الخميس، 26 يوليو 2018

بادروا قبل أن تغادروا وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون


بادروا قبل أن تغادروا
الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الوهاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله والأصحاب، ثم أما بعد:
فإن المؤمن ليس بمعصوم من الخطيئة، وليس في منأى عن الهفوة، وليس في معزل عن الوقوع في الذنب فقد ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)رواه مسلم برقم (2749).
وكم من مذنب طال أرقه، واشتد قلقه، وعَظُمَ كمده، واكتوى كبده، يلفه قتار المعصية، وتعتصره كآبة الخطيئة، يلتمس نسيم رجاء، ويبحث عن إشراقة أمل، ويتطلع إلى صبح قريب يشرق بنور التوبة والاستقامة، والهداية والإنابة؛ ليذهب معها اليأس والقنوط، وتنجلي بها سحائب التعاسة والخوف، والهلع والتشرد والضياع، وإن الشعور بوطأة الخطيئة، والإحساس بآلام الجريرة، والتوجع للعثرة، والندم على سالف المعصية، والتأسف على التفريط، والاعتراف بالذنب؛ هو سبيل التصحيح والمراجعة، وطريق العودة والأوبة والبدار إلى الله بالتوبة النصوح.
بادروا قبل أن تغادروا {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}سورة النور (31).
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}سورة آل عمران (133)..

بادروا بالتوبة والإنابة تجدون رباً عظيماً، وإلهاً قريباً، يغفر الذنب، ويقبل التوبة، ويعفو عن الخطيئة فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)
رواه الترمذي برقم (3540)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. ، 
🌈وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - عز وجل -: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة)/رواه مسلم برقم (2687). ، 
🌈وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)/ رواه مسلم برقم (118).
🌈وكان الحسن يقول في موعظة: "المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حُبِسَت انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله - عز وجل -، رحم الله امرءاً نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}) مريم (84). ، 
🌈وقال أيضاً: "يتوسد المؤمن ما قدم من عمله في قبره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فاغتنموا المبادرة رحمكم الله في المهلة"/اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي (1/97).، 
🌈وقال بعضهم: "اغتنم تنفس الأجل، وإمكان العمل، واقتطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، ونفس معدود، وعمر غير ممدود"، 
🌈وقال آخر: "اعمل عمل المرتحل، فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك، فيطرحك في حفرة لا يخافك فيها أحد ولا يرجوك"، 
🌈وكتب رجل إلى بعض إخوانه: "أما بعد: فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام والسلام".
🌈وكتب محمد بن يوسف إلى أخٍ له: "سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذرك من دار منقلبك إلى دار إقامتك، وجزاء أعمالك، فتصير في باطن الأرض بعد ظهرها، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك فينتهرانك، فإن يكن الله معك فلا فاقة، ولا حاجة، ولا بأس، ولا وحشة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك يا أخي من سوء المصرع، وضيق المضجع، ثم تبلغك صيحة النشور، ونفخة الصور، وقيام الخلائق لفصل القضاء، وامتلأت الأرض بأهلها، والسموات بسكانها، فباحت الأسرار، وسعرت النار، ووضعت الموازين، ونشرت الدواوين {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}سورة الزمر (69). ، فكم من مفتضح، ومستور، ومعذب، ومرحوم، وكم من هالك وناج، فيا ليت شعري ما حالي وحالك يومئذ، فإن في هذا ما هدم اللذات، وسلى عن الشهوات، وقصر من الأمل، وأيقظ النائم ونبه الغافل"(اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات قبل هجوم هام اللذات عبد العزيز السلمان)
🌈فالمبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يصير المحبوس في حفرته بما قدم من عمل، ويحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل 

🌈عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:(خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينه وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية؛ ترزقوا وتنصروا وتجبروا)سنن ابن ماجه برقم (1081)، وقال الشيخ الألباني: ضعيف.
🌈يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري؛ أما آن لقلبك أن يستلين. اللهم ألهمنا ذكرك، ووفقنا للقيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك يا خير من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج، يا قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، هب لنا ما سألناه، وحقق رجاءنا فيما تمنيناه، يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ما في ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
------------------------------------أول العرض
وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون
الحمد لله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو ، الحمد لله الغفور الرحيم ، الحليم الكريم ، الغني العظيم يطلب من العباد الفقراء الضعفاء أن يستغفروه ، يتعدون حدوده وينتهكون حرماته ما احلمك ياربنا فاللهم انا نستغفرك ونتوب إليك إنك كنت غفارا ،نستغفر الله، نستغفر الله ،نستغفر الله ليلا ونهارا سرا وجهارا ، نستغفر ربنا حتى يغفر لنا ويرضى عنا، والصلاة والسلام على خير من عبد ربه وشكره واستغفره وتاب إليه مع أن ربه ومولاه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار الذين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار همم يستغفرون ،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ممن تقرب إليه فكان من التائبين أما بعد أيها المؤمنون : من تدبر في صفات الله وأسمائه وآلائه ونعمائه يحصل له في قلبه معرفة حقيقية بالرب الرحيم الرؤوف الغفور سبحانه ،وإن مما تكاد النفوس أن تطيربه فرحاً ،وتمتلىبه القلوب أنساً ، هو معرفة حال الرب سبحانه الخلق الرازق مع عبده الضعيف المذنب ، ربنا يدعوه ليتوب ويستغفر وينيب والعبد معرض ،فسبحان من وسعت رحمتك الوجود ياغفور ياودود ،اسمع يا من عصى الله يامن ترك فرائض الله يا من غرق في الشهوات يامن عاقر الخمر والمخدرات يامن وقع في الفواحش والزنا واللواط والموبقات يا من أكل الحرام وتعامل بالربا ولم يخف جبار السموات اسمع لنداء مولاك :( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )
أيها الموفق المسدد: إعلم أن من علامات توفيق الله لك أن ييسر لك أمر التوبة فتعود إلى ربك الرؤوف الرحيم الرحمن الذي يطلبك ويدعوك أن ترجع فلا تتردد و لا تسوف، ربك يفتح لك بابه وأنت معرض ربك يدعوك وأنت لا تجيب ياحسرة عليك يا ندامة عليك إذا لم تجب داعي الله ،وأعلم أن ربك يقول لك يا عبدي أهل ذكري أهل مجالستي ، وأهل شكري أهل زيادتي ، وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، وإن تابوا فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم منها ، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له ، اشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل ، رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبقت عقوبتي أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها .هذا ما يريده منك مولاك وهذه حقيقة بره وكرمه وإحسانه إليك .
أيها المؤمنون : خطاب من ربنا يهز الوجدان والضمير إليك يامن آمنت ورضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا يا من آمنت بكتاب ربك وسنة نبيك منهجا ومرجعا
ربنا الرحيم الغفور يقول ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ولنا مع هذه الدعوة من ربنا إلى التوبة وقفات وبشارات وقفات لنتعرف على حقيقة التوبة وبشارات إلى كل مؤمن مقبل يريد التوبة فأسرع وحث الخطا ولا تتردد فإن الباب مفتوح وابشر برب يفرح بتوبتك وإقبالك عليه فإنك إن تقربت شبراً تقرب منك باعاً وأن أتيته تمشي أتاك هرولة سبحان من لاحدود لكرمه ولا لحلمه لنا مع هذه الآية وقفات :
فأما الوقفة الأولى : إن أعظم ما يتقرب العبد إلى ربه ومولاه هو التوبة إلى الله التوبة إلى الله في كل وقت لا تفارقنا في طاعتنا ومعاصينا في إقبالنا وإدبارنا في غفلتنا وصحوتنا في برنا وبحرنا في كل وقت وكل مكان ، فالله سبحانه هو التواب الرحيم ويقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ِ)،واعلم أن هذه العبادة من أعظم وأفضل العبادات التي يحبها ربك ومولاك كما سوف نذكره فلا تتردد في التوبة والإقبال عليه .
الوقفة الثانية : اعلم أيها الموفق والمسدد إذا أردت أن تكون توبتك صادقة وخالصة ومقبوله فعليك بثلاثة أمور إذا تحققت فإن التوبة بإذن الله مقبوله: أولاً : الإقلاع على الذنب وتركه والثاني : الندم على الفعل فمن فعل المعصية ثم تاب بقوله وهو في قرارة نفسه فرح مسرور لم يندم على فعله المشين وتعرضه لسخط ربه فإنها توبة غير كاملة ثالثا :العزم الصادق على أن لايعود إليها مطلقاً ، فإن ربك يعلم ماتوسوس به نفس وهو أقرب إليك من حبل الوريد لا تخفى عنه خافية فإن من صدق التوبة أن لاتتركها وفي قرارة نفسك العود إليها بعد تحسن حالك أو عند التمكن من المعصية مرة أخرى .
الوقفة الثالثة : إليك أيها التائب يامن أقبلت على ربك يا من أسرفت على نفس بالمعاصي أزف إليك هذه البشائر التي بشرك بها مولاك وسيدك وحبيبك وقدوتك :
البشارة الأولى : أن الله عز وجل يقبل التوبة من العبد ويغفر ذنبه وزللَه وإجرامه مهما بلغ عظم ذلك الذنب حتى لو كان كفراً وشركاً بالله يا من أسرفت على نفسك بالمعاصي إسمع إلى الكريم سبحانه الحليم ماذا يقول لك : 
( قل ياعبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) (إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) (إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) هنيئاً لك يامذنب ياعاصي بتوبة الله عليك إذا أقبلت عليه .
البشارة الثانية : -أبشر ياصاحب التوبة بأن التوبة طريق الفلاح والرشاد كما قال ربك ومولاك (فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين) فلاح عام في دنياك وأخراك في كل مأمورك تفلح وترشد وتسدد فهذا كله من بركات التوبة (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ، التوبة مجلبة للخيرات ورضارب الأرض والسموات يقول سبحانه (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ) ويقول ربنا جل وعلا عن هود عليه السلام : (وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوةً إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ) .
البشارة الثالثة: ابشر ياصاحب التوبة ان باب التوبة مفتوح لايغلق في وجهك أبداً فأنت تتعامل مع الكريم الغني الذي لا يرد يدي عبده صفراً ليلا ونهارا سرا وجهارا لا تحتاج إلى وسائط بل ارفع يديك إلى مولاك وأعلنها مدوية في الملاء الأعلى أستغفر الله وأتوب إليه فقد جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وربنا ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويقول ( هل من مستغفر فأغفر له )،واعلم ان الأمم السبابقة قبلنا كبني أسرائيل كانت أذا ارادت ان تتوب كانت تقتل نفسها حتى تتوب إلى الله فاللهم لك الحمد ما أكرمك وما أحلمك عن عبادك .
البشارة الرابعة : أبشر ياصاحب التوبة أن من بركات التوبة أن الله يبدل كل عظائمك وجرائمك ومعاصيك وفواحشك ولياليك التي بارزت الله فيها بالحرام يبدلك الله عنها حسنات يا الله ما اكرمك ما اكرمك ياكريم ياحليم ما أعظمك وما اشد تقصيرنا في حقك (والذين لايدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً).
البشارة الخامسة :- التوبة تجب ما قبلها وتهدم ماقبلها و لا عيب عليك بعدها وقد تكفل الإسلام بحفظ حقك وتمارس حياتك بكل شموخ وإباء ولا خجل ولا حياء بل تعيش مرفوع الرأس عزيزاً كريماً لأن حياة المعصية حياة الذلة والمسكنة وحياة الطاعة حياة الرفعة والعزة فقد جاء في البخاري :ِ (أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ يَدُهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
-وجاء في البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ ابْنُ أَبْزَى سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَقَوْلِهِ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ حَتَّى بَلَغَ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَى قَوْلِهِ غَفُورًا رَحِيمًا.
-وأيضا جاء في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ) الله أكبر لماترك المعصية وتاب لم تمنعه توبته من أن يشارك في الغزو ويعمل الصالحات بل كانت من أكبر الدوافع على الاستمرار مع أنه قتل مسلما قبل ذلك.
البشارة السادسة : إذا صدقت توبتك ييسر الله لك أمرك ويحسن ختامك على الخير وعلامة صدقك ترك رفاق السوء وكل ما يذكرك بالمعصية فإن الله عزوجل إذا علم صدقك ألان لك الحديد وسخر لك الجبال الرواسي وكل الكون معك أيها التائب الحبيب
فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا فَقَتَلَهُ فَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ.
البشارة السابعة : أبشر يا صاحب التوبة يا من اقبلت على الله أن من وقع في الموبقات نزع منه الإيمان فإن تاب عاد إليه إيمانه الذي في القلب ، فيا لله ما أعظمها من نعمه ولو افتديت بها كل ما تملك ،فقد جاء في الحديث في البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قَالَ عِكْرِمَةُ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ قَالَ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ
البشارة الثامنة : أن الله الغني الكريم يفرح فرحاً عظيماً بتوبتك ، والله لو لم يكن فضل وشرف للتوبة إلا فرح الله بها لكفى بها لك حافزاً للمبادرة إلى التوبة ،فقد جاء في البخاري ومسلم واللفظ له عن أنس بن مالك قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.
البشارة التاسعة : ابشر يا صاحب التوبة أنت حبيب الله قال سبحانه ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وقال سبحانه (والله يريد أن يتوب عليكم ).
الوقفة الرابعة : أن هذه العبادة أيها الموفق أعني عبادة التوبة اعتنى بها وطبقها وعمل بها صفوة الخلق وانبياء الله الكرام كما قال جل وعلا عن آدم عليه السلام (فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) وقال عن موسى (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لا تفارقه التوبة والاستغفار لا حضرا ولا سفرا كما جاء في البخاري قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً .
وجاء في مسلم عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْأَغَرَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ، وكانت التوبة في كل أحواله حتى في سفره فقد جاء في البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وهكذا أصحابه ونسائه ومن حوله من الأبرار الأطهار
جاء في البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا أَذْنَبْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ قُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ)أ.هـ ،و جاء في البخاري َقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

الوقفة الخامسة : من هدي السنة التصدق الإنفاق عند التوبة والإقلاع عن الذنب جاء في البخاري: (وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ)،وجاء في الموطأ وغيره( أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأُجَاوِرُكَ وَأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ).
الوقفة السادسة: قال ابن القيم –رحمه الله – ما ملخصه : "فالتوبة الصحيحة لها علامات منها :أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها ، ومنها :لا يزال الخوف مصاحباً له لايأمن مكر الله طرفة عين ، ومنها :انخلاع قلبه وتقطعه ندماً وخوفاً وهذا على قدر عظم الذنب وصغرها ، ومنها تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد احاطت به من جميع جهاته وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً كحال عبد جان آبق من سيده فأخذ فأحضر بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته .."أ.هـ بتصرف واختصار.

الوقفة السابعة : قوله تعالى (وتوبوا إلى الله جميعاً ) لايخرج منها أحد من البشر الصالحين منهم والمفسدين البررة والفجرة كل مأمور بالتوبة والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله وهو أفضل الخلق وشرع لنا الاستغفار عقب العبادات إشعارا للعبد بالتقصير وأنه محتاج إلى مغفرة ربه ، فلا تغتر بعبادتك أيها الطائع لله وكلما أطعت الله أكثر من التوبة ولا يدخلنك العجب والرياء فرب معصية تعقبها توبة وندم وانكسار وخشوع وخضوع خير من طاعة يعقبها عجب وغرور .
فاللهم اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وتب علينا يا أرحم الراحمين د.ناصر بن يحيى الحنيني
-----------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق