الأربعاء، 18 يوليو 2018

صراع الحق والباطل

منقول .......
يمكننا أن نصوغ العلة الأساسية الأولية في الفكرة التالية: « إن الحق والباطل، إن أعطيا فرصاً متكافئة، فسينجح الباطل وينهزم الحق ».


تأمل جيداً هذه الفكرة، إنها مهمة جداً جداً، إنها تصوّر الحق ضعيفاً منهزماً، لا ينجح أمام الباطل مع تكافؤ الفرص، بل ينهزم ويزهق ويفر من الميدان بحيث لا يبدئ ولا يعيد.

هل علاقة الحق بالباطل على هذه الشاكلة؟ هل الحق ضعيف أمام الباطل إلى هذه الدرجة؟ هل تؤيد قوانين التاريخ الأرضي السنني هذه الفكرة؟ هل هي مؤيدة بكلمات القرآن؟ هل الحق في القرآن ضعيف ومهمّش إلى هذه الدرجة؟ هل يمكن أن نقرأ القرآن على هذه الشاكلة: «وقل جاء الباطل وزهق الحق، إن الحق كان زهوقاً»؟؟ هل يمكن أن نقرأ أيضاً: «وقل جاء الباطل، وما يبدئ الحق وما يعيد»؟؟
الأمر يا صاحبي ليس هكذا، لكنه:
بل نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) الأنبياء: 21/18، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الإسراء: 17/81،


(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ، قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) سبأ: 34/48-49.


لقد وعد القرآن رسله بالنصر فقال: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ) غافر: 40/51.

ولكن ما قصة الحق في العالم؟ ما القانون الذي يحكم التاريخ؟

يمكننا أن نقول: إن القرآن يصرُّ على غلبة الحق، مع أن الواقع الأرضي تعيس، ومع أن رؤية انتصار الحق فيه أشد خفاءً، وهذا ما يجعلنا نظن أن الحق هو المنهزم خلال التاريخ، ويجعل النظرة العجلى متشائمة ومثقلة بالإحباط، وهذا ما جعل نيتشه لا يرى في التاريخ إلا عداوات دنيئة، ومفاهيم منحطة تفرض بالإكراه لأحقر الغايات وأغرق الأكاذيب، وهذا الذي جعل توينبي يتشكك في إمكانية نجاة الحضارات أمام التحديات الروحية التي تواجهها، ولكنني أنظر إلى التاريخ بغير هذا النظر المحدود بأزمنة قصيرة ومنقطعة ومشتتة ومبعثرة.

إن عمرنا قصير، ولا يمكن أن نرى خلاله النمو التاريخي، ولكن التاريخ يقدم لنا مسيرة البشرية كلها، ويرينا أن الناس الذين كانوا يأكلون لحوم البشر ويقدمون القرابين البشرية؛ قد تقدموا فكرياً، بل إن الفرق كبير والتقدم والتطور عظيم، ولم يعد الناس يقتلون الإنسان لأجل أفكاره.

ألا لا يختلط الأمر عليك، فمحاكمة إنسان، والحكم عليه بالإعدام لأجل أفكاره، لم يعد مقبولاً في العالم، اللهم إلا في العالم الإسلامي، فهم لا يزالون مستعدين لشن حروب من هذا القبيل، ولكنهم ينكرون علناً محاكمة الإنسان وقتله من أجل أفكاره، وإن كانوا يرضون به سراً، وفي قلوبهم.

سيتعلم الناس من التاريخ، والتاريخ يعلمهم بأسلوبه الخاص، وبالثمن الذي يطالبهم به عن عدم الاستفادة منه.

ينبغي أَلا نترك الموضوع، موضوع الهزيمة الفكرية، وظن أن الحق والباطل إذا أعطيا فرصاً متكافئة فسيهزم الحق، هذا الظن ظن سيء بالله والحق والإنسان، وتصور الوجود بهذا الشكل هو من أخطر الأفكار التي تنشر الفساد في الأرض وسفك الدماء، وهو الهزيمة الأولى والكبرى، ومصدر كل الشرور والالتباسات، والعلاقة بين العنف والفكر علاقة عكسية، فكلما زاد الفكر وتنور، كلما شعر الإنسان بعد جدوى العنف، وآمن بضرورة استبعاده، وكلما كان الإنسان يائساً من أفكاره، وشاعراً بأنها لن تقبل إذا خلي بين الناس وبين الأفكار، وأعطيت لهم حرية الاختيار، كلما زاد إيمانه بضرورة استخدام القوة الجسمية والعنف.

إنهم يائسون من إمكان نجاح أفكارهم بدون قوة، ويرون أن الحق بدون قوة هو مجرد خرافة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق