الخميس، 26 يوليو 2018

** وتوبوا إلى الله جميعاً + كتاب التوبة حقيقتها وثمارها دار ابن خزيمة

التوبة

الرابط من موقع الألوكة مع تنسيق وضم معلومات أكثر للموضوع
وتوبوا إلى الله جميعاً
لا ينكر مسلمٌ أن وظيفتنا الأولى التي خُلقنا من أجلها هي العبادةُ؛ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، والعبادةُ: هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ أفعال الخير كما عرَّفها ابنُ تيمية، وبالتالي فهي تنقسم إلى شقَّين أساسين: فعل الخير، وترك المنكر.
ولمَّا كان الإنسانُ بموجب شهواته وغَلَبة هواه عليه يُخطئ أحيانًا؛ فيقصِّر في فعل الخير، أو يفعل المنكرَ؛ شرع اللهُ له التوبةَ ليجبرَ الكسورَ في عظام عبادته، وليست التوبةُ فقط لمن فعل المعاصي؛ بل هي واجبةٌ أيضًا لمن قصَّر في الطاعات. فالتوبةُ في أساسها محضُ فضلٍ ومِنَّة من الله على عباده المذنبين؛ حيث فتح لهم بابَ رحمته ليعودوا إلى كنف عبادتِه مستقيمين كما يقتضيهم رضا الله.
ولذلك كانت التوبةُ هي نداءَ الله وأمره إلى عباده المؤمنين في القرآن: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، فكلٌّ مُعرَّض للمرضِ؛ ولذا كلٌّ عليه أن يَستقي الدواءَ لتعود إليه عافيةُ قلبِه وروحِه.
والتوبةُ ضرورة اجتماعية، فأنت بتأخيرك توبتك تؤخِّر الخيرَ عن أهلِك وقومِك، وإن شئتَ فراجع قصةَ عاصي بني إسرائيل الذي كان يُبارز اللهَ بالمعاصي، ولما أُصيب بنو إسرائيل بالجفاف وفيهم هذا العاصي مُنعوا القطرَ بسببه، فلمَّا تاب نزل الغيثُ والخير من السماء، فانظر في نفسك، كم من الخير يتأخَّرُ عن أهلك وأمَّتك بسببِ ذنبِك وتسويفك للتوبة؟!
ثم إن التسويف في التوبة ليس من العقل في شيء، ولك مَثَلٌ ساقه ابن القيِّم ليوضِّح لك شرَّ التسويف: "إن أكثر أهل النار من المسوِّفين كرجلٍ احتاج إلى قلع شجرةٍ فرآها قويَّةً لا تنقلع إلا بمشقَّة شديدة، فقال: أؤخِّرها سنةً ثم أعودُ إليها، وهو لا يعلمُ أن الشجرة كلَّما بقيَت ازداد رسوخُها، وهو كلَّما طال عمرُه ازداد ضعفُه".
فالبدارَ البدار بالتوبة، ولا تنتظر أن يأتيك الغد لتتوب، فلعلك تنامُ ولا تقوم إلا على حساب الملَكين في قبرك، ووقتها تعَضُّ أصابع الندم، وهيهات ينفع الندم.
ابحث عن أعمالِك، وفتِّش في سجلاتك، ابحث عن تلك المعاصي التي ارتكبتَها بقلبك أو بلسانك أو بجوارحك، ابحث عن تلك الطاعات التي قصَّرتَ فيها وأخَّرتها، ابحث عن كلِّ هذا واستشعر قربَ الموت منك، ثم ابدأ في أولِ أعمال التوبة، وهو الإقلاعُ عن الذَّنب، انظر إلى أيِّ ذنب ما زلتَ تفعله واترُكه فورًا، واقطع علاقاتك به أو بأسبابِه، ثم ارجع إلى سجلاَّتك المليئة بالتقصير والمعصية، واقرأها بقلبٍ يعتصره الندمُ، وعينٍ تصارعها المدامعُ، وجوارحَ يكتنفها الوَجَل والحياء ممَّا أسرفت في جنب الله، وتكون بذلك خَطوت الخطوةَ الثانية في سُلَّم التوبة وهي (الندم)، ثم استجمع قوى إرادتك وعزيمتك لتقرِّر قرارًا لا رجعة فيه ألاَّ تعود إلى تلك الذنوب أبدًا، اتَّخذ هذا القرارَ واثقًا بعون الله وتوفيقِه لك أن يصرفك عن هذا الذنب ويصرفه عنك، استبدِل الذي هو خيرٌ بالذي هو أدنى، فقرارُك عدمَ العودة إلى الذنب هو بمثابةِ إعلان تحرُّرٍ من سلطة الشيطان اللعين الذي يترصَّد لك كلَّ السبلِ لترجع إلى الذنب وتداومَ عليه وتزيد عليه ذنبًا آخر، وهكذا حتى تهلكَ وترافقه في النار التي كُتبَت عليه، فلماذا تجيبه وهو هالكٌ يريد إهلاكك معه، ولا تجيبُ اللهَ الذي يناديك بالتوبة وهو الغنيُّ عنك وعن توبتك؟!
ألم تسمع لإخبار الله في قرآنه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]؟ فكيف لا تتعرَّض لمحبته بتوبتك التي هي تطهيرُ قلبك وروحِك من المعاصي وأدران السيِّئات كما التطهر هو نظافةُ جسدك من الأدران اللاَّحقة به؟ إن التوبة ترشِّحك وبقوَّة لأن تكونَ ممن شملهم حبُّ الله.
واحذر - هداك اللهُ - أن تكون توبتُك سلبيَّةً منزوعةَ النشاط والهمَّة، فهذا شرُّ ما يُبتلى به المؤمن، فإنَّ توبةً تنحصر في المشاعر دون أن تتمثَّل في السلوك؛ كأن يغتم صاحبُها بالذنب، ولا يترك المعصيةَ، ولا يسعى إلى الطاعات - هي توبةٌ لا خير فيها.
ومن الموقع السابق ايضا :
حديث:
يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)).
تخريج الحديث وتحقيقه:
صحيح من حديث الأغر رضي الله عنه وهو المحفوظ مطلقاً، والحديث أخرجه أحمد (4/ 260)، وصححه الألباني رحمه الله في ((الصحيحة)) (3/ 435) برقم (1452).وهو شاذ من حديث أبي موسى رضي الله عنه،
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس؛ فقال: ((ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة)). أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (2/ 43)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (441)، وفي ((الكبرى)) (10275)، وابن أبي شيبة (10/ 298)، (13/ 462)، وعبد بن حميد (588)، والطبراني في ((الأوسط)) (3749)، وفي ((الدعاء)) (1809)، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (4/ 174، 175)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (1/ 60)، وفي ((تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين عالياً)) (33)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) (28/ 355)، والروياني (517)، وابن جميع في ((معجم شيوخه)) (2/70)، كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين ثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي موسى قال:... فذكره. قلت صاحب المقال: تابع أبا نعيم على إسناده: وكيع بن الجراح ثنا المغيرة به مرفوعاً.أخرجه أحمد (4/ 410)، وابن ماجه (3816)، والبزار(3123)، إلا أن وكيعاً خالف أبا نعيم في متنه. ففي رواية أحمد: ((إني لأتوب إلى الله عز وجل في كل يوم مائة مرة)).
وفي رواية ابن ماجه: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة)).فمرة قال: مائة، ومرة قال: سبعين ولم يقيده بالصباح، فيستغرق سائر اليوم.
وقد تابع المغيرة عليه: أبو إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)).
أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (440)، وفي ((الكبرى)) (10274)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (4/ 289)، والطبراني في((الدعاء)) (1810، 1811)، والحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (114- 115) والبيهقي في ((الشعب)) (6789)، والخطيب في ((المتفق والمفترق)) (1491).
فوافق أبو إسحاق المغيرة في الإسناد وخالفه في المتن فلم يقيده بالصباح بل أطلقه في سائر اليوم.
وقد خالف المغيرة وأبا إسحاق:
عمرو بن مرة وثابت البناني وحميد بن هلال وزياد بن المنذر، فقالوا: عن أبي بردة عن الأغر المزني، بدل أبي موسى ولم يقيدوه بالصباح بل أطلقوا الاستغفار في سائر اليوم.
1- أما رواية عمرو بن مرة:
فأخرجها مسلم (24/ 2702- 4/ 2075)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (621)، وفي ((التاريخ الكبير)) (2/ 43)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (445، 446)، وابن حبان (3/ 209/ 929- إحسان)، وأحمد (4/ 211، 260)، وفي ((الزهد)) (ص50)، وابن أبي شيبة (10/ 298)، (13/ 461)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) (1/ 50، 51)، والطبراني في ((الكبير)) (1/ 279، 882، 883، 884)، وفي ((الدعاء)) (1826ـ 1829)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (1/ 349)، وفي ((المعرفة)) (1044)، وعبد بن حميد (363)، وابن سعد في ((الطبقات)) (6/ 49)، والطحاوي في((شرح المعاني)) (4/ 289)، الخطيب في ((تاريخه)) (5/ 220)، والبغوي في ((شرح السنة)) (1288)، وفي ((تفسيره)) (4/ 195)، وابن عساكر في ((التوبة)) (6)، والبيهقي في ((الشعب)) (5/ 380، 7022)، وفي ((الدعوات الكبير)) (138)، وفي ((الآداب)) (1165)، وفي ((الأربعون الصغرى)) (8).
من طرق عن عمرو بن مرة عن أبي بردة قال: سمعت الأغر - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يحدث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة)).
وقد وقع في بعض طرقه عن شعبة: عن ابن عمر، وهماً من بعض الرواة.
أخرجه النسائي (447)، والطيالسي (1202)، ومن طريقه: البيهقي في ((الشعب)) (5/ 380، 7022).
فقد رواه عبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ وحفص بن عمر الحوضي وحجاج بن منهال وآدم بن أبي إياس ووهب بن جرير بن حازم وأبو الوليد هشام بن عبد الملك وأبو النضر هاشم بن القاسم وغندر - من رواية ابن أبي شيبة عنه - وأبو داود الطيالسي - من رواية ابن المثني عنه - كلهم عن شعبة عن عمرو عن أبي بردة عن الأغر به. ولم يقولوا: عن ابن عمر، وإنما وهم في هذه الزيادة: أحمد بن عبد الله ابن الحكم فرواه عن غندر عن شعبة به وزادها وكذا يونس بن حبيب فرواه عن أبي داود الطيالسي عن شعبة به وزادها.
وقد تابع شعبة على جعله من مسند الأغر: مسعر وأبو خالد الدالاني وزيد بن أبي أنيسة: رووه عن عمرو عن أبي بردة عن الأغر به. 2- وأما رواية ثابت البناني:
فأخرجها مسلم (41/ 2702- 4/ 2075)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (2/ 43)، وأبو داود (1515)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (442، 443)، وفي ((الكبرى)) (10276، 10277)، وابن حبان (3/ 211، 931- إحسان)، والحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (115)، وأحمد(4/ 211، 260)، والحسين المروذي في ((زيادات الزهد)) لابن المبارك (1140)، وعبد بن حميد (364)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2/ 356/ 1127)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) (1/51)، والطبراني في ((الكبير)) (1/ 280/ 888، 889)، وفي ((الدعاء)) (1833، 1834)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (1/ 349)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (7/ 52)، وفي ((الشعب)) (1/ 438/ 640)، (5/ 380/ 7023)، وفي ((الآداب)) (116)، والخطيب في ((التاريخ)) (8/ 23)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) (1/ 259ـ 260)، والذهبي في ((السير)) (13/ 219)، وابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (168)، وأبو أحمد الجوهري في ((حديث أبي الفضل الزهري)) (221)، والبغوي في ((شرح السنة)) (1287)، وفي ((تفسيره)) (5/ 158)، وأبو عوانة في ((الدعوات)) كما في ((إتحاف المهرة)) (1/ 384) من طرق عن ثابت البناني عن أبي بردة عن الأغر المزني - وكانت له صحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليغان على قلبي؛ وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)). وقد أبهم اسم الأغر في بعض طرق الحديث، وقد جزم الحافظ في ((التقريب)) (1336) أنه الأغر.
3- وأما رواية حميد بن هلال:
فأخرجها النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (444)، وفي ((الكبرى)) (10278)، وأحمد (4/ 261)، (5/ 411)، والحسين المروذي في ((زيادات الزهد)) لابن المبارك (1136)، وابن أبي شيبة (10/ 299)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2/ 356/ 1127)، والطبراني في ((الكبير)) (1/ 279/ 885، 886)، وفي ((الدعاء)) (1831، 1832)، والحسين بن الحسن المروذي في ((زوائد الزهد)) لابن المبارك (1136) من طرق عن حميد بن هلال قال: حدثني أبو بردة قال: جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه)).
وقد رواه يونس بن عبيد [وهو ثقة ثبت ((التقريب)) (1099)] عن حميد بن هلال عن أبي بردة عن الأغر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليغان على قلبي حتى أني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)). أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (887)، وفي ((الدعاء)) (1830) بإسناد صحيح.
فدلت رواية يونس بن عبيد علي أن الصحابي المبهم هو الأغر، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن الرواية الأولى التي أبهم فيها الصحابي؛ فقال أبو حاتم: يقال إن هذا الرجل هو الأغر المزني وله صحبة [((علل الحديث)) (1904)]، وقد جزم بذلك ابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (256).
4- وأما رواية زياد بن المنذر:
فأخرجها الطحاوي في ((شرح المعاني)) (4/ 289)، والطبراني في ((الدعاء)) (1835)، وابن عدي في ((الكامل)) (3/ 189) من طريق زياد بن المنذر عن أبي بردة عن الأغر المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)).
إلا أنه لا يعتبر بهذا الطريق؛ فإن زياد بن المنذر أبا الجارود الأعمى: متروك، كذبه ابن معين. ((التهذيب)) (3/ 205).
فهؤلاء ثلاثة من الثقات وهم (عمرو بن مرة وثابت البناني وحميد بن هلال) أتوا بالحديث على وجهه، وخالفوا ابن أبي الحر الكندي وأبا إسحاق السبيعي اللذين سلكا به الجادة.
قال الدارقطني في ((التتبع)) (363): وأخرج مسلم حديث الأغر: من حديث عمرو بن مرة وثابت عن أبي بردة وهما صحيحان، وإن كان أبو إسحاق قال: عن أبي بردة عن أبيه، وتابعه مغيرة بن أبي الحر عن سعيد عن أبي بردة، فأبو إسحاق: ربما دلس، ومغيرة بن أبي الحر: شيخ؛ وثابت وعمرو بن مرة حافظان، وقد تابعهما رجلان آخران: (زياد بن المندر، وابن إسحاق)، ومغيرة بن أبي الحر وأبو إسحاق سلكا به الطريق السهل.
وقال في ((العلل)) (7/ 216/ س 1300) بعد أن ساق طرق الحديث: وهو أشبههما بالصواب، قول من قال: عن الأغر.
وانظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم رقم (2058).
وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (2/ 43- 44) بعد أن ساق الحديث من طريق عمرو ثم من طريق ثابت ثم من طريق المغيرة: والأول أصح.
وقال الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (115) في حديث ثابت وعمرو: وهو الصحيح المحفوظ.
وقال العقيلي في ((الضعفاء)) (4/ 175) بعد إخراجه حديث المغيرة: وقال ثابت وعمرو بن مرة عن أبي بردة عن الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وهذا أولى.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في ((تسمية ما انتهى إلينا...)) (60) في إعلال هذا الحديث: تفرد به المغيرة عن سعيد.
وهي علة قادحة بلا ريب، فإن سعيداً قد روى عنه الثقات، وتفرد عنه بهذا الحديث، دون من روى عنه من الثقات: المغيرة بن أبي الحر؛ وهو شيخ مقل جداً، لم يرو إلا عن رجلين: (حجر بن عنبس الحضرمي، وسعيد بن أبي بردة)، ولم يرو عنه سوى (وكيع، وأبي نعيم)، ولم يعرف له العقيلي وابن عدي سوى هذا الحديث الواحد، إلا أن له أثراً يرويه عن حجر بن عنبس الحضرمي، قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب إلى النهروان حتى إذا كنا ببابل حضرت صلاة العصر، فقلنا: الصلاة فسكت فقلنا الصلاة فسكت، فلما خرج منها صلى، وقال: ((ما كنت لأصلي بأرض خسف بها))، ثلاث مرات. أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 377) عن وكيع عنه به؛ ومن طريقه الخطيب في ((التاريخ)) (8/ 274)، وأورده ابن عبد البر في ((التمهيد)) وقال: حديث حسن الإسناد. ((التمهيد)) (5/ 224).
فلعله لهذا الحديث قال فيه ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
((التهذيب)) (8/ 298)، و((الميزان)) (4/ 159).
وأما البخاري فقد نظر إلى روايته لحديث الاستغفار وتفرد به عن سعيد بن أبي بردة ثم مخالفته فيه للثقات: عمرو بن مرة وثابت البناني وحميد بن هلال فقال فيه: كوفي يخالف في حديثه الكوفيين.
((الضعفاء الكبير)) (4/ 175)، و((التاريخ الكبير)) (7/ 325).
وقد تابع هؤلاء الأئمة النقاد في تخطئتهم لحديث المغيرة بن أبي الحر وأبي إسحاق:
1- المزي في ((تحفة الإشراق)) (6/ 462)، فقال: المحفوظ حديث أبي بردة عن الأغر المزني.
2- والذهبي في ((الميزان)) (4/ 159)، فقال بعد أن ذكر رواية المغيرة: روى عمرو بن مرة وغيره عن أبي بردة عن الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أشبه.
قلت: وبهذا يتبين أن حديث أبي موسى شاذ، وحديث الأغر هو الصحيح هو المحفوظ، والله أعلم.
وقد صحح العلامة الألباني رحمه الله حديث أبي موسى في ((الصحيحة)) (1600)، والله أعلم.==

التوبة حقيقتها وثمارها دار ابن خزيمة

بسم الله الرحمن الرحيم

ملحوظة r: = صلي الله عليه وسلم

 مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد:

فإن التوبة إلى الله جل وعلا من أجل العبادات، وأحبها إليه، ومن أوسع الطريق إلى رحمته وجنته، وعطائه، ورضوانه، لأنها توجب الذل، والخضوع، والانكسار بين يدي الله سبحانه، والاعتراف بالذنب، والتقصير في جنب الرب تبارك وتعالى، ففيها تظهر ملامح العبودية في أسمى صورها، وبها ينزل الإنسان منزلته التي خلقه الله عليها، من النقص، والضعف والتفريط، والخطأ، والجهل، والظلم.

فهي اعتراف بنقص العقل، وضعف النفس، وإقرار بالكمال لله وحده لا شريك له. لذلك فإنها منزلة لم يستغن عنها الأنبياء المرسلون، ولا العباد الصالحون، ولا الأولياء المقربون، فهي بمثابة الروح للجسد، لذلك قال تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: }وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [لنور:].

فجعل الفلاح معلقا بتحقيق التوبة بعد الإيمان، وهذا يدل على أنها منزلة لا بد من ملازمة العبد لها في مسيره إلى الله، ولذلك قال سبحانه وتعالى لخاتم رسله محمد r: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ{ [محمد].

أخي الكريم: تذكر أنك إنسان،وأن الإنسان –أي إنسان- معرض للخطأ والعصيان، واقتراف الزلات والسيئات وركوب المعاصي والخطيئات، فلا أحد معصوم من الخلق إلا من عصمه الله في تبليغ وحيه ورسالته، لذا فإنه لا محيد لك عن الخطأ ولا حيلة لك عن الزلل والعطب.

فاعلم حفظك الله: أن التوبة من الذنوب هي حياة النفوس والقلوب، وأن الله جل وعلا يفرح بتوبة عبده فرحا أكيدا، ويقبل منه اعتذاره وانكساره، ويكره له تمادي وإصراره. قال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{ [الشورى].

فما هي حقيقة التوبة؟

وما هي شروطها؟

وماذا عن ثمارها؟


حقيقة التوبة

تذكر يا عبد الله –أن الذنوب هي سبب هلاك العبد وخسارته، فعواقبها في الدنيا ملاحظة مشاهدة: قلق، وحيرة، وضنك، واضطراب، وضيق وعذاب، وسخط من الله وعقاب.

وعواقبها في الآخرة لا تخفي على مسلم عاقل، قال تعالى:

}كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ{ [المطففين: 7]. قال أبو عبيدة والأخفش أي: لفي حبس وضيق شديد.([1])

وقال سبحانه: }وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى{ [طه: 124].

فالذنوب سبب للنكد وضيق العيش في الدنيا والآخرة. لذلك كانت التوبة سبيلا قويما لتفريج الهموم، وطمأنينة النفس، وراحة البال في الدنيا، والنجاة يوم الحساب.

وحقيقة التوبة: هي الرجوع إلى الله والإنابة إليه والانكسار بين يديه، والذل له، والاعتراف بتقصير النفس وتفريطها في حقوقه وطاعته.

واعلم أخي الكريم: أن للتوبة شروطا لا تصح إلا بها.

شروط التوبة

قال النووي –رحمه الله- تعالى: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط:

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة.

وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويحب أن يتوب من جميع الذنوب.

وإياك أخي الكريم: أن يغرك التسويف والتمني عن المبادرة إلى التوبة، فإنها على الفور لا يجوز تأخيرها لقول الله جل وعلا: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا{ [التحريم].

فهما كانت ذنوبك، ومهما بلغت خطاياك فلا تيأس من رحمة الله سبحانه، فإنه جواد كريم حيي يستحي أن يرد عبده إذا سأله، كيف وهو القائل سبحانه: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ{ [الزمر].

وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عته عن النبي r قال: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»([2]).

فبادر يا عبد الله، ما دام الله قد بسط إليك يده، وتب وارجع إليه، فإنه يحب التوابين ويحب المتطهرين، والهج بالرجوع الصادق والتوبة النصوح قبل فوات الأوان:

أنا العبد الذي كسب الذنوبا

 

 

وصدته الأماني أن يتوبا

أنا العبد الذي أضحى حزينا

 

 

على زلاته قلقا كئيبا

أنا العبد الذي سطرت عليه

 

 

صحائف لم يخف فيها الرقيبا

أنا العبد المسيء عصيت سرا

 

 

فمالي الآن لا أبدي النحيبا

أنا المفرط ضاع عمري فلم

 

 

أرع الشيبة والمشيبا

أنا العبد الغريق بلج بحر

 

 

أصيح لربما ألقي نحيبا




فالبدار أخي الكريم: إلى رضوان الله الكريم، فشمر عن ساعد الجد، وجدد النية والعزم وأقبل على ربك تائبا آيبا، فإن التوبة حلية الأنبياء والمرسلين: قال موسى: }سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ{ [الأعراف].

وقال تعالى عن صالح عليه السلام: }فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ{ [هود].

وقال تعالى عن هود عليه السلام: }وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ{ [هود].

وقال إبراهيم عليه السلام: }رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ{ [إبراهيم].

وقال أيضا: }وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{ [البقرة].

فأقبل أخي الكريم- على الله، ملست بأفضل من أنبياء الله ورسله، وهم كما علمت- سباقون إلى التوبة لهاجون بالاستغفار والإنابة.

كم ذا أغالط أمري

 

كأنني لست أدري

أغفلت الذي كان

 

في مقدم عمري

ولم أزل أتعادى

 

حتى تصرم دهري

مالي إذا صرت رهنا

 

بالذنب في رمس قبري

فليت شعري حتى أدرك

 

المنى ليت شعري

وهذا سيد الولد آدم عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة»([3]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»([4]).

يا أيها المسيء إلى متى

 

 

تفني زمانك في عسى ولربما

بادر إلى مولاك يا من عمره

 

 

قد ضاع في عصيانه وتصرما




فعجل أخي الكريم: بالتوبة واعلم أنك في دار عمل وابتلاء، وغدا تكون في دار حساب وجزاء.

فضل التوبة

واعلم أخي الكريم: أن فضل التوبة عند الله عظيم، وأن ثوابها جزيل كريم، فهي تجب ما قبلها من الخطايا والسيئات، وترفع لصاحبها الدرجات وتكون سببا لحصول رضي الله ومحبته.

قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ [البقرة].

وعن أبي نجيد عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت رسول الله r وهي حبلى من الزنى، فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله r وليها فقال: «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني» ففعل فأمر بها نبي r، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟!»([5]).

ففي هذا الحديث دلالة على عظم قدر التوبة عند الله جل وعلا، ولولا ذلك لما صلى رسول الله r على تلك المرأة، ولما أخبر أن توبتها تسع سبعين من أهل المدينة.

فتفكر فيما أسرفت على نفسك من الذنوب والخطايا، وتذكر ما جنته يدك، ورجلك، وسمعك، وبصرك من السيئات والآثام، وأحدث لذلك توبة نصوحا، وحاسب نفسك اليوم فإنه أهون عليك من أن تحاسب نفسك غدا. قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ{ [الحشر: 18]. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، فإنه أهو عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعوضون لا تخفى منكم خافية([6]).

أخي:

مثل وقوفك يوم الحشر عريانا

 

 

مستعطفا قلق الأحشاء حيرانا

النار تزفر من غيظ ومن حنق

 

 

على العصاة وتلقى الرب غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهل

 

 

وانظر إليه ترى هل كان ما كانا




ثمار التوبة

وثمار التوبة يتذوق حلاوتها كل من عرف حقيقة التوبة وتعبد الله بها، فهي سبب كل خير، وفلاح، وسبب طمأنينة النفس، واستكانة الروح، وطرب القلب، ونشوته، وفرحته. فإن الله جل وعلا يحب التائب ويفرح بتوبته، ويورثه في قلبه حلاوة، وسعادة، وفرحا. ومن أهم ثمار التوبة:

1- رضى الله تبارك وتعالى:

أخي الكريم: لو لم يكن للتوبة من ثمار إلا أنها طريق محبة الله ورضاه، لكفى بذلك عزا وشرفا. قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ [البقرة].

وإذا أحبك الله فلا خوف عليك ولا حزن، قال تعالى في الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني، لأعيذنه»([7]).

فالتائب إلى الله سبحانه، محبوب عند الله، مؤيد بعونه، مصان محفوظ من كل سوء وبلية، تتنزل عليه الرحمات، وتتغشاه البركات، و تُستجاب له الدعوات، إذا أخذ أخذ بنور الله، وإذا بطش بطش بنور الله، وإذا مشى مشى بنور الله. لأنه لبَّى نداء الله واستجاب لأمره: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ{ [التحريم: 8].

فالعاقل من يطمع في رحمة الله ورضوانه، ويقدم بين يدي طمعه التوبة، والانكسار، والرجوع عن المعاصي والخطايا، والإقلاع والندم على ما فات من التفريط في الطاعات والقربات:

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا

 

واغفر أيا رب ذنبا قد جنيناه

ومما يدل على أن التوبة من أجل القربات وأحبها إلى الله وأوجبها لرضاه وفرحه ما رواه أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله r رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته، بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أبس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بختامه ([8]). ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح»([9]).

2- طمأنينة النفس:

أخي الكريم: اعلم أن ضرر المعاصي على الأرواح والنفوس أخطر من ضرر الأمراض على الأجساد. بل إن ضرر المعصية يشمل الروح والبدن، فترى العاصي قد اجتمعت عليه أنواع الهموم والغموم، وألوان الوساوس والهواجس، فلا تجده إلا قلقا فزعا خائفا، وما ذلك إلا بسبب ما اقترفه من المعاصي والخطيئات.

بذا قضى الله بين الخلق منذ خلقوا

 

 

أن المخاوف والإجرام في قرن




ولذلك كانت التوبة طمأنينة للنفس، وسعادة للقلب. قال الحسن البصري رحمه الله: الحسنة نور في القلب وقوة في البدن، والسيئة ظلمة في القلب ووهن في البدن. فالتوبة دواء لأمراض النفس والبدن تقتضي الصبر ومطالعة الثواب من عند الله. فهي دواء يصقل القلوب ويجلي عنها أسباب الضيق والضنك وهو الران قال تعالى: }بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{، والقلوب إذا أزيل عنها الران أصبحت خفيفة مرحة لا تعرف اليأس ولا يصيبها النكد، وما أصاب عبد هم ولا غم ولا اكتئاب إلا بسبب الذنوب:

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها

 

 

من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء في مغبتها

 

 

لا خير في لذة من بعدها نار




قال أبو سليمان الداراني: من صفَّى صُفي له، ومن كدَّر كُدر عليه، ومن أحسن في ليلة كوفئ في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله.([10])

فاستبق يا عبد الله- إلى الخير، وتب إلى الله، فإنه غفور رحيم، واعلم أن سعادة الدنيا لا تنال إلا بالطاعة والاستغفار والصبر، وأن التوبة تجبر كسر الطاعة وتجدد العزم في النفوس.

3- اجتناب سخط الله عز وجل:

واعلم أخي الكريم: أن التوبة وقاية من عذاب الله وعقابه، ذلك لأن الذنوب موجبة للسخط والنكال والتوبة ماحية للذنوب ناسخة لها، لذلك قال تعالى عن يونس عليه السلام }فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{ وإنما كان تسبيح يونس: }لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{.

فتفكر وفقك الله في أن الذنوب تنقضي لذاتها وتبقى تبعاتها، وأن التوبة هي فصل ما بين العبد وبين العقاب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي r قال: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه»([11]).

مولاي جئتك والرجا

 

ء قد استجار بحسن ظني

أبغي فواضلك التي

 

تمحو بها ما كان مني

فانظر إلي بحق لط

 

فك يا إلهي واعف عني

لا تخزني يوم المعا

 

د بما جنيت ولا تهني

 


خاتمـة

أخي المسلم: أقبل على الله إقبال القلق الفزع، واسأله سؤال الخائف المضطر، وكن موقنا بقبول توبتك عنده، فإنه سبحانه جواد كريم، واعلم بأن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم»([12]).

فتذكر أنك بشر، وأن أحكام البشرية جارية عليك، من السهو والغفلة والنسيان والخطاء وغلبة الطبع، وهذا يقتضي أن تكون ملازما للتوبة في كل حين لأنا تجبر ما بدر منك من زلل وما اقترفته من قبيح العمل.

فاسلك طريق المتقيـ

 

ـن وظن خيرا بالكريم

واذكر وقوفك خائفا

 

والناس في أمر عظيم

فاغنم حياتك واجتهد

 

وتب إلى الرب الرحيم



([1]) فتح القدير للشوكاني: 5/399.

([2]) رواه مسلم (2759).

([3]) رواه مسلم (2702).

([4]) رواه البخاري 11/85.

([5]) رواه مسلم (1696).

([6]) رواه الترمذي (2459) وقال: حديث حسن.

([7]) رواه البخاري 11/292.

([8]) الخطام: الحبل الذي يقاد به البعير.

([9]) رواه مسلم (2747).

([10]) ذم الهوى ص151.

([11]) رواه مسلم (36).

([12]) رواه مسلم (2749]. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق