الخميس، 2 أغسطس 2018

من الصاعق المرسلة لابن القيم وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود فالتأويل الباطل أنواع

الفصل الأول
في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل التصيير وأولته تأويلا إذا صيرته إليه فآل وتأول وهو مطاوع أولته.
وقال الجوهري التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أولته وتأولته تأولا بمعنى قال الأعشى
على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا
قال أبو عبيدة يعني تفسير حبها ومرجعه أي أنه كان صغيرا في قلبه فلم يزل ينبت حتى صار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه انتهى كلامه ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليها ومنه قوله تعالى { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [1] وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهي إليها ومنه قوله { تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ } [2] فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلا بالاعتبارين فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه وقال يوسف لأبيه { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ } [3] أي حقيقتها ومصيرها إلى ها هنا انتهت وتسمى العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضه به ومنه قول الخضر لموسى عليهما السلام بعد أن ذكر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا عوض { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } [4] فلما أخبره بالعلة الغائية التي انتهى إليها فعله قال { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } [5] فالتأويل في كتاب الله سبحانه وتعالى المراد به حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام نوعان خبر وطلب فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه وما هو موصوف به من الصفات العلى وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها قالت عائشة كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك يتأول القرآن فهذا التأويل هو نفس فعل المأمور به فهذا التأويل في كلام الله ورسوله وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا يريد تفسيره ومنه قول الإمام أحمد في كتابه في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكروها وهي تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم المعنى وتحصيله في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج.
وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل.
وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك وابن مهدي الطبري وغيرهما وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين بن قدامة وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به كما ستأتي حكاية ألفاظهم إن شاء الله.
فصل وعلى هذا ينبني الكلام في
الفصل الثاني
وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل
فالتأويل الصحيح هو القسمان الأولان وهما حقيقة المعنى وما يؤول إليه في الخارج أو تفسيره وبيان معناه وهذا التأويل يعم المحكم والمتشابه والأمر والخبر.
قال جابر بن عبد الله في حديث حجة الوداع ورسول الله
بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به فعلمه بتأويله هو علمه بتفسيره وما يدل عليه وعمله به هو تأويل ما أمر به ونهى عنه.
ودخل رسول الله
مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته وهو يقول
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل.
وهذا لا يلزم إن صح الشعر عن ابن رواحة لأن المراد بقتالهم على التأويل هو تأويل قوله تعالى { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } [1] وكان دخولهم المسجد الحرام عام القضية آمنين هو تأويل هذه الرؤيا التي رآها رسول الله
وأنزلها الله في كتابه ويدل عليه أن الشعر إنما يناسب خطاب الكفار بقي أن يقال فلم يكن هناك قتال حتى يقول نحن قتلناكم فيقال هذا تخويف وتهديد أي إن قاتلتمونا قاتلناكم وقتلناكم على التأويل والتنزيل وعلى التقديرين فليس المراد بالتأويل صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه.
ومن هذا قول الزهري وقعت الفتنة وأصحاب محمد متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية أي إن القبيلتين في الفتنة إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهو تفسيره وما ظهر لكل طائفة منه حتى دعاهم إلى القتال فأهل الجمل وصفين إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهؤلاء يحتجون به وهؤلاء يحتجون به نعم التأويل الباطل تأويل أهل الشام قوله لعمار "تقتلك الفئة الباغية " فقالوا نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله هو الذي باشر قتله لا من استنصر به ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم فقالوا فيكون رسول الله
وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين.
ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، فقيل له فما بال عائشة أتمت في السفر قال تأولت كما تأول عثمان وليس مراده أن عائشة وعثمان تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما اقتضى جواز الإتمام فعملا به فكان عملهما به هو تأويله فإن العمل بدليل الأمر هو تأويله كما كان رسول الله
يتأول قوله تعالى { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } [2] بامتثاله بقوله سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي فكأن عائشة وعثمان تأولا قوله { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاة َ } [3] وإن إتمامها من إقامتها.
وقيل تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله أو أنه كان قد عزم على الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها ومن تأهل بلد لم يثبت له حكم المسافر أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض الصلاة وأنه أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق القصر أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة والصواب هدي رسول الله
فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين في حياته وبعد وفاته وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول الله إنما رخص بها للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت له حكم الإقامة بمجرد التزوج مالم يزمع الإقامة وقطع السفر.

وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود فالتأويل الباطل أنواع

أحدها: مالم يحتمله اللفظ بوضعه كتأويل قوله"حتى يضع رب العزة عليها رجله"بأن الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في شيء من لغة العرب البتة.

الثاني: مالم يحتلمه اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردا كتأويل قوله { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [4] بالقدرة.

الثالث: مالم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل قوله { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَة ُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } [5] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي أمره وهذا يأباه السياق كل الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والترديد والتنويع.

وكتأويل قوله "إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب"فتأويل الرؤية في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب تستر صاحبه بالتأويل.

الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل.

كما تأولت طائفة قوله تعالى { فَلَمَّا أَفَلَ } [6] بالحركة وقالوا استدل بحركته على بطلان ربوبيته ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد.

وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء البتة ثم قالوا لو كان فوق العرش لم يكن أحدا فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من العرب ولا أهل اللغة ولا يعرف استعماله في لغة القوم في هذا المعنى في موضع واحد أصلا وإنما هو اصطلاح الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن وافقهم.

وكتأويل قوله { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [7] بأن المعنى أقبل على خلق العرش فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا غيرها من الأمم أن من أقبل على الشيء يقال قد استوى عليه ولا يقال لمن أقبل على الرحل قد استوى عليه ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها ولا لمن أقبل على الأكل قد استوى على الطعام فهذه لغة القوم وأشعارهم وألفاظهم موجودة ليس في شيء منها ذلك البتة.

وهذا التأويل يبطل من وجوه كثيرة سنذكرها في موضعها لو لم يكن منها إلا تكذيب رسول الله
لصاحب هذا التأويل لكفاه فإنه قد ثبت في الصحيح"أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء"فكان العرش موجودا قبل خلق السموات والأرض بأكثر من خمسين ألف سنة فكيف يقال إنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش.

والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول فحسبه ذلك بطلانا وأكثر تأويلات القوم من هذا الطراز وسيمر بك منها ما هو قرة عين لكل موحد وسخنة عين لكل ملحد.

الخامس: ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله وهذا من أقبح الغلط والتلبيس كتأويل اليدين في قوله تعالى { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [8] بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وهي اليد وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص موسى بأنه كلمه بلا واسطة فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب.

وكذلك قوله { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ٌ } [9] يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله وعداه بحرف إلى التي إذا اتصل بها فعل النظر كان من نظر العين ليس إلا ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع التنغيص بانتظاره ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية وإن كان النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } [10] وقوله تعالى { فَنَاظِرَة ٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } [11] ومثل هذا قول الجهمي الملبس إذا قال لك المشبه { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [12] فقل له العرش له عندنا سبعة معان والاستواء له خمسة معان فأي ذلك المراد فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول ويكفيك مؤونته.

فيقال لهذا الجاهل الظالم الفاتن المفتون ويلك ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها وقد قال لك نفس ما قال الله فوالله لو كان مشبها كما تزعم لكان أولى بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد النص.

وأما قولك للعرش سبعة معان أو نحوها وللاستواء خمسة معان فتلبيس منك وتمويه على الجهال وكذب ظاهر فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا معنى واحد وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد وقد صار بها العرش معينا وهو عرش الرب جل جلاله الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل.

وقولك الاستواء له عدة معان تلبيس آخر فإن الاستواء المعدى بأداة على ليس له إلا معنى واحد وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول استوى كذا إذا انتهى وكمل ومنه قوله تعالى { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } [13] وتقول استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم استوى الماء والخشبة واستوى الليل والنهار وتقول استوى إلى كذا إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا أي إذا ارتفع عليه وعلا عليه لا تعرف العرب غير هذا فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو نص في قوله { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } [14] لا يحتمل غير معناه ونص في قولهم استوى الليل والنهار في معناه لا يحتمل غيره فدعوا التلبيس فإنه لا يجدي عليكم إلا مقتا عند الله وعند الذين آمنوا.

السادس: اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا فتأويله حيث ورد وحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيسا وتدليسا يناقض البيان والهداية بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف ومن تأمل لغة القوم وكمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك. وأما أنهم يأتون إلى لفظ له معنى قد ألف استعماله فيه فيخرجونه عن معناه ويطردون استعماله في غيره مع تأكيده بقرائن تدل على أنهم أرادوا معناه الأصلي فهذا من أمحل المحال مثاله قوله تعالى { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [15] وقوله ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبه وقوله إنكم ترون ربكم عيانا وهذا شأن أكثر نصوص الصفات إذا تأملها من شرح الله صدره لقبولها وفرح بما أنزل على الرسول منها يراها قد حفت من القرائن والمؤكدات بما ينفي عنها تأويل المتأول.

السابع: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل كتأويل قوله أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على الأمة فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر الأمة إنما هو للسيد فقالوا نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على أصل النص بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى فيه ب أي الشرطية التي هي من أدوات العموم وأكدها ب ما المقتضية تأكيد العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي تقتضي العموم وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم بوجوده وهو نكاحها نفسها ونبه على العلة المقتضية للبطلان وهي افتياتها على وليها وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال وأنت إذا تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع.

الثامن: تأويل اللفظ الذي له معنى ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا أفراد من أهل النظر والكلام كتأويل لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا يكون فيها معنيان بوجه ما فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ثم يستدل على وجوده الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهور عند كل أحد لهذا المعنى الذي هو في غاية الخفاء وستمر بك نظائره إن شاء الله تعالى.

التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة وهو شبيه بعزل سلطان عن ملكه وتوليته مرتبة دون الملك بكثير مثاله تأويل الجهمية قوله { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [16] وقوله { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [17] ونظائره بأنها فوقية الشرف كقولهم الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم.

فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم وأنه أشرف منهم.

وكذلك تأويلهم علوه بهذا المعنى وأنه كعلو الذهب على الفضة وكذلك تأويلهم استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب له فيالله العجب هل ضلت العقول وتاهت الحلام وشكت العقلاء في كونه سبحانه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى يخبر به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد يراد به المعنى الذي أبداه المتأولون وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن يعرفنا أنه قد غلب عرشه وقدر عليه وكان ذلك بعد خلق السموات والأرض أفترى لم يكن سبحانه غالبا للعرش قادرا عليه في مدة تزيد على خمسين ألف سنة ثم تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم.

العاشر: تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ فإن الله سبحانه أنزل كلامه بيانا وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم تحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى.
فهذه بعض الوجوه التي يفرق بيها بين التأويل الصحيح والباطل وبالله المستعان

الفصل الثالث
في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
فهذا الموضع مما يغلط فيه كثير من الناس غلطا قبيحا فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عناه المتكلم فإن لم يكن هذا الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة.

منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ولا تبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له.

كقوله { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [1] "وإنكم ترون ربكم عيانا كماترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب"، و "الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها فنام ثم استيقظ فإذا راحلته عند رأسه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته" فهذا مما يقطع السامع فيه بمراد المتكلم فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة له كان صادقا في إخباره وأما إذا تأول كلامه بما لم يدل عليه لفظه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه. فقول القائل يحمل اللفظ على كذا وكذا يقال له ما تعني بالحمل أتعني به أن اللفظ موضوع لهذا المعنى فهذا نقل مجرد موضعه كتب اللغة فلا اثر لحملك أم تعني به اعتقاد أن المتكلم أراد ذلك المعنى الذي حملته عليه فهذا قول عليه بلا علم وهو كذب مفترى إن لم تأت بدليل يدل على أن المتكلم أراده أم تعني به أنك أنشأت له معنى فإذا سمعته اعتقدت أن ذلك معناه وهذا حقيقة قولك وإن لم ترده فالحمل إما أخبار عن المتكلم بأنه أراد ذلك المعنى فهذا الخبر إما صادق إن كان ذلك المعنى هو المفهوم من لفظ المتكلم وإما كاذب إن كان لفظه لم يدل عليه وإما إنشاء لاستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى وهذا إنما يكون في كلام تنشئه أنت لا في كلام الغير.

وحقيقة الأمر أن قول القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ على ما وضع له فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره.

فإن قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء وإنشاء.

قيل فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق أو كذب كماتقدم ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده بل يقترن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك كما في المعاريض التي يجب أو يسوغ تعاطيها ولكن المنكر غاية الإنكار أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده فالخطاب نوعان نوع يقصد به التعمية على السامع ونوع يقصد به البيان والهداية والإرشاد فإطلاق اللفظ وإرادة خلاف حقيقته وظاهره من غير قرائن تحتف به تبين المعنى المراد محله النوع الأول لا الثاني والله أعلم.
الفصل الرابع
في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب
لما كان الكلام نوعين خبر وطلب وكان المقصود من الخبر تصديقه ومن الطلب امتثاله كان المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مخبره ومن تأويل الطلب هو امتثاله وكان كل تأويل يعود على المخبر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة تأويلا باطلا.

والمقصود الفرق بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر فالأول معرفته فرض على كل مكلف لأنه لا يمكنه الامتثال إلا بعد معرفة تأويله.

قال سفيان بن عيينة: " السنة هي تأويل الأمر والنهي ولا خلاف بين الأمة أن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل وأرسخهم في العلم أعلمهم به ولو كان معرفة هذا التأويل ممتنعا على البشر لا يعلمه إلا الله لكان العمل بنصوصه ممتنعا كيف والعمل بها واجب فلا بد أن يكون في الأمة من يعرف تأويلها وإلا كانت الأمة كلها مضيعة لما أمرت به.

وقد يكون معنى النص بينا جليا فلا تختلف الأمة في تأويله وإن وقع الخلاف في حكمه لخفائه على من لم يبلغه أو لقيام معارض عنده أو لنسيانه فهذا يعذر فيه المخالف إذا كان قصده اتباع الحق ويثيبه الله على قصده وأما من بلغه النص وذكره ولم يقم عنده ما يعارضه فإنه لا يسعه مخالفته ولا يعذر عند الله بتركه لقول أحد كائنا من كان.

وقد تكون دلالة اللفظ غير جلية فيشتبه المراد به بغيره فهنا معترك النزاع بين أهل الاجتهاد في تأويله ولأجل التشابه وقع النزاع فيفهم هذا منها معنى فيؤولها به ويفهم منها غيره معنى آخر فيؤولها به وقد يكون كلا الفهمين صحيحا والآية دلت على هذا وهذا ويكون الراسخ في العلم هو الذي أولها بهذا وهذا ومن أثبت أحد المعنيين ونفى الآخر أقل رسوخا وقد يكون أحد المعنيين هو المراد لا سيما إذا كانا متضادين والراسخ في العلم هو الذي أصابه فالتأويل في هذا القسم مأمور به مأجور عليه صاحبه إما أجرا واحدا وإما أجرين. وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة ُ النِّكَاحِ } [1] هل هو الأب أو الزوج. وتنازعوا في تأويل قوله { أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ } [2] هل هو الجماع أو اللمس باليد والقبلة ونحوها. وتنازعوا في تأويل قوله { وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } [3] هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة أو المجتاز بمواضع الصلاة كالمساجد وهو جنب.

وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين من الخمس هل هم قرابة رسول الله
أو قرابة الإمام. وتنازعوا في تأويل قوله تعالى { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } [4] هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا.
وتنازعوا في تأويل قوله { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة َ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [5] هل يتناول اللفظ الحامل أم هو للحائل فقط.
وتنازعوا في قوله { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة ُ } [6] هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا.
وتنازعوا في تأويل الكلالة.
وفي تأويل قوله تعالى { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَة ٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } [7] وأمثال ذلك ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبيها الله ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله { يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } حتى بين لهم بقوله { مِنَ الْفَجْرِ } [8] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَة َ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [9] وأمثالها من آيات الصفات وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه ونحوها من آيات الصفات وأيضا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى { فَفِدْيَة ٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَة ٍ أَوْ نُسُكٍ } [10] فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام فبينته السنة بأنه صيام ثلاثة ايام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة وكذلك قوله { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع ونظائره كثيرة كآية السرقة وآية الزكاة وآية الحج وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا بالسنة بخلاف آيات الأحكام.

فإن قيل هذا يرده ما قد عرف أن آيات الأمر والنهي والحلال والحرام محكمة وآيات الصفات متشابهة فكيف يكون المتشابه أوضح من المحكم.

قيل التشابه والإحكام نوعان تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض فالأول كقوله تعال { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } [11] وقوله { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [12] وقوله وقوله: { يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } [13] والثاني كقوله { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [14] فإن اردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا وكذلك آيات الأحكام وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها بالنسبة إليه دون غيره ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات فإن المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض.

وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم النزاع في بعضها وإنما هذا قول بعض المتأخرين وسيأتي إشباع الكلام في هذا في الفصل المعقود له إن شاء الله تعالى.
الفصل الخامس
في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
ذكر الله سبحانه التحريف وذمه حيث ذكره وذكر التفسير وذكر التأويل فالتفسير هو إبانة المعنى وإيضاحه قال الله تعالى { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } [1] وهذا غاية الكمال أن يكون المعنى في نفسه حقا والتعبير عنه أفصح تعبير وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول والتحريف العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره وهو نوعان تحريف لفظه وتحريف معناه والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم شيوخ المحرفين وسلفهم فإنهم حرفوا كثيرا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة والجهمية فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود ولما لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرفوا معانيه وسطوا عليها وفتحوا باب التأويل لكل ملحد يكيد الدين فإنه جاء فوجد بابا مفتوحا وطريقا مسلوكة ولم يمكنهم أن يخرجوه من باب أو يردوه من طريق قد شاركوه فيها وإن كان الملحد قد وسع بابا هم فتحوه وطريقا هم اشتقوه فهما بمنزلة رجلين ائتمنا على مال فتأول أحدهما وأكل منه دينارا فتأول الآخر وأكل منه عشرة فإذا أنكر عليه صاحبه قال إن حل أكل الدينار بالتأويل حل أكل العشرة به ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن الذي ائتمنه إنما أراد منه التأويل وأن المتأول أعلم بمراده من المالك فيقول له صاحبه أنا أسعد منك وأولى بأكل هذا المال.

والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان التفسير والتحريف فتأويل التفسير هو الحق وتأويل التحريف هو ا لباطل فتأويل التحريف من جنس الإلحاد فإنه هو الميل بالنصوص عن ما هي عليه إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها وكذلك الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها حقائقها وتارة يكون بإنكار المسمى بها وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها فالتأويل الباطل هو إلحاد وتحريف وإن سماه أصحابه تحقيقا وعرفانا وتأويلا.

فمن تأويل التحريف والإلحاد تأويل الجهمية قوله تعالى { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [2] أي جرح قلبه بالحاكم والمعارف تجريحا ومن تحريف اللفظ تحريف إعراب قوله { وَكَلَّمَ اللَّهُ } في الرفع إلى النصب وقال وكلم الله أي موسى كلم الله ولم يكلمه الله وهذا من جنس تحريف اليهود بل أقبح منه واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد فكيف تصنع بقوله { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } [3] فبهت المحرف.

ومن هذا أن بعض الفرعونية سأل بعض أئمة العربية هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله 2 { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [4] وقصد الفرعوني بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق ولو تيسر لهذا الفرعوني هذا التحريف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الآيات.

ومن تأويل التحريف تأويل قوله إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر السلسلة على الصفوان فيصعفون فيكون أول من يفيق جبريل. قالوا تأويله إذا تكلم ملك الله بالوحي لا أن الله يتكلم فجعلوا صعق الملائكة وخرورهم سجدا لكلام جبريل الذي قد صعق معهم من كلام نفسه.

ومن تأويل التحريف تأويل القدرية المجوسية نصوص القدر بما أخرجها عن حقائقها ومعانيها وتأويل الجهمية نصوص الصفات بما أخرجها عن حقائقها وأوجب تعطيل الرب جل جلاله عن صفات كماله كما عطلته القدرية عن كمال قدرته ومشيئته فنحن لا ننكر التأويل بل حقيقة العلم هو التأويل والراسخون في العلم هم أهل التأويل ولكن أي التأويلين فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا والله الموفق للصواب.
الفصل السادس
في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
لا ريب أن الله سبحانه وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال فسمى نفسه بالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسينى ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة الإخلاص وأول الحديد وأول طه وغير ذلك ووصف نفسه بأنه يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويأسف ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى سماء الدنيا وأنه استوى على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ووجها وأن له يدين وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السموات مطويات بيمينه.

ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيقال للمتأول هل تتأول هذا كله على خلاف ظاهره وتمنع حمله على حقيقته أم تقر الجميع على ظاهره وحقيقته أم تفرق بين بعض ذلك وبعضه

فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا وجحدا للربوبية وحينئذ فلا تستقر لك قدم على إثبات ذات الرب تعالى ولا صفة من صفاته ولا فعل من أفعاله فإن أعطيت هذا من نفسك ولم تستهجنه التحقت بإخوانك الدهرية الملاحدة الذين لا يثبتون للعالم خالقا ولا ربا.

فإن قلت بل أثبت أن للعالم صانعا وخالقا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه وحيث وصف بما يقع على المخلوق أتأوله. قيل لك فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ثابتة هي حق في نفسها أم لا تدل فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل وإن أثبت دلالتها على معان هي حق ثابت قيل لك فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض وما الفرق بين ما أثبته ونفيته وسكت عن إثباته ونفيه من جهة السمع أو العقل.

ودلالة النصوص على أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما كدلالتها على أن له رحمة ومحبة وغضبا ورضى وفرحا وضحكا ووجها ويدين فدلالة النصوص على ذلك سواء فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها بنفس الإرادة فإن قلت لأن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستتلزم تشبيها وتجسيما وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا تعقل إلا في الأجسام فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام والفرح انبساط دم القلب لورود ما يسره عليه قيل لك وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه فإن قلت لأني أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشابهها قيل لك فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين ولا يشابهها ولم فهمت من إطلاق هذا التشبيه والتجسيم وفهمت من إطلاق ذلك التنزيه والتوحيد وهلا قلت أثبت له وجها ومحبة وغضبا ورضى وضحكا ليس من جنس صفات المخلوقين فإن قلت هذا لا يعقل قيل لك فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين فإن قلت أنا أفرق بين ما يتأول وبين ما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كالوجه واليد والضحك والفرح والغضب والرضى فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل وإحكامه دل على علمه والتخصيص دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل.

قيل لك أولا وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاجتباء دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الحب والرضى.

والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى.

ويقال ثانيا هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله. ويقال لك ثالثا إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها أو تجسيما فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين وعادت المطالبة جذعا.

ولما تفطن بعضهم لتعذر الفرق قال ما دل عليه الإجماع كالصفات السبع لا يتأول وما لم يدل عليه إجماع فإنه يتأول وهذا كما تراه من أفسد الفروق فإن مضمونه أن الإجماع اثبت ما يدل على التجسيم والتشبيه ولولا ذلك لتأولناه فقد اعترفوا بانعقاد الإجماع على التشبيه والتجسيم. وهذا قدح في الإجماع فإنه لا ينعقد على باطل.

ثم يقال إن كان الإجماع قد انعقد على إثبات هذه الصفات وظاهرها يقتضي التجسيم والتشبيه بطل نفيكم لذلك وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به.

ثم يقال خصومكم من المعتزلة لم يجمعوا معكم على إثبات هذه الصفات فإن قلتم انعقد الإجماع قبلهم قيل صدقتم والله والذين أجمعوا قبلهم على هذه الصفات أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع بل تخصيصها بسبع خلاف قول السلف وقول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين سلفية وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا.

وقالت طائفة أخرى ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاض كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين والقدم والساق والإصبع فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم.

قال المثبتون جوابنا لكم بعين الجواب الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات فإنهم قالوا لكم لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم والانقسام كما قلتم لو كان له وجه ويد وإصبع لزم التركيب والانقسام فحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به.
فإن قلتم نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما.
قيل لكم ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه إذ نفيتموها أنتم عنه على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ولا منقسما.
فإن قلتم هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض.
قلنا لكم وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض.
فإن قلتم العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب باقية قديمة أبدية فليست أعراضا.
قلنا وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها وذلك في حق الرب تعالى محال فليست أبعاضا ولا جوارح فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف بها مستحيل مطلقا في النوعين والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه.

فإن قلتم إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال وإن كان غيره لزم التمييز ويلزم التركيب.

قلنا لكم وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة والقدرة فهو محال وإن تميزت لزم التركيب فما هو جواب لكم فالجواب مشترك فإن قلتم نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم متحيز وإن لم يكن لها نظير في الشاهد.

قلنا لكم فاعقلوا صفات ليست بأبعاض تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في الشاهد نظير ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة ولكن فرق غير نافع لكم في التفريق بين النوعين وأن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا يستلزمه ولما أخذ هذا الإلزام بحلوق الجهمية قالوا الباب كله عندنا واحد ونحن ننفي الجميع.

فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمور ثلاثة إما هذا النفي العام والتعطيل المحض وإما أن تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ولا تتجاوزوا القرآن والحديث وتتبعوا في ذلك سبيل السلف الماضين الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وأشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ذلك مشابهة للذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا ولا يقال هي ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته. قال الإمام أحمد إنما التشبيه أني قول يد كيد أو وجه كوجه فأما إثبات يد ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو كإثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار وليس إلا هذا المسلك أو مسلك التعطيل المحض أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في الإثبات وبالله التوفيق.

وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها فالعيار على ما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها فما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ولهذا لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم أو تأولوه ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدا ولا يرى بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه ولا له صفة تقوم به أولوا كل ما خالف ما أصلوه.

ولما اصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد وأن من دخل النار لم يخرج منها أبدا أولوا كل ما خالف أصولهم.

ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ما خالف أصولهم.

وما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا الأصل. ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من الوجوه وأن حركات العباد بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار أولوا كل ما جاء بخلاف ذلك.

فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها حتى المقلدين في الفروع أتباع الأئمة الذين اعتقدوا المذهب ثم طلبوا الدليل عليه ضابط ما يتأول عندهم وما لا يتأول ما خالف المذهب أو وافقه ومن تأمل مقالات الفرق ومذاهبها رأى ذلك عيانا وبالله التوفيق.

وكل من هؤلاء يتأول دليلا سمعيا ويقر على ظاهره نظيره أو ما هو أشد قبولا للتأويل منه لأنه ليس عندهم في نفس الأمر ضابط كلي مطرد منعكس يفرق ما يتأول وما لا يتأول إن هو إلا المذهب وقواعده وما قاله الشيوخ وهؤلاء لا يمكن أحدا منهم أن يحتج على مبطل بحجة سمعية لأنه يسلك في تأويلها نظير ما سلكه هو في تأويل ما خالف مذهبه كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.
الفصل الثامن
في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
هذا الفصل من عجيب أمر المتأولين فإنهم فهموا من النصوص الباطل الذي لا يجوز إرادته ثم أخرجوها عن معناها الحق المراد منها فأساءوا الظن بها وبالمتكلم بها وعطلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها ونقتصر من ذلك على مثال ذكره بعض الجهمية ونذكر ما عليه فيه.

قال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر العين الواحدة وذكر الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين وذكر اليد الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد عليه أيد كثيرة وله ساق واحد ولا يرى في الدنيا شخص أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا يظن أن عاقلا يرى أن يصف ربه بهذه الصفة.

قال السني المعظم لحرمات كلام الله: قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولم ينزل كتاب من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل فانتهكت حرمته وعضهته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب فادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه وفيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد فادعيت أن ظاهر ما وصفه الله بن نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنعية المستقبحة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ظاهر كلامه فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ومدلوله وهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر أو شعر أو كذب مفترى بل هذا أقبح من قولهم من وجه فإن أولئك أقروا بعظمة الكلام وشرف قدره وعلوه وجلالته حتى قال فيه رأس الكفر والله إن لكلامه لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لجنى وإنه ليعلو وما يعلى وما يشبه كلام البشر.

ولم يدع أعداء الرسول الذين جاهروه بالمحاربة والعداوة أن ظاهر كلامه أبطل الباطل وأبين المحال وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات والصور ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه وقالوا كيف يدعونا إلى عبادة رب له وجه عليه عيون كثيرة وجنب واحد وساق واحد وأيد كثيرة فكيف كانوا يسكتون له على ذلك وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير كما أوردوا عليه المسيح لما قال { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [1] فتعلقوا بظاهر ما لم يدل على ما أوردوه وهو دخول المسيح فيما عبد من دون الله إما بعموم لفظ ما وإما بعموم المعنى فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيراد. وأورد أهل الكتاب على قوله { يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ } [2] إن بين هارون عيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه وكانوا يتفننون فيما يوردونه على القرآن هذا ودونه فكيف يجدون ما ظاهره إثبات رب شأنه وهيئته ما ذكره هذا الجهمي ولا يصيحون به على رؤوس الأشهاد ويشنعون عليه بإثباته في كل حاضر وباد فالقوم على شركهم وشدة عدواتهم لله ورسوله كانوا أصح أفهاما من الجهمية الذين نسبوا ظاهر القرآن إلى هذه الصفة القبيحة ولكن الأذهان الغلف والقلوب العمي والبصائر الخفاشية لا يكثر عليها أن تفهم هذا من ظاهر القرآن.

قال أنصار الله ونحن نبين أن هذه الصورة الشنيعة ليست تفهم من ظاهر القرآن من وجوه

أحدها: أن الله سبحانه إنما قال: { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [3] وقال: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [4] فدعوى الجهمي أن ظاهر هذا إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة فرية ظاهرة فإنه إن دل ظاهره على إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة دل على خالقين كثيرين فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع فأدع أيها الجهمي أن ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة وإلا فدعواك أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة خلاف الظاهر وكذلك قوله: { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [5] إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات متعددة لا على ذات واحدة.

الثاني: أن يقال لك دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب آخر فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب وكأنك إنما أخذت هذا من القياس على بني آدم فشبهت أولا وعطلت ثانيا وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما أخذته من التشبيه بالآدمي والحيوان ولهذا قال بعض أهل العلم إن كل معطل مشبه ولا يستقيم له التعطيل إلا بعد التشبيه.

الثالث: أن يقال أين في ظاهر القرآن إثبات ساق واحد لله وجنب واحد فإنه سبحانه قال { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } [6] وقال { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } [7] فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات فليس من ظاهر القرآن ما يوجب أنه لا يكون له إلا ساق واحد وجنب واحد فلو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه حتى إن القائلين بمفهوم اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق وليس المراد بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا بل المقصود حكم آخر وهو بيان تفريط العبد في حق الله وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم.

الرابع: هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة فمن أين في ظاهر الآية أنه ليس له إلا تلك الصفة الواحدة وأنت لو سمعت قائلا يقول كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي أو قدمي أو يدي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط فكم هذا التلبيس والتدليس فلو قال واحد من الناس هذا لم يكن ظاهر كلامه ذلك فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك.

الخامس: أن المفرد المضاف يراد به ما هو أكثر من واحد كقوله { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة َ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا } [8] وقوله { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ } [9] وقوله { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة َ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } [10] فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله { بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [11] و { بيدك الخير } [12] و { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [13]

السادس أن يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة الله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل السنة والحديث الذي يثبتون لله الصفات الخبرية ولا يقولون إن لله جنبا واحدا ولا ساقا واحدة قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وادعى المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله { يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله } [14] إنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه. قال الدارمي: فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقا في دعواك فأشربها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان وقال ابن مسعود لا يجوز من الكذب جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذابا فهو منافق اه. وتوجيه ذلك أن الله قال { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّة ً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [15] فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به وعامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنبا ولا تقر بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك وقد قال عنهم { يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } [16] والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلا عن الله وهذا معلوم بالحس والمشاهدة وظاهر القرآن يدل على أن قول القائل { يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن ما يدل على أنه ليس لله إلا جنب واحد يعني به الشق. السابع أن يقال هب أن القرآن دل ظاهره على إثبات جنب هو صفة فمن أين يدل ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب وهذا لا يدل على أنه ليس لعمران بن حصين إلا جنب واحد فإن قيل المراد على جنب من جنبيك قلنا فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا ينفي أن يكون معه غيره ولا يدل ظاهر اللفظ على ذلك بوجه.

ونظير هذا اللفظ القدم إذا ذكر مفردا لم يدل على أنه ليس لمن نسب إليه إلا قدم واحد كما في الحديث الصحيح "حتى يضع عليها رب العزة قدمه" وفي الحديث "أنا العاقب الذي يحشر الناس على قدمي".

الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله تعالى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } [17] والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه "فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدا" ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ } [18] مطابق لقوله فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } [19] وقال { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } [20] فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. التاسع: أن دعوى الجهمي أن ظهر القرآن يدل على أن لله سبحانه أيديا كثيرة على جنب واحد وأعينا كثيرة على وجه واحد عضه للقرآن وتنقص له وذم ولا يدل ظاهر القرآن ولا باطنه على ذلك بوجه ما ولا فهمه من له عقل ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان المخبر به منفرا للمدعوين عن الإيمان بالله ورسوله ومطرقا لهم إلى الطعن عليه والله سبحانه قال { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [21] وقال { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } [22] وقال { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [23] وقال { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [24] وقال في قصة موسى { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [25] فذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد والأعين مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كما يقول القائل أفعل هذا على عيني وأجيئك على عيني وأحمله على عيني ولا يريد به أن له عينا واحدة فلو فهم أحد هذا من ظاهر كلام المخلوق لعد أخرق وأما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا أو مضمرا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [26] وقوله { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } [27] وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله { بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [28] و { بِيَدِكَ الْخَيْرُ } [29] وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت كقوله { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [30] وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } [31] وقوله { قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } [32] وقد نطق القرآن والسنة بذكر اليد مضافة إليه سبحانه مفردة ومثناة ومجموعة. وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه إلى من تلتفت إلى خير لك مني وقول النبي
: "إن ربكم ليس بأعور" صريح في أنه ليس المراد إثبات عين واحدة ليس إلا فإن ذلك عور ظاهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهل يفهم من قول الداعي "اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام" أنها عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف.

قال خلف بن تميم حدثنا عبد الجبار بن كثير قال قيل لإبراهيم بن أدهم هذا السبع فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا يعني فاذهب فضرب بذنبه وولى مدبرا فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال قولوا اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام وأكنفنا بكنفك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا ولا نهلك وأنت الرجاء. قال عثمان الدارمي الأعور ضد البصير بالعينين وقد قال النبي في الدجال "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور" وقد احتج السلف على إثبات العينين له سبحانه بقوله { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [33] وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في المقالات والموجز والإبانة وهذا لفظه فيها وجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى أن قال وإن الله مستوي على عرشه كما قال { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [34] وأن له وجها كما قال { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ } [35] وأن له يدين كما قال { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [36] وقال { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ } [37] وأن له عينين بلا كيف كما قال: { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [38] فهذا الأشعري والناس قبله وبعده ومعه لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة على وجه ولم يفهموا من الأيدي أيديا كثيرة على شق واحد حتى جاء هذا الجهمي فعضه القرآن وادعى أن هذا ظاهره وإنما قصد هذا وأمثاله التشنيع على من بدعه وضلله من أهل السنة والحديث وهذا شأن الجهمية في القديم والحديث وهم بهذا الصنيع على الله ورسوله وكتابه يشنعون { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [39] فما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا بما نطقت به النصوص وأمسكوا عما أمسكت عنه ووصفوا الله بما وصف به نفسه ووصفه رسوله وردوا تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية الفتنة وأطلقوا أعنة المحنة وقالوا على الله وفي الله بغير علم فردوا باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن الله ورسوله فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ودعى الأمة إلى الإيمان بها ومعرفتها ونهاهم عن تحريفها وتبديلها فدعوا التشنيع بما تعلمون أنتم وكل عاقل منصف أنه كذب ظاهر وإفك مفترى لا يعلم به قائل يناظر عن مقالته فهل تدفعون عن أنفسكم التعطيل ونفي حقائق صفات الكمال عن رب العالمين وأنها مجاز لا حقيقة لها وأن ظاهرها كفر وتشبيه وإلحاد فلو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين وكتابه وأسمائه وصفاته منكم بكثير كثير لو كان قولهم يقتضي التنقص فكيف وهو لا يقتضيه ولو صرحوا به فإنهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال ونعوت الجلال ووصفناه بكل صفة كمال فإن لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا نقصا ولا عيبا ولا ذما بوجه من الوجوه فإن لازم الحق حق وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت.

فلو فرضنا في الأمة من يقول له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره لكان أدنى إلى الحق ممن يقول لا سمع له ولا بصر.

ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم.

ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه يتكلم كما يتكلم الآدمي وأن كلامه بآلات وأدوات تشبه آلات الآدميين وأدواتهم لكان خيرا ممن يقول إنه ما تكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يقوم به كلام البتة فإن هذا القائل يشبهه بالأحجار والجمادات التي لا تعقل وذلك المشبه وصفه بصفات الأحياء الناطقين.

وكذلك لو فرضنا في الأمة من يقول له يدان كأيدينا لكان خيرا ممن يقول ليس له يدان فإن هذا معطل مكذب لله راد على الله ورسوله وذلك المشبه غالط مخطىء في فهمه فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقيضا له وجحدا لك8ماله بل ظنا إن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك فقابلتموه بتعطيل كماله وذلك غاية التنقص.

العاشر: أنك أيها الجهمي في فهمك عن الله أن ظاهر كلامه إثبات أيد متعددة على جنب واحد وعيون متعددة في وجه واحد قد ضاهيت النصارى الذين احتجوا على تثليثهم وإثبات آلهة متعددة بظاهر قوله { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا } [40] وأمثاله. وفي هؤلاء أنزل الله تعالى { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة ِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } [41] وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله
قال: "يا عائشة إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" وهذا الفهم الفاسد إنما أتى من قبل عجم القلوب والألسن فهم الذين أفسدوا الدين وشوشوا على الناس وإلا فلغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه وإن أضافوه إلى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه وإن أضافوه إلى اسم مثنى فالأفصح من لغتهم جمعه لقوله تعالى { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [42] وإنما هما قلبان لا غير وقوله { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة ُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [43] وتقول العرب إضرب أعناقهما واقطع ألسنتهما وهذا أفصح استعمالهم وتارة يفردون المضاف فيقولون لسانهما وقلبهما وظهرهما وتارة يثنونه كقوله ظهراهما مثل ظهور الترسين والقرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا بالنصوص وانتهكوا حرماتها وجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين تثنيتين ولا لبس هناك فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه مجموعا أولى بالجواز يدل عليه أنك لا تكاد تجد في كلامهم عينينا ويدينا ونحو ذلك ولا يلبس على السامع قول المتكلم نراك بأعيننا ونأخذك بأيدينا ونحو ذلك ولا يفهم منه بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد وأيديا متعددة على بدن واحد فهل قدر القرآن حق قدره من زعم أن هذا ظاهره.

الوجه الحادي عشر: لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع مفردا ومثنى ومجموعا فالمفرد كقوله { بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [44] والمثنى كقوله { خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [45] والمجموع كقوله { عَمِلَتْ أَيْدِينَا } [46] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليهما فقال { خَلَقْتُ بِيَدَيّ } [47] وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة فروق فلا يحتمل { خَلَقْتُ بِيَدَيّ } [48] من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [49] وأما قوله { خَلَقْتُ بِيَدَيّ } [50] فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت.

وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله { بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [51] { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [52] وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو ما باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمرو إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وذكر الثالثة فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة وقد أخبر النبي أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ آخر كتب لك التوراة بيده وهو من أصح الأحاديث وكذلك الحديث الآخر المشهور "أن الملائكة قالوا يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان" وهذا التخصيص إنما فهم من قوله { خَلَقْتُ بِيَدَيّ } [53] فلو كانت مثل قوله { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } لكان هو والأنعام في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ } موجبا له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [54] خطأ محضا.

وكذلك قول النبي في الحديث الصحيح "يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى" وقوله "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع" وقال تعالى { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة ٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [55] وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في أعلى أهل الجنة منزلة: " أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها" وقال أنس بن مالك قال رسول الله
: "خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون" وقال عبد الله بن الحارث قال النبي: "إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده ثم قال وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث" وفي الصحيح عنه : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة " وكان رسول الله يقول في استفتاح الصلاة: "لبيك وسعديك والخير كله في يديك" وفي الصحيح أيضا عنه : "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها".

وقال عبد الله بن مسعود قال رسول الله
: "الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى" وفي الصحيح عنه : "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفي المسند وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللع عليه وسلم: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم وقال له إذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فذهب فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله تعالى ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته" وذكر الحديث.

وقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله
يقول: "خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. وقال هشام بن حكيم عن رسول الله : "إن الله أخذ ذرية بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار".

وقال عبد الله بن عمرو ولما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخرج منه مثل الذر فقبض قبضتين فقال لما في اليمين في الجنة ولما في الأخرى في النار.

وقال أبو موسى الأشعري عن النبي
: "خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فمنهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والطيب والخبيث".

وقال سلمان الفارسي إن الله تعالى خمر طينة آدم أربعين ليلة أو أربعين يوما ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط بينهما.

وقال أبو هريرة قال رسول الله
: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل متفق على صحته".

وقال أنس قال رسول الله
: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله قال وهكذا وجمع يديه قال زدنا يا رسول الله قال وهكذا قال زدنا يا رسول الله قال عمر حسبك فقال أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا قال عمر إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال النبي صدق عمر".

وقال نافع بن عمر سألت ابن أبي مليكة عن يد الله أواحدة أم اثنتان فقال لا بل اثنتان. وقال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.

وقال ابن عمر وابن عباس أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده. وقال ابن عباس في قوله تعالى { وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } يقبض الله عليها فيرى طرفاها في يده. وقال ابن عمر رأيت رسول الله
قائما على المنبر فقال: "إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرض في قبضته ثم قال هكذا ومد يده وبسطها ثم يقول أنا الله أنا الرحمن" وذكر الحديث. وقال ابن وهب عن أسامة عن نافع عن ابن عمر أن النبي قرأ على المنبر { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [56] قال: "مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة ".

وقال عبيدالله بن مقسم نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع حيث يحكي رسول الله
قال: "يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول أنا الرحمن الرحيم أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول أساقط هو برسول الله وقال زيد بن أسلم لما كتب الله التوراة بيده قال بسم الله هذا كتاب من الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف بإسمي آثما فإني لا أزكي من حلف باسمي آثما.

وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنه لا يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد وله وجه واحد وفيه عيون كثيرة فهذه نصوص القرآن والسنة كما ترى هل يفهم منها مسلم ما ذكره هذا الجهمي أو أحد ممن له أدنى فهم ومن هذا قدر النصوص عنده فهو حقيق بأن لا يقبل منها شيئا ولا ينال منها هدى ولا يظفر منها بعلم وهي في حقه كما قال الله تعالى { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَة ٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا } [57] وقوله تعالى { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَة ٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [58] وقوله { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [59] وقوله { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } [60] والله يعلم أن هذا من أعظم العضه لها والتنقص بها والطعن على من تكلم بها وجاء بها أو يقال له هذا ظاهر كلامك وحقيقته فانظر إلى أقبح التشبيه والتمثيل الذي ادعوا أنه ظاهر النصوص وإلى التعطيل الذي سطوا به عليها وسموه تأويلا فصح أنهم جمعوا بين فهم التشبيه منها واعتقاد التعطيل ونسبة قائلها إلى قصد ما يضاد البيان والإرشاد والله المستعان.

الفصل التاسع
في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها

لما كان الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته وظاهره مخرجا له عن الأصل فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله فعليه أربعة أمور لا تتم له دعواه إلا بها. الأمر الأول بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة.

وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه أن يدعي حمله عليه إذ مقصوده دفع الصائل فبأي طريق اندفع عنه دفعه والنصوص قد صالت على قواعده الباطلة فبأي طريق تهيأ له دفعها دفعها ليس مقصوده أخذ الهدى والعلم والإرشاد منها فإنه قد أصل أنها أدلة لفظية لا يستفاد منها يقين ولا علم ولا معرفة بالحق وإنما المعول على آراء الرجال وما تقتضيه عقولها وأنت إذا تأملت تأويلاتهم رأيت كثيرا منها لا يحتمله اللفظ في اللغة التي وقع بها التخاطب وإن احتمله لم يحتمله في ذلك التركيب الذي تأوله وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء أو الكتاب أو العامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف الرب تعالى وشأنه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات رسوله له وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يجوز ويصلح نسبتها إلى الله ورسوله لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده فإذا علم أن المتكلم لم يرد هذا المعنى وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته وأنه يستحيل عليه من وجوه كثيرة أن يريده استحال الحكم عليه بإرادته فهذا أصل عظيم يجب معرفته ومن أحاط به معرفة تبين له أن كثيرا مما يدعيه المحرفون من التأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لا يصح أن يريده بذلك الكلام وإن كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء وكتاب الإنشاء واللغة من القاصدين التعمية لغرض من الأغراض فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب.

وأن يكون ذلم المعنى مما تجوز نسبته إلى الله وأن لا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل وأن يكون معه قرائن تحتف به تبين أنه مراد باللفظ وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ونحن نذكر لذلك أمثلة:

المثال الأول: تأويل قوله تعالى { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّة ِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [1] بأنه أقبل على خلقه فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ استوى على أقبل على خلقه وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة فإنهم ذكروا معاني استوى ولم يذكر أحد منهم أصلا في معانيه الإقبال على الخلق فهذه كتب اللغة طبق الأرض هل تجدون أحدا منهم يحكي ذلك على اللغة وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إليه وعليه يستلزم وجوده ووجود ما نسبت إليه الاستواء بإلى أو بعلى فلا يقال استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة. وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغاتها ولم يقله أحد من أئمة اللغة وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا يعرف في اللغة ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض والعرش مخلوق قبل خلقها بأكثر من خمسين ألف سنة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما صح عنه وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها في موضعها في هذا الكتاب إن شاء الله.

والمقصود ذكر الوظائف التي على المتأول فعليه أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا.

ويبين تعيين ذلك المعنى ثانيا فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل.

الثالث: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه.

الرابع: الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة.

أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه.

وأما العقلي فمن وجهين عام وخاص فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى.

وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها وأما السمعية فتقارب الف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارجي عن الذهن ثابت في الأعيان أولا فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له وهذا حقيقة قول المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له إذ هو منفصل عنه إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه وحينئذ فإما أن يكون هو هذا العالم أو غيره فإن كان هذا العالم فهو تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود وأنه ليس لهذا العالم رب مباين له منفصل عنه وهذا أكفر أقوال أهل الأرض وإن كان غيره فإما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بالعالم فإن كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته وليس هذا بقيوم السموات والأرض وإن كان قائما بنفسه وقد علم أن العالم قائم بنفسه فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في الأخرى ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن شمالها كلام له خبىء لا يخفى على عاقل منصف والبديهة الضرورية حاكمة بامتناع هذا واستحالة تصوره فضلا عن التصديق به قالوا فنحن نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد من جملة ألف دليل ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كل جهمي على وجه الأرض لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والتنفير والسب وهذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله فدعوا الشناعة بالفرية والكذب والاختلاق هل يمكنكم الخروج من دائرة المعطلين الذين قالوا لو كان للعالم صانع قائم بنفسه لكان إما داخلا فيه أو خارجا عنه وإما متصلا أو منفصلا عنه وإما محايثا له أو مباينا له وإما فوقه أو تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه فحيث لم يثبت له شيء من ذلك استحال أن يكون مغايرا للعالم قائما بنفسه قالوا وهذه العقول والفطر حاضرة إذا عرض عليها ذلك وجدته من باب الجمع بين النقيضين فدعونا من إخراج نصوص الوحي عن حقائقها ودعوى أنها مجازات لا حقائق لها لا تفيد يقينا ولا يستفاد منها علم بما يجب لله ويمتنع عليه البتة إذ هي أدلة لفظية وظواهر غير مفيدة لليقين وأجيبوا هؤلاء المعطلة وأولئك المجسمة بزعمكم وإلا فليستحي من مراجمة الناس بالأحجار من سقف بيته من الزجاج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق