السبت، 18 أغسطس 2018

كتاب طبقات المعنى في اللغة العربية للأ.ستاذ عبدالله كمال أبو العلا


طبقات المعنى في اللغة العربية /منقولة من موقع الألوكة

قال الكاتب للموضوع بالألوكة: للأ.ستاذ  عبدالله كمال أبو العلا   

هناك علاقة مباشرة بين اللفظ والشيء الذي يرتبط به ويدل عليه، وهي علاقة عرفية؛ لاختلاف الألسنة، ومدلوله هو ما يدرك ذهنيا من ظاهر اللفظ.



والدلالة بوصفها المعنى أو المعاني التي يُعنَى المتكلم بإيصالها للسامع أو المتلقي، فلا تخلو بيئة لغوية من وجودها منذ أنْ وَعَى ابن آدم ذلك، وقد علَّمه الله عز وجل البيان، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [سورة الرحمن: 1- 4]، وإلا فما غاية الكلام إذًا؟



ومن ثَمَّ ينبغي أن نُفرق بين الدلالة المصاحبة للصيغة أو المفردة - التي يعرفها أبناء اللغة الواحدة بأنَّها الدلالة المعجمية أو دلالة المفردة الواحدة - وبين الدلالة بوصفها عِلْمًا له مناهجه، وأُفْرِدَتْ له دراساتٌ ومؤلفات قديما وحديثا، ولكل لفظ من الألفاظ - بنيةً معجمية كانت أو صيغة - دلالة (مركزية)[1]، وهي القدر المشترك من المعنى الذي يتفق حوله جميع الناس.



والذي دُوِّنَ في المعجم يطلق عليه المعنى المعجمي، وله بجانب ذلك دلالة أو دلالات هامشية تبعا للسياق، فيُجمَع بين الدلالتين، ولا تُلغي إحدى الدلالتين الأخرى، أو تفرغها من محتواها، وتختلف الدلالات باختلاف الأفراد والثقافات والعصور؛ ومن ثمَّ فالأديب لا يتقيد باستعمال الدلالات الأصلية للألفاظ أو التراكيب، وإنما يتجاوزها، موسعا المجال لخيالاته ورؤاه، إذ يدرك الأشياء من خلال إحساسه بها.[2]



يمكن للصيغة أن تتقلب بين دلالتين: مركزية وإيحائية، وهو أمر قلَّ أن توصف به التراكيب النحوية في عمومها؛ لأن الصيغة لها معنى معجمي ثابت مستقر داخل المعجم بالعرف اللغوي باستثناء التغييرات التي تطرأ على البنية، فقد يؤدي التغير في بنية الكلمة إلى تغيير المعنى الدلالي الذي تؤديه هذه الكلمة، وينضاف إليها المعنى الزائد (الدلالة الهامشية أو الإيحائية) وذلك إذا وضعتْ في سياقات جديدة، فكل سياق جديد توضع فيه يصحبها ظلال من المعانى مختلفة تبعا لسياقها.



والأمر بالنسبة للتركيب مختلف، فليس هناك تركيب ذو دلالة ثابتة أو مستقرة؛ لأن تركيبًا ما دون سياق لا يتصور أن يستعمل، إذا استثنينا الأمثال؛ نظرًا لاعتمادها على السياق المشترك بين المورد والمضرب.



وإن كان للدكتور أحمد جمال الدين رأى، وهو أنَّ هناك دلالة مشتركة بين كل الأشكال التركيبية، المتشابهة نحوًا، وأطلق عليها الدلالة السطحية العامة التي تسمى بالدلالة الأساسية أو الأصلية بوصفها تُوَلَّدُ ابتداءً مع الشكل الأصلي للتركيب قبل أن يعتريه أيّ تغيير أو عدول عن أصل تركيبه، وتُسْتَصحَب مع سائر التنوعات التركيبية لأصل التركيب بوصفها دلالة أساسية.[3]



وهناك معان ثابتة وأخرى متحركة[4]، وهو ما يؤكده الدكتور أحمد جمال الدين من أنًّ الدلالة العميقة هي تلك الدلالة الإضافية الناشئة عن بناء التركيب على غير أصله - في الغالب - وهي دلالة لا تمدنا بها المفردات المعجمية، وإنما تمدنا بها طبيعة التفاعل النحوي بين عناصر التركيب المعدول به عن الأصل[5].



ويمكننا القول في غضون ذلك: إنِّ الدلالة تتعرض - تبعًا لتعرضها لسياقات المقال والمقام - لنوع من الفتور أو القوة، فالنص في البيئة اللغوية المصحوبة بسياق ما، ينتج دلالة قوية أطلقتُ عليها (دلالةً كثيفةً)، ولا أعني بالكثافة: الغلظة والثقل[6]، وإنما أردت بها تلك الدلالة المتراكبة طبقاتٍ بعضُها فوق بعض تبعًا لإمداد عنصر السياق لها بما يؤهلها؛ فتَنتُج عنه الدلالاتُ المتعددة، فإنْ فَقَدَتْ الروافدَ السياقية اقتصرت على معانيها السطحية، ودلالتها الأولية، وهو ما يعرف بالمعنى الحَرْفِيّ.



وهناك تصور لعلماء الدلالة أنه حين تُدْرَسُ اللغة من خلال النصوص بسياقاتها نلحظ جانبا دلاليا كثيفًا، وإذا دُرِسَتْ بمعزل عنها أصابها الفتور والضعف؛ لأننا حين نفعل ذلك نكون قد فرَّغنا اللغة بكل مستوياتها - ولا سيما النحو - من المضمون الحقيقي الذي أريد لها. وربما عبروا عن ذلك بقولهم: تضييق الدلالة وتوسيعها تبعًا للسياق.



فعلى مستوى البنية المفردة أو الصيغة لا يُستغني عن هذه الملابسات لِتستبين الصيغة أو المفردة اللغوية معالمها الدلالية، ومن ثمّ نلحظها آخذة في الترقي أو الدنوّ، وهو التعبير عن صعودها وهبوطها، فبعض الألفاظ: كالصلاة والحج والصوم التي صُبِغَتْ بصبغة شرعية تغيرت دلالتها؛ لوجود مناخ جديد.



وتشير الدكتورة صباح بنت عمر[7] إلى "أنَّ التغيُّر الدلالي ظاهرة طبيعيَّة، يمكن رصدُها بوعي لغوي لحركيَّة النظام اللغوي المرنِ، ففي حركيَّة اللغة الدَّائبة، قد تتخلَّف الدلالة الأساسيَّة للكلمة، فاسحة مًكانها لدلالة سياقيَّة أو لقيمة تٍعبْيريَّة أو أسلوبيَّة، وبذلك تصير الكلمِة ذات مَفهوم أساسي جديد، قد يحدث أن ينَزاح هذا المفهوم بدورْهِ ليحلَّ مكانه مفهوم آخرَ، وهكذا يستمرُّ التَّطوُّر الدلالي في حركة لا متناهية تتميَّز بالبطءْ والخفاء"[8].



ولا يخفى أن هذا القول قد تناول حركة التطور الدلالي من الزاوية المعجمية لا غيرُ، ثم حكم عليها بأنها حركة لا متناهية تتميز بالبطء والخفاء. وهو كلام فيه نظر؛ لأن الألفاظ التي استُدِّل بها كالصلاة، والحج، والجارية، ورجُل... إلى غير هذه الألفاظ، بعضها يقع عليها سنة البطء والخفاء ككلمة (رَجُل)، وبعضها تطورتْ بمجرد أن كسيت ثوب الشرع كالحج، والزكاة، والصلاة؛ فقد تغير معناها من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي، وهو في حد ذاته يُعَدُّ تغيرًا دلاليًا، والذي عليه مدار القول هنا أنها تطورت سريعًا، وتنوعت في معناها حينما انتقلت من بيئة لغوية عرفية إلى بيئة أخرى ذات سياق مختلف.



ومما يُستدل به على أنواع المعني ووجود أكثر من دلالة في التركيب، قولِه تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: 30]، فأولى المراتب في تذكير الفعل وتأنيثه أنَّه يجوز الأمران: التذكير والتأنيث، فمن أَنَّثَ فعلى معني الجماعة، والتذكير على إرادة الجمع، ولا اعتبار بتأنيث واحده أو تذكيره[9]. وثانية هذه المراتب: أنَّ تذكير الفعل - في الآية - للقلة؛ حيث إن امرأة العزيز أرسلتْ إلى النسوة اللاتي صوبْنَ اللوم إليها وهُنَّ قِلَّة، فليس كل النساء أُرْسِلَ إليهنَّ كي تستل منهنَّ المعذرة فيما فعلتْ بيوسف عز وجل.[10]



وأرى أنَّ هناك درجة ثالثة في تعدد الدلالة وطبقاتها، مبعثها سياق القصة القرآنية ليوسف عز وجل ذلك أنَّ النسوة ما كان ينبغي لهنَّ أن يَخُضْنَ بكلامهنَّ في شأن مراودة المرأة يوسفَ الصدّيق عز وجل وهو أمر يدعو - في الأصل - إلى الحياء وتجنب الخوض فيه، ولكنَّهنَّ فَعَلْنَه على ما فيه من جرأة فما أغناهنَّ عن ذلك! فلئن وُجِدَ ما يدعو إلى الكلام فيه - رغم حرمته - إنَّ الرجال يكونون أولى بهذا الفعل على لومٍ يلحقهم، فهو في حق النسوة أشدُّ لومًا.



وفي قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 14]، حيث لحقت الفعل (قالتْ) علامة التأنيث - وهو أمر جائز يستوي فيه التذكير والتأنيث - لأمور دلالية منها، أولا: أنه أراد بالتأنيث هنا الكثرة ولا يراد بهذه الكثرة العموم كما قد صرَّح به قتادة[11]؛ وثانيها: أنهم - لمَّا استنفروا إلى الحديبية تخلفوا[12] - خافوا على أموالهم وأولادهم وأزواجهم وذرياتهم، وخافوا أن يُعيِّرهم العربُ إذا ما تركوا ديارهم وذويهم، فلمَّا اشتدّ حرصهم ورضوا بالحياة الدنيا وخلدوا إلى ملذَّاتها، تحدثت عنهم الآية الكريمة -في ضوء السياق القرآني - بتأنيث الفعل (قالتْ)؛ إذ لم تكن لديهم الشجاعة الكافية- وهم مسلمون -ولم يهاجروا وقد حرصوا على كثير ممَّا تحرص عليه النساء، ولزمهم التَّهَيُّبُ وليس خوض المخاطر في سبيل الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان الأليق بحالهم هذا أن يُؤَنَّثَ الفعل عند حديث القرآن عنهم.



فقد ذكر الألوسي في روح المعاني أنَّ إلحاق الفعل علامة التأنيث؛ لشيوع اعتبار التأنيث في الجموع حتى قيل[13]: [من الخفيف]

لا تبالي بجمعهم http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
كلُّ جمعٍ مؤنثُ http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



والنكتة في اعتباره ههنا الإشارة على قلة عقولهم على عكس ما روعي في قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 30][14]. والله تعالى أعلم.



ومن أنواع المعنى وتعدد طبقاته بنيةً وصيغةً في السنة النبوية المطهرة قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحَها لتوجد من مسيرة كذا وكذا"[15].



حيث جاءت صفات النساء بصيغة اسم الفاعل في (كاسيات عاريات) وله عدة دلالات، أولا: أنه يدل على دوام فعلهنَّ وأن هذا دأبهن وحالهن في تلك الهيئة السافرة المتكشفة، ثانيًا: أن فعلهن الاكتساء لم يُرْغَمْنَ عليه بل كان منهن طواعيةً، فإذ لم يكن باختيارهن ما استحققن عقابًا ووعيدًا، وقد لعب السياق النبوي دورًا في أنْ تظلَّ صيغة (كاسيات) في معنى اسم الفاعل وهو معناها الأصلي؛ لأنَّ كاسيات وردت في الشعر بصيغة اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، من ذلك قول الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر: [من البسيط]

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
واقعدْ فإنّك أنت الطاعمُ الكاسي http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



فاسم الفاعل (الكاسي) في بيت الحطيئة بمعنى اسم المفعول أي: المكسوّ، والذي أعان على بقاء صيغة (كاسيات) الواردة في الحديث النبوي بمعناها الأصلي دون تناوب هو ورودها في سياق الإصرار على الذنب من جانب النساء حين اخترن - بإرادتهن - ألا يكتسين الكسوة الكاملة؛ فصِرْنَ بهذه الحال التي عَبَّرَ عنها الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم:عاريات. وثالثًا: أنَّ مجيءَ: (كاسيات عاريات) نمطا مركبا من كلمتين، يؤكد ما ذهب إليه شرَّاح الحديث من أن الاكتساءَ لم يكن كامِلا وهو المعنى المراد من كلامه صلى الله عليه وسلم، فتحصَّلَ المعنى بضم إحداهن إلى الأخرى، وإلا حلَّ التناقض بانفراد كل واحدة بمعناها حيث يصير الكلام غير مفيد عندئذ.



وكذا القول في (مميلات مائلات) الواردة في الحديث، فأول معانيها الدلالية هو الاعوجاج الحسي المادي الذي تشهده العين، فلا استقامة في أجسادهن سواء في هيئة رؤوسهن أو في مِشيتهن، وهذا المعنى الأَوَلِيَ مستفاد من السياق اللغوي الوارد في الجملة بعده حين قال صلى الله عليه وسلم: رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، والبخت (أي: النوق، ومفردها الناقة أنثى الجمل). وثاني معانيها الدلالية: وهو الإغراء والإغواء، فهن يَقُمْنَ بإغراء الرجال بالتمايل في هيئتهن حركةً وسكونًا وهذا هو معنى: (مائلات)، ونتيجة لذلك يقع الرجال المغوَون في حبائلهن فتكون النساء في تلك الحال قد قمن بالغواية وهذا هو معنى: (مميلات). والله أعلم.

تُنشر بالتعاون مع مجلة (أعاريب)

المصدر: مجلة أعاريب - العدد الثالث - جمادى الأولى 1435ه / مارس 2014م
...................................
















 -----------
روابط متعلقة من موقع الألوكة

  1. علاقة المعنى بالإعراب
  2. صدرحديثاً: (المبنى والمعنى في الآيات المتشابهات في القرآن الكريم )لـ د.عبدالمجيد ياسين
  3. صدر حديثاً كتاب (تعدد المعنى في النص القرآني) لإيهاب سعيد النجمي
  4. المناسبة بين اللفظ والمعنى
  5. اللفظ العام .. من خصائص العربية في مدلولات ألفاظها
  6. الدلالة الصوتية في اللغة

-----------------------------------

  1. مخطوطة طبقات المفسرين (طبقات من فسر القرآن العظيم ومن وصف بمعرفة تفسيره)
  2. القسم بركوب طبق عن طبق (2)
  3. الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة
  4. الحديث الغريب: تعريفه وأقسامه
  5. كتاب بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (ت 911هـ / 1505م)
  6. طبقات قرائيي مصر (1) مبادرة موسوعة سوهاج للقرائية
  7. مخطوطة طبقات الشافعية الكبرى (الجزء الثالث)
  8. مخطوطة طبقات الشافعية الوسطى (الجزء الثاني)
  9. مخطوطة طبقات الفقهاء (النسخة 4)
  10. مخطوطة طبقات الشافعية (الجزء الأول) (النسخة 3)

------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق