم يكتب لهم بها عمل صالح وذكر في الآية الثانية نفس أعمالهم المباشرةالتي باشروها بأنفسهم وهي الانفاق وقطع المسافة فلهذا قال فيها الا كتب لهم فإن هذه نفسها عمل صالح وارادتهم في الموضعين جازمة على مطلوبهم الذي هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فما حدث مع هذه الارادة الجازمة من الأمور التي تعين فيها قدرتهم بعض الاعانة هي لهم عمل صالح وكذلك الداعي الى الهدى والضلالة لما كانت ارادتهم جازمة كاملة
(1/129)
في هدى الأتباع وضلالهم وأتى من الاعانة على ذلك بما يقدر عليه كان بمنزلة العامل الكامل فله من الجزاء مثل جزاء كل من اتبعه للهادي مثل أجور المهتدين وللمضل مثل أوزار الضالين وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة فان السنة هي مارسم للتحري فإن السان كامل الارادة لكل ما يفعل من ذلك وفعله بحسب قدرته ومن هذا قوله في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل فالكفل النصيب مثل نصيب القاتل كما فسره الحديث الآخر وهو كما استباح جنس قتل المعصوم لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة فصار شريكا في قتل كل نفس ومنه قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ويشبه هذا أنه من كذب رسولا معينا كتكذيب جنس الرسل كما قيل فيه كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين ونحو ذلك ومن هذا الباب قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا
(1/130)
سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء انهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون فأخبر أن أمة الضلال لا يحملون من خطايا الأتباع شيئا وأخبر أنهم يحملون أثقالهم وهي أوزار الأتباع من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيء لأن ارادتهم كانت جازمة بذلك وفعلوا مقدورهم فصار لهم جزاء كل عامل لأن الجزاء على العمل يستحق مع الارادة الجازمة وفعل المقدور منه وهو كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب الى هرقل فإن توليت فإن عليك اثم الأريسيين فأخبر أن هرقل لما كان امامهم المتبوع في دينهم أن عليه اثم الأربسيين وهم الأتباع وان كان قد قيل ان أصل هذه الكلمة من الفلاحين والأكرة كلفظ الطاء بالتركي فإن هذه الكلمة تقلب الى ما هو أعم من ذلك ومعلوم أنه اذا تولى عن أتباع الرسول كان عليه مثل آثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء كما دل عليه سائر نصوص الكتاب والسنة ومن هذا قوله تعالى الهكم اله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون انه لا يحب المستكبرين واذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم
(1/131)
فقوله ومن أوزار الذين يضلونهم هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع وهي حاصلة من جهة الآمر ومن جهة المأمور المتثل فالقدرتان مشتركتان في حصول ذلك الضلال فلهذا كان على هذا بعضه وعلى هذا بعضه الا أن كل بعض من هذين البعضين هو مثل وزر عامل كامل كما دلت عليه سائر النصوص مثل قوله من دعا الى الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة ومن هذا الباب قوله تعالى قال ادخلوا في أمم قد قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف العذاب كما أخبر عنهم بذلك في قوله تعالى وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وأخبر سبحانه أن لكل من المتبعين والأتباع تضعيفا من العذاب ولكن لا يعلم الأتباع التضعيف ولهذا وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى وعظيم الذم واللعنة لأئمة الضلال حتى روي في أثر لا يحضرني اسناده انه ما من عذاب في النار الا يبدأ فيه بابليس ثم يصعد بعد ذلك الى غيره وما من نعيم في الجنة الا يبدأ فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ينتقل الى غيره فإنه
(1/132)
هو الامام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم كما قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وهو شفيع الأولين والآخرين في الحساب بينهم وهو أول من يستفتح باب الجنة وذلك أن جميع الخلائق أخذ الله عليهم ميثاق الايمان به كما أخذ على كل نبي أن يؤمن بمن قبله من الأنبياء ويصدق بمن بعده قال تعالى واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه الآية فافتتح الكلام باللام الموطئة للقسم التي يؤتى بها اذا اشتمل الكلام على قسم وشرط وأدخل اللام على ما الشرطية ليبين العموم ويكون المعنى مهما آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم اذا جاءكم ذلك النبي المصدق الايمان به ونصره كما قال ابن عباس ما بعث الله نبيا الا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه والله تعالى قد نوه بذكره وأعلنه في الملأ الأعلى ما بين خلق جسد آدم ونفخ الروح فيه كما في حديث ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا وفي رواية متى كتبت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد رواه أحمد وكذلك في حديث العرباض بن سارية
(1/133)
الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اني عند الله الخاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته الحديث فكتب الله وقدر في ذلك الوقت وفي تلك الحال أمر امام الذرية كما كتب وقدر حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه كما ثبت ذ لك في الصحيحين من حديث ابن مسعود فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك وان كان ثواب من آمن به وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت الا بالايمان المجمل على أنه امام مطلق لجميع الذرية وأن له نصيبا من ايمان كل مؤمن من الأولين والآخرين كما أن كل ضلال وغواية في الجن والانس لابليس منه نصيب فهذا يحقق الأثر المروي ويؤيد ما في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا اما من مراسيل الزهري واما من مراسيل من فوقه من التابعين قال بعثت داعيا وليس الي من الهداية شيء وبعث ابليس مزينا ومغويا وليس اليه من الضلالة شيء ومما يدخل في هذا الباب من بعض الوجوه قوله في الحديث الذي في
(1/134)
السنن وزنت بالأمة فرجحت ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح ثم رفع الميزان فأما كون النبي صلى الله عليه وسلم راجحا بالأمة فظاهر لأن له مثل أجر جميع الأمة مضافا الى أجره وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما معاونة مع الارادة الجازمة في ايمان الأمة كلها وأبو بكر كان في ذلك سابقا لعمر وأقوى ارادة منه فإنهما هما اللذان كانا يعاونان النبي صلى الله عليه وسلم على ايمان الأمة في دقيق الأمور وجليلها في محياه وبعد وفاته ولهذا سأل أبو سفيان يوم أحد أفي القوم محمد أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن الخطاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه فقال أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال كذبت يا عدو الله ان الذي ذكرت لأحياء وقد بقي لك ما يسوءك رواه البخاري ومسلم حديث البراء بن عازب فأبو سفيان رأس الكفر حينئذ لم يسأل الا عن هؤلاء الثلاثة لأنهم قادة المؤمنين كما ثبت في الصحيحين أن علي بن أبي طالب لما وضعت جنازة عمر قال والله ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله من هذا المسجى والله اني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت أسمع
(1/135)
النبي صلى الله عليه وسلم يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر وأمثال هذه النصوص كثيرة تبين سبب استحقاقهما ان كان لهما مثل أعمال جميع الأمة لوجود الارادة الجازمة مع التمكن من القدرة على ذلك كله بخلاف من أعان على بعض ذلك دون بعض ووجدت منه ارادة في بعض ذلك دون بعض وأيضا فالمريد ارادة جازمة مع فعل المقدور هو بمنزلة العامل الكامل وان لم يكن اماما وداعيا كما قال سبحانه لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسني وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما الارادة الجازمة مع العجز عن الفعل فالله تعالىنفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز ولم ينف المساواة بين المجاهد وبين القاعد العاجز بل يقال دليل الخطاب يقتضي مساواته اياه ولفظ الآية صريح استثنى أولو الضرر من نفي المساواة فالأستثناء هنا هو من النفي وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون القاعدين وان لم يساووهم في الجميع ويوافقه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة تبوك ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم
(1/136)
بالمدينة حبسهم العذر فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه الا العذر هو مثل من معهم في هذه الغزوة ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر نيته فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم الا العذر ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم فإنه اذا كان يعمل في الصحةوالاقامة عملا ثم لم يتركه الا لمرض أو سفر ثبت أنه انما ترك لوجود العجز والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الارادة الجازمة التي لم يتخلف عنها الفعل الا لضعف القدرة ما للعامل والمسافر وان كان قادرا مع مشقة كذلك بعض المرض الا أن القدرة الشرعية هي التي يحصل بها الفعل من غير مضرة راجحة كما في قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا وقوله فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ونحو ذلك ليس المعتبر في الشرع القدرة التي يمكن وجود
الفعل بها على أي وجه كان بل لا بد أن تكون المكنة خالية عن مضرة راجحة بل أو مكافية ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وقوله من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء فإن الغزو يحتاج الى جهاد بالنفس وجهاد بالمال فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الارادة الجازمة في كل منهما كان كل منهما مجاهدا بارادته الجازمة ومبلغ قدرته وكذلك لا بد للغازي من خليفة في الأهل فاذا خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز وكذلك الصيام لا بد فيه من امساك ولا بد فيه من العشاء الذي به يتم الصوم والا فالصائم الذي لا يستطيع العشاء لا يتمكن من الصوم وكذلك قوله في الحديث الصحيح اذا أنفقت المرأة من مال زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها مثل ذلك لا ينقص بعبضهم من أجور بعض شيئا وكذلك قوله في حديث أبي موسى
(1/137)
الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين أخرجاه وذلك أن اعطاء الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به موفرا طيبة به نفسه لا يكون الا مع الارادة الجازمة الموافقة لارادة الآمر وقد فعل مقدوره وهو الامتثال فكان أحد المصتدقين ومن هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انما الدنيا لأربعة رجل آتاه الله علما ومالا فهو يعمل فيه بطاعة الله فقال رجل لو أن لي مثل فلان لعملت بعمله فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهما في الأجر سواء وقد رواه الترمذي مطولا وقال حديث حسن صحيح فهذا التساوي مع الأجر والوزر هو في حكاية حال من قال ذلك وكان صادقا فيه وعلم الله منه ارادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل الا لفوات القدرة فلهذا استويا في الثواب والعقاب وليس هذه الحال تحصل لكل من قال لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل الا اذا كانت ارادته جازمة يجب وجود الفعل معها اذا كانت القدرة حاصلة والا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لا نفسخت عزيمته كعامة الخلق يعاهدون وينقضون
(1/138)
وليس كل من عزم على شيء عزما جازما قبل القدرة عليه وعدم الصوارف عن الفعل تبقى تلك الارادة عند القدرة المقارنة للصوارف كما قال تعالى ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وكما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون وحديث أبي كبشة في النيات مثل حديث البطاقة في الكلمات وهو الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ينشر الله له يوم القيامة تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مدى البصر ويقال له هل تنكر من هذا شيئا هل ظلمتك فيقول لا يا رب فيقال له لا ظلم عليك اليوم فيؤتى ببطاقة فيها التوحيد فتوضع في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والاخلاص والصفاء وحسن النية اذ الكلمات والعبادات وان اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما ومثل هذا الحديث في حديث المرأة البغي التي سقت كلبا
(1/139)
فغف الله لها فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة اذ ذاك ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ان العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه الى يوم القيامة وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه الى يوم القيامة العبد بين الهم والعمل وأمثله لذلك وبهذا تبين أن الأحاديث التي بها التفريق بين الهام والعامل وأمثالها انما هي فيما دون الارادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال أن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي هريرة
(1/140)
فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل لهذا قال فعملها فلم يعملها ومن أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن ارادته جازمة فإن الارادة الجازمة مع القدرة مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود الفعل وموجب له اذ لو توقف على شيء آخر لم تكن الارادة الجازمة مع القدرة تامة كافية في وجود الفعل ومن المعلوم والمحسوس أن الأمر بخلاف ذلك ولا ريب أن الهم والعزم والارادة ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل الا للعجز وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم فهذا القسم الثاني يفرق فيه بين المريد والفاعل بل يفرق بين ارادة وارادة اذ الارادة هي عمل القلب الذي هو ملك الجسد كما قال أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده وتحقيق ذلك ما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فاذا هم بحسنة فلم يعملها كان قد أتى بحسنة وهي الهم بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة فإن ذلك طاعة وخير وكذلك هو في عرف الناس كما قيل لأشكرن لك معروفا هممت به ان اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك ان لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف فإن عملها كتبها الله له عشر حسنات لما مضى من رحمته أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف كما قال تعالى مثل
(1/141)
الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن جاء بناقة لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة الى أضعاف كثيرة وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا انه يعطى به ألف ألف حسنة وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح وسواء سمي همه ارادة أو عزما أو لم يسم متى كان قادرا على الفعل وهم به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست ارادته جازمة وهذا موافق لقوله في الحديث الصحيح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به فإن ما هم به العبد من الأمور التي يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها ولم يعملها لم تكن ارادته لها جازمة فتلك مما لم يكتبها الله عليه كما شهد به قوله من هم بسيئة فلم يعملها ومن حكى الاجماع كابن عبد البر وغيره في هذه المسألة على هذا الحديث فهو صحيح بهذا الاعتبار وهذا الهام بالسيئة فاما أن يرتكها لخشية الله وخوفه أو يتركها لغير
(1/142)
ذلك فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به في الحديث وكما قد جاء في الحديث الآخر اكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي أو قال من جرائي وأما ان تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة كما جاء في الحديث الآخر فإن لم يعملها لم تكتب عليه وبهذا تتفق معاني الأحاديث وان عملها لم تكتب عليه الا سيئة واحدة فإن الله تعالى لا يضعف السيئات بغير عمل صاحبها ولا يجزي الانسان في الآخرة الا بما عملت نفسه ولا تمتلىء جهنم الا من أتباع ابليس من ا لجنة والناس كما قال تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأنس أن الجنة يبقى فيها فضل فينشىء الله لها أقواما في الآخرة وأما النار فإنه ينزوي بعضها الى بعض حتى يضع عليها قدمه فتمتلىء بمن دخلها من أتباع ابليس ولهذا كان الصحيح المنصوص عن أئمة العدل كأحمد وغيره الوقف في أولاد المشركين وأنه لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديثين الصحيحين حديث أبي هريرة وابن عباس الله أعلم بما كانوا عاملين فحديث
(1/143)
أبي هريرة في الصحيحين وحديث ابن عباس في البخاري وفي حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري أن منهم من يدخل الجنة وثبت أن منهم من يدخل النار كما في صحيح مسلم في قصة الغلام الذي قتله الخضر وهذا يحقق ما روي من وجوه أنهم يمتحنون يوم القيامة فيظهر على علم الله فيهم فيجزيهم حينئذ على الطاعة والمعصية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث واختاره وأما أئمة الضلال الذين عليهم أوزار من أضلوه ونحوهم فقد بينا أنهم انما عوقبوا لوجود الارادة الجازمة مع التمكن من الفعل بقوله في حديث أبي كبشة فهما في الوزر سواء وقوله من دعا الى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه فاذا وجدت الارادة الجازمة والتمكن من الفعل صاروا بمنزلة الفاعل التام والهام بالسيئة التي لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه ارادة جازمة وفاعل السيئة التي تمضي لا يجزي بها الا سيئة واحدة كما شهد به النص وبهذا يظهر قول الأئمة حيث قال الامام أحمد الهم همان هم خطرات وهم اصرار فهم الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه اصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل ومن هذا الباب هم يوسف حيث قال تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه الآية وأما هم المرأة التي راودته فقد قيل انه كان هم اصرار لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن
(1/144)
المنافقين في قوله تعالى وهموا بما لم ينالوافهذا الهم المذكور عنهم هم مذموم كما ذمهم الله عليه ومثله يذم وان لم يكن جازما كما سنبينه في آخر الجواب من الفرق بين ما ينافي الايمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على السيئات الجازم بارادة فعلها اذا لم يمنعه الا مجرد العجز فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل لحديث أبي كبشة ولما في الحديث الصحيح اذا التفى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على قتل صاحبه وفي لفظ انه أراد قتل صاحبه فهذه الارادة هي الحرص وهي الارادة الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو القتال لكن عجز عن القتل وليس هذا من الهم الذي لا يكتب ولا يقال انه استحق ذلك بمجرد قوله لو أن لي ما لفلان لعملت مثل ما عمل فإن تمني الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد التكلم بل لا بد من أمر آخر وهو لم يذكر أنه يعاقب على كلامه وانما ذكر أنهما في الوزر سواء وعلى هذا فقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل لا ينافي العقوبة على الارادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل فان الارادة الجازمة هي التي يقترن بها المقدور من الفعل والا فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة فالمريد الزنا والسرقة وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت ارادته جازمة عازمة فلا بد أن يقترن بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه الى جهة
(1/145)
المعصية مثل تقرب السارق الى مكان المال المسروق ومثل نظر الزاني واستماعه الى المزني به وتكلمه معه ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا بد مع الارادةالجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل توجد بدون الارادة الجازمة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك او يكذبه وكذلك حديث أبي بكرة المتفق عليه اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه وفي رواية في الصحيحين انه كان حريصا على قتل صاحبه فانه أراد ذلك ارادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها من قتل صاحبه العجز وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فاستحق حينئذ النار كما قدمنا من أن الارادة الجازمة التي أتى معها بالممكن يجري صاحبها مجرى الفاعل التام والارادة التامة قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتي معها بالمقدور أو بعضه وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة فيما فعل دون ما ترك مع القدرة مثل الذي يأتي بمقدمات الزنا من اللمس والنظر والقبلة ويمتنع عن الفاحشة الكبرى لهذا قال في حديث
(1/146)
أبي هريرة الصحيح العين تزني والأذن تزني واللسان يزني الى أن قال والقلب يتمنى ويشتهي أي يتمنى الوطء ويشتهيه ولم يقل يريد ومجرد الشهوة والتمني ليس ارادة جازمة ولا يستلزم وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك وانما يعاقب اذا أراد ارادة جازمة مع القدرة والارادة الجازمة التي يصدقها الفرج ومن هذا الحديث الذي في الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من أمرأة قبلة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات الآية فقال الرجل ألي هذه فقال لمن عمل بها من أمتي فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في الغالب أن يهم بما هو أكبر من ذلك كما قال والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه لكن ارادته القلبية للقبله كانت ارادة جازمة فاقترن بها فعل القبلة بالقدرة وأما ارادته للجماع فقد تكون غير جازمة وقد تكون جازمة لكن لم يكن قادرا والأشبه في الذي نزلت فيه الآية أنه كان متمكنا لكنه لم يفعل فتفريق أحمد وغيره بين هم الخطرات وهم الاصرار هو الذي عليه الجواب فمن لم يمنعه من الفعل الا العجز فلا بد أن يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وان فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ولهذا قال ابن المبارك المصر الذي يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها الى شهر وفي رواية الى ثلاثين سنة ومن نيته أنه ااذا قدر على شربها شربها وقد يكون مصرا اذا عزم على الفعل في وقت دون وقت كمن يعزم على ترك
(1/147)
المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب مطلقا ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان ويثاب اذا كان ذلك الترك لله وتعظيم شعائر الله واجناب محارمه في ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا هو مصر مطلقا وأما الذي وصفه ابن المبارك فهو مصر اذا كان من نيته العود الى شربها قلت والذي قد ترك المعاصي في شهر رمضان من نيته العود اليها في غير شهر رمضان مصر أيضا لكن نيته أن يشربها اذا قدر عليها غير النية مع وجود القدرة فاذا قدر قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا ارادة جازمة لا يمنعه الا العجز فهو معاقب على ذلك كما تقدم وتقدم أن مثل هذا لا بد أن يقترن بارادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث المحاسبي أنه حكى الاجماع على أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له فهذا الإجماع صحيح مع القدرة فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل وأما الناوي الجازم الآتي بما يمكن فانه بمنزلة الفاعل التام كما تقدم ومما يوضح هذا أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد الارادة كقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا وقال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وقال من
(1/148)
كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب فرتب الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة ويريد الحياة الدنيا ويريد حرث الدنيا وقال في آية هود نوف اليهم أعمالهم فيها الى أن قال وباطل ما كانوا يعملون فدل على أنه كان لهم أعمال بطلت وعوقبوا على أعمال أخرى عملوها وأن الارادة هنا مستلزمة للعمل ولما ذكر ارادة الآخرة قال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وذلك لأن ارادة الآخرة وان استلزمت عملها فالثواب انما هو على العمل المأمور به لا كل سعي ولا بد مع ذلك من الايمان ومنه قوله يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرةفهذا نظير تلك الآية التي في سورة هود وهذا يطابق قوله اذا التقى المسلمان بسيفيهما الا أنه قال فانه أراد قتل صاحبه أو انه كان حريصا على قتل صاحبه فذكر الحرص والارادة على القتل وهذا لا بد أن يقترن به فعل وليس هذا مما دخل في حديث العفو ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها
(1/149)
ومما يبنى على هذا مسألة معروفة بين أهل السنة وأكثر العلماء وبين بعض القدريه وهي توبة العاجز عن الفعل كتوبة المجبوب عن الزنا وتوبة الأقطع العاجز عن السرقة ونحوه من العجز فانها توبة صحيحة عند جماهير العلماء من أهل السنة وغيرهم وخالف في ذلك بعض القدرية بناء على أن العاجز عن الفعل لا يصح أن يثاب على تركه الفعل بل يعاقب على تركه وليس كذلك بل ارادة العاجز عليها الثواب والعقاب كما بينا وبينا أن الارادة الجازمة مع القدرة تجري مجرى الفاعل التام فهذا العاجز اذا أتى بما يقدر عليه من مباعدة أسباب المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه كالتائب القادر عليها سواء فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل كاصرار العاجز عن كمال الفعل ومما يبنى على هذا المسألة المشهورة في الطلاق وهو أنه لو طلق في نفسه وجزم بذلك ولم يتكلم به فانه لا يقع به الطلاق عند جمهور العلماء وعند مالك في احدى الروايتين يقع وقد استدل أحمد وغيره من الأئمة على ترك الوقوع بقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها فقال المنازع هذا المتجاوز عنه انما هو حديث النفس والجازم بذلك في النفس ليس من حديث النفس فقال المنازع لهم قد قال ما لم تكلم به أو تعمل به فأخبر أن التجاوز عن حديث النفس امتد الى هذه الغاية التي هي الكلام به والعمل به كما ذكر ذلك في صدر السؤال من استدلال بعض الناس وهو استدلال حسن فانه لو كان حديث النفس اذا صار عزما ولم يتكلم به أو يعمل يواخذ به لكان خلاف النص لكن يقال هذا في المأمور صاحب المقدرة التي يمكن فيها الكلام والعمل اذا لم يتكلم ولم يعمل وأما الارادة الجازمة
(1/150)
المأتي فيها بالمقدور فتجري مجرى التي أتى معها بكمال العمل بدليل الأخرس لما كان عاجزا عن الكلام وقد يكون عاجزا عن العمل باليدين ونحوهما لكنه اذا أتى بمبلغ طاقته من الاشارة جرى ذلك مجرى الكلام من غيره والأحكام والثواب والعقاب وغير ذلك وأما الوجه الآخر الذي احتج به وهو أن العزم والهم داخل في حديث النفس المعفو عنه مطلقا فليس كذلك بل اذا قيل ان الارادة الجازمة مستلزمة لوجود فعل ما يتعلق به الذم والعقاب وغير ذلك يصح ذلك فإن المراد ان كان مقدورا مع الارادة الجازمة وجب وجوده وان كان ممتنعا فلا بد مع الارادة الجازمة من فعل بعض مقدماته وحيث لم يوجد فعل أصلا فهو هم وحديث النفس ليس ارادة جازمة ولهذا لم يجيء في النصوص العفو عن مسمى الارادة والحب والبغض والحسد والكبر والعجب وغير ذلك من أعمال القلوب اذ كانت هذه الأعمال حيث وقع عليهم ذم وعقاب فلأنها تمت حتى صارت قولا وفعلا وحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي الحديث حق والمؤاخذة بالارادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق ولكن طائفة من الناس قالوا ان الارادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ثم تنازعوا في العقاب عليها فكان القاضي أبو بكر ومن تبعه كأبي حامد وأبي الفرج ابن الجوزي يرون العقوبة على ذلك وليس معهم دليل على أنه يؤاخذ اذا لم يكن هناك قول أو عمل والقاضي بناها على أصله في الايمان الذي اتبع فيه جهما والصالحي وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري وهو أن الايمان مجرد تصديق القلب ولو كذب بلسانه وسب الله ورسوله بلسانه وأن سب الله ورسوله انما هو كفر في الظاهر وأن كلما كان كفرا في نفس الأمر فانه
(1/151)
يمتنع أن يكون معه شيء من تصديق القلب وهذا أصل فاسد في الشرع والعقل حتى ان الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيدة وغيرهم كفروا من قال في الايمان بهذا القول بخلاف المرجئة من الفقهاء الذين يقولون هو تصديق القلب واللسان فان هؤلاء لم يكفرهم أحد من الأئمة وانما بدعوهم وقد بسط الكلام في الايمان وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وبين أن من الناس من يعتقد وجود الأشياء بدون لوازمها فيقدر مالا وجود له أوجه خطأ جهم في الايمان وأصل جهم في الايمان تضمن غلطا من وجوه أمنها ظنه مجرد تصديق القلب ومعرفته بدون أعمال القلب كحب الله وخشيته ونحو ذلك ب ومنها ظنه ثبوت ايمان قائم في القلب بدون شيء من الأقوال والأعمال جومنها ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده في النار فانه يمتنع أن يكون في قلبه شيء من التصديق وجزموا بأن ابليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن في قلوبهم شيء من ذلك وهذا كلامهم في الارادة والكراهة والحب والبغض ونحو ذلك فان هذه الأمور اذا كانت هما وحديث نفس فانه معفو عنها واذا صارت ارادة جازمة وحبا وبغضا لزم
(1/152)
وجود الفعل ووقوعه وحينئذ فليس لأحد أن يقدر وجودها مجردة ثم يقول ليس فيها اثم وبهذا يظهر الجواب عن حجة السائل محبةالله ورسوله واقترانها بالارادة فان الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله والحب فيه والبغض فيه ويعاقب على بغضه وبغض رسوله وبغض أوليائه وعلى محبة الأنداد من دونه وما يدخل في هذه المحبة من الارادات والعزوم فان المحبة سواء كانت نوعا من الارادة أو نوعا آخر مستلزما للارادة فلا بد معها من ارادة وعزم فلا يقال هذا من حديث النفس المعفو عنه بل كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصيحيحن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر لأنت يا رسول الله أحب الي من كل شيء الا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال عمر فانك الآن أحب الي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر بل قد قال تعالى قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخسون كسادها ومساكن
(1/153)
ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربضوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين فانظر الى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب اليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب الى المؤمن من الأهل والمال والمساكن والمتاجر والأصحاب والأخوان والا لم يكن مؤمنا حقا ومثل هذا ما في الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد أحدحلاوة الايمان حتى يحب المرء لا يحبه الا الله وحتى أن يقذف في النار أحب اليه من أن يرجع في الكفر وحتى يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وهذا لفظ البخاري فأخبر أنه لا يجد أحد حلاوة الايمان الا بهذه المحبات الثلاث أحدهما أن يكون الله ورسوله أحب اليه من سواهما وهذا من أصول الايمان المفروضة التي لا يكون العبد مؤمنا بدونها الثاني أن يحب العبد لا يحبه الا لله وهذا من لوازم الأول والثالث أن يكون القاؤه في النار أحب اليه من الرجوع الى الكفر وكذلك التائب من الذنوب من أقوى علامات صدقة في التوبة هذه الخصال محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه وان كانت متعلقة بالأعيان ليست من أفعالنا كالارادة المتعلقة بأفعالنا فهي مستلزمة لذلك فان من كان الله ورسوله أحب اليه من نفسه وأهله وماله لا بد أن يريد من العمل
(1/154)
ما تقتضيه هذه المحبة مثل ارادته نصر الله ورسوله ودينه والتقريب الى الله ورسوله ومثل بغضه لمن يعادي الله ورسوله ومن هذا الباب ما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحاح من حديث ابن مسعود وأبي موسى وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المرء مع من أحب وفي رواية الرجل يحب القوم ولما يلحق لهم أي ولما يعمل بأعمالهم فقال المرء مع من أحب قال أنس فما فرح المسلمون بشيء بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن يجعلني الله معهم وان لم أعمل عملهم وهذا الحديث حق فان كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك وكونه معه هوعلى محبته اياه فان كانت المحبةمتوسطة أو قريبا من ذلك كان معه بحسسب ذلك وان كانت المحبة كاملة كان معه كذلك والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه اذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وان كانت موجودة وحب الشيء وارادته يستلزم بغض ضده وكراهته مع العلم بالتضاد ولهذا قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله والموادة من أعمال القلوب فان الايمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله وذلك يناقض موادة من حاد الله ورسوله وما ناقض الايمان بالله يستلزم العزم والعقاب لأجل
(1/155)
عدم الايمان فان ما ناقض الايمان كالشك والاعراض وردة القلب وبغض الله ورسوله يستلزم الذم والعقاب لكونه تضمن ترك المأمور مما أمر الله به رسوله فاستحق تاركه الذم والعقاب وأعظم الواجبات ايمان القلب فما ناقضه استلزم الذم والعقاب لتركه هذا الواجب بخلاف ما استحق الذم لكونه منهيا عنه كالفواحش والظلم فان هذا هو الذي يتكلم في الهم به وقصده اذا كان هذا لا يناقض أصل الايمان وان كان يناقض كماله بل نفس فعل الطاعات يتضمن ترك المعاصي ونفس ترك المعاصي يتضمن فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة تضمنت شيئين أحدهما نهيها عن الذنوب والثاني تضمنها ذكر الله وهو أكبر الأمرين فما فيها من ذكر الله أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر والبسط هذا موضع آخر والمقصود هنا أن المحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته ولهذا جاء في الحديث الذي في الترمذي من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان فانه اذا كان حبه لله وبغضه لله وهما عمل قلبه وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه دل على كمال محبته لله ودل ذلك على كمال الايمان وذلك أن كمال الايمان أن يكون الدين كله لله وذلك عبادة الله وحده لا شريك له والعبادة تتضمن كما الحب وكمال الذل والحب مبدأ جميع الحركات الارادية ولا بد لكل حي من حب وبغض فاذا كانت محبته لمن يحبه الله وبغضه لمن يبغضه الله دل ذلك على صحة الايمان في قلبه لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها الذي يظهر
(1/156)
في بذل المال الذي هو مادة النفس فاذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله دل على كمال الايمان باطنا وظاهرا وأصل الشرك في الشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا انما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كحب الله كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ومن كان حبه لله وبغضبه لله لا يحب الا الله ولا يبغض الا الله ولايعطي الا الله ولا يمنع الا الله فهذه حال السابقين من أولياء الله كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكثره مساءته ولا بد له منه فهؤلاء الذين أحبوا الله محبة كاملة تقربوا بما يحبه من النوافل بعد تقربهم بما يحبه من الفرائض أحبهم الله محبة كاملة حتى بلغوا ما بلغوه وصار أحدهم يدرك بالله ويتحرك بالله بحيث أن الله يحيب مسألته ويعذه مما استعاذ منه وقد ذم في كتابه من أحب أندادا من دونه قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم وذم من اتخذ الهه هواه وهو أن يتأله ما يهواه ويحبه وهذا قد يكون فعل القلب فقط وقد مدح تعالى وذم في كتابه في غير موضع على المحبة والارادة والبغض والسخط والفرح والغم ونحو
(1/157)
ذلك من أفعال القولب كقوله والذين آمنوا أشد حبا لله وقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقوله يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا وقوله ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وقوله وقوله واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون وقوله واذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا وقوله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم وقوله ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقوله وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم وقوله وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون وقوله ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط
أعمالهم وقوله وأذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايماناالآية وقوله والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقوله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وقال اذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين وقال ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون وقال ان الله لا يحب كل مختال فخور وقال وانا اذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وقال ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور الا الذين صبروا وعملوا الصالحات وقال وتحبون المال حبا جما وقال ان الانسان لربه لكنود وانه على ذلك لشهيد وانه لحب الخير لشديد وقال ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون وقال ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون
(1/158)
اعمال القلب وقال وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين وقال بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وقال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقال ومن شر حاسد اذا حسد وقال ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا وقال لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وقال ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم وقال اذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وقال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال فيطمع الذي في قلبه مرض وقال واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض وقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال قد جاءتكم موعظة من
ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ومثل هذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله واتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ما شاء الله من مساعي القلوب وأعمالها مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق عليه لا تباغضوا ولا تحاسدوا وقوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه وقوله مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وقوله لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من الايمان وقوله لا تسموا العنب الكرم وانما الكرم قلب المؤمن وأمثال هذا كثير
(1/159)
بل قول القلب وعمله هو الأصل مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ذلك ما يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة ومنه ما لا يقترن به ذلك الا مع الفعل بالجوارح الظاهرة اذا كانت مقدورة وأما ما ترك فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل فأقوال القلب وأفعاله ثلاثة أقسام أقسام أعمال القلب أحدهما ما هو حسنة وسيئة بنفسه وثانيها ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل وهو السيئة المقدورة كما تقدم وثالثها ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة وليس هو مع القدرة كالحسنة والسيئة المفعولة كما تقدم فالقسم الأول هو ما يتعلق بأصول الايمان من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فاذن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وان لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وانما عقابهم وكونهم في ا لدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وان كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وانما ذلك البغض دلالة كما قال تعالى ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول فأخبر أنهم لا بد أن يعرفوا في لحن القول
(1/160)
وأما القسم الثاني والثالث فمظنة الأفعال التي لا تنافي أصول الايمان مثل المعاصي الطبعية مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مات يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة وان زنا وان سرق وان شرب الخمر وكما شهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر وكان يجلده كلما جيء به فلعنه رجل فقال لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله وفي رواية قال بعضهم أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به في شرب الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة حديث النفس والوسوسة ولهذا قال ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به والعفو عن حديث النفس انما وقع لأمة محمد المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الايمان فأما ما نافى الايمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث لأنه اذا نافى الايمان لم يكن صاحبه من أمة محمد في الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله وهذا فرق بين يدل عليه الحديث وبه تألفت الأدلة الشرعيه وهذا كما عفا
(1/161)
الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة فمن صح ايمانه عفي له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ليس معه الايمان فان هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخظئه ونسيانه ولهذا جاء نية المؤمن خير من عمله هذا الأثر رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأمثال من مراسيل ثابت البناني وقد ذكره ابن القيم في النية من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضعفها فالله أعلم فان النية يثاب عليها المؤمن بمجردها وتجري مجرى العمل اذا لم يمنع من العمل بها الا العجز ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة وذلك لا يكون إلا قليلا ولهذا قال بعض السلف قوة المؤمن في قلبه وضعفه في بدنه وقوة المنافق في بدنه وضعفه في قلبه وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاءالآية وهذه الآية وان كان قد قال طائف من السلف انها منسوخة كما روى البخاري في صحيحه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمر أنها نسخت فالنسخ في لسان
(1/162)
السلف أعم مما هو في لسان المتأخرين يريدون به رفع الدلالة مطلقا وان كان تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو معروف في عرفهم وقد أنكر آخرون نسخها لعدم دليل ذلك وزعم قوم أن ذلك خبر والخبر لا ينسخ ورد آخرون بأن هذا خبر عن حكم شرعي كالخبر الذي بمعنى الأمر والنهي والقائلون بنسخها يجعلون الناسخ لها الآية التي بعدها وهي قوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها كما روى مسلم في صحيحه من حديث أنس في هذه الآية فيكون المرفوع عنهم ما فسرت به الأحاديث وهو ما هموا به وحدثوا به أنفسهم من الأمور المقدورة ما لم يتكلموا به أو يعملوا به ورفع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه كما روى ابن ماجه وغيره باسناد حسن ان الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اتستكرهوا عليه وحقيقة الأمر أن قوله سبحانه ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه لم يدل على المؤخذة بذلك بل دل على المحاسبة به ولا يلزم من كونه يحاسب أن يعاقب ولهذا قال فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا يستلزم أنه قد يغفر ويعذب بلا سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شيء أو يعذب على كل شيء مع العلم بأنه لا يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به الا مع التوبه ونحو ذلك
(1/163)
والأصل أن يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الايمان وما كان منافيا له ويفرق أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم يترك الا للعجز عنه فهذان الفرقان هما فصل في هذه المواضيع المشتبهة وقد ظهر بهذا التفصيل أن أصل النزاع في المسألة انما وقع لكونهم رأوا عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون الا اذا كان الفعل مقارنا للعزم وان كان العجز مقارنا للارادة الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الارادة الجازمة يوجد ما يقدر عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وان لم يوجد الفعل نفسه والانسان يجد من نفسه أن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه وارادته ومع العجز عنه يضعف ذلك الطمع وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله على السواء ولا عما يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه مثل بسط الوجه وتعبسه واقباله على الشيء والاعراض عنه وهذه وما يشبهها من أعمال الجوارح التي يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب عليها الحمد والثواب وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا لا يكون الا لعجز يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل في المستقبل عزما جازما ولا نزاع في اطلاق الألفاظ فان من الناس من يفرق بين العزم والقصد فيقول ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم ومنهم من يجعل الجميع سواء وقد تنازعوا هل تسمى ارادة الله لما يفعله في المستقبل فلا بد حين فعله من تجدد ارادة غير العزم المتقدم وهي الارادة المستلزمة لوجود الفعل مع القدرة وتنازعوا أيضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعي وقد ذكروا أيضا في ذلك قولان
(1/164)
والأظهر أن القدرة مع الداعي التام تستلزم وجود المقدور والارادة مع القدرة تستلزم وجود المراد والمتنازعون في هذه أراد أحدهم اثبات العقاب مطلقا على كل عزم على فعل مستقبل وان لم يقترن به فعل وأراد الآخر رفع العقاب مطلقا عن كل ما في النفس من الارادات الجازمة ونحوها مع ظن الاثنين أن ذلك الواحد لم يظهر بقول ولا عمل وكل من هذين انحراف عن الوسط فاذا عرف أن الارادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة الا لعجز يجري صاحبها مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب وأما اذا تخلف عنها ما يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون مرادا ارادة جازمة بل هو الهم الذي وقع العفو عنه وبه ائتلفت النصوص والأصول ثم هنا مسائل كثيرةفيما يجتمع في القلب من الارادات المتعارضة كالاعتقادات المتعارضة وارادة الشيء وضدة مثل شهوة النفس للمعصية وبغض القلب لها ومثل حديث النفس الذي يتضمن الكفر اذا قارنه بعض ذلك والتعوذ منه كما شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه فقالوا ان أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء الىالأرض أحب اليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه فقالو نعم قال ذلك صريح الإيمان رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وفيه الحمد لله الذي رد كيده الى الوسوسة
(1/165)
وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فان له موارد واسعة فهنا لما اقترن بالوسواس هذا البغض وهذه الكراهة كان هو صريح الايمان وهو خالصة ومحضه لأن المنافق الكافر لا يجد هذا البغض وهذه الكراهة مع الوسوسة بذلك بل إن كان في الكفر البسيط وهو الاعراض عما جاء به الرسول وترك الايمان به وإن لم يعتقد تكذيبه فهذا قد لا يوسوس له الشيطان بذلك اذ الوسوسة بالمعارض المنافي للايمان انما يحتاج اليها عند وجود مقتضيه فاذا لم يكن معه ما يتقضي الايمان لم يحتج الى معارض يدفعه وان كان في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق الوسوسة وليس معه ايمان يكره به ذلك ولهذا لما كانت هذه الوسوسسة عارضة لعامة المؤمنين كما قال تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا وممايوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله الآيات فضرب الله المثل لما ينزله من الايمان والقرآن بالماء الذي ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب كالأودية منها الكبير ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وشربوا وكانت منها طائفة انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به فهذا أحد المثلين
(1/166)
والمثل الآخر ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه وأخبر أن السيل يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار زبد مثله ثم قال كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبدالرابي على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في العقائد والارادات الفاسدة كما شكاه الصحابة الى النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى فيذهب جفاء يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو مثل ما ثبت في القلوب من اليقين والايمان كما قال تعالى ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبةالآية الى قوله يثبت الله الذين آمنوابالقول الثابت في الحياة الدينا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد ايمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحا وبرا وتقوى وأما المنافق فأذا وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها فانه قد وجدت منه سيئة الكفر من غير حسنة ايمانية تدفعها أو تنفيها والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق فتارة يغلب هذا وتارة يغلب هذا
(1/167)
وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها كما في بعض ألفاظه في الصحيح هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين دون من كان مسلما في الظاهر وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في المتظاهرين بالاسلام قديما وحديثا وهم في هذه الأزمان المتأخرة في بعض الأماكن أكثر منهم في حال ظهور الايمان في أول الأمر فمن أظهر الإيمانوكان صادقا مجتنبا ما يضاده أو يضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به دون ما ليس كذلك كما دل عليه لفظ الحديث فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب على أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث وكذلك قوله من هم بحسنة و من هم بسيئة انما هو في المؤمن الذي يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما فعلها وربما تركها لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف الى أضعاف كثيرة وهذا انما هو لمن يفعل الحسنات لله كما قال تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله و ابتغاء مرضاة الله وابتغاء وجه ربه وهذا للمؤمنين فان الكافر وان كان الله يطعمه بحسناته في الدنيا وقد يخفف عنه بها في الآخرة كما خفف عن أبي طالب لاحسانه الى النبي صلى الله عليه وسلم وبشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا التضعيف وقد جاء ذلك مقيدا في حديث آخر أنه في المسلم الذي هو حسن الاسلام والله سبحانه أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
(1/168)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق