التأويل
الفاسد مفهومه، أسبابه، مراتبه ، تطبيقاته إعداد/د/ياسر بن محمد هوساوي أستاذ أصول الفقه المساعد بمركز الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة جامعة أم القرى / مكة المكرمة
قلت المدون اضغط الرابط التالي ادخل مدونة قانون الحق الإلهي ملخص البحث الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى اله وصحبه ومن ولاه . أما بعد: فهذا ملخص لبحث التأويل الفاسد، يشتمل على أهم ملامح البحث؛ حيث تم تقسيم البحث إلى مقدمة تشتمل على أهمية الموضوع ، وأسباب اختياره ، والدراسات السابقة فيه ، ومنهج البحث. واشتمل البحث على تمهيد في أنواع الكلام ومراتب الإدراك ، وعلى ثلاثة مباحث ؛ المبحث الأول : في مفهوم التأويل ، وفيه مطالب ثلاثة، الأول : في التأويل لغة ، والثاني : في التأويل اصطلاحا، والثالث : في أنواع التأويل. أما المبحث الثاني ؛ ففي التأويل الفاسد، واشتمل على ثلاثة مطالب، الأول : في مفهوم التأويل الفاسد، والثاني: في أسباب التأويل الفاسد، والثالث : في مراتب التأويل الفاسد. وأما المبحث الثالث والأخير؛ ففي الجانب التطبيقي . وفيه دراسة تطبيقية لعدد من التأويلات الفاسدة ، مع بيان سبب فسادها ومرتبة التأويل. وقد خلصت في هذا البحث إلى نتائج ، من أهمها: بيان خطورة هذا الأصل ، وكثرة الزلل فيه ، هـما يستوجب التأني والتريث فيه ، ويستدعي الإكثار من التطبيق للتمرن عليه. إن للتأويل الفاسد أسبابا، من أهمها: عدم الدلي!،، أو اشتباه ما ليس بدليل بالدليل ، وعدم التناسب بين الدليل من حيث القوة والضعف مع الاحتمال من حيث القرب والبعد، وعدم احتمال اللفظ للمعنى المرجوح، وقلة الدرية على التأويل ، أو الاستعجال في الحكم على صحة التأويل . وكذلك ، فإن من أهم أسباب التأويل الفاسد نصم ة أصول المذهب أو المعتقد على حساب المسألة. وكللك ، فإن من أعظم مفاسد التأويل الفاسد عوده على أصله بالبطلان . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آلة وصحبه وسلم. خطة البحث تشتمل خطة البحث على مقدمة ، وتمهيد، وثلاثة مباحث ، وخاتمة. المقدمة : وفيها: 1- أهمية الموضوع . 2- أسباب اختياره . 3- الدراسات السابقة. 4- منهج البحث. التمهيد: في أنواع الكلام ومراتب الإدراك . - المبحث الأول : مفهوم التأويل . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول : التأويل لغة. المطلب الثاني : التأويل اصطلاحا. المطلب الثالث . أنواع التأويل . - المبحث الثاني : التأويل الفاسد، مفهومه ، وأسبابه ، ومراتبه . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول : مفهوم التأويل الفاسد. المطلب الثاني : أسباب التأويل الفاسد. المطلب الثالث : مراتب التأويل الفاسد. المبحث الثالث : في الجانب التطبيقي. وفيه دراسة تطبيقية لعدد من التأويلات الفاسدة ، مع بيان سبب فسادها ، ومراتبها. الخاتمة : في أهم النتائج والتوصيات . المقدمة الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آلة وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أهم وأخطر قواعد أصول الفقه قاعدة التأويل ؛ ((إذ لم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد))([1])، ولخطورة هذا الموضوع أكثر العلماء من التحذير من الوقوع فيه ؛ فهو من مواطن اتباع الشبه ، وقد يقع الشخص فيه وهو يظن أنه يتبع الدليل ، بينما هو متبع لهواه ، أو متعصب فيه لمذهب ، أو متعلق فيه بأصل عقدي لا يرى الحيدة عنه. ومن هنا كان من اللازم بيان هذا الأصل ، وإشباع هذه القاعدة بذكر مفهوم التأويل ، وإبراز أسباب التأويل الفاسد، ومراتبه ، وتطبيقاته ؛ ليتسنى الاحتراز عنها؛ ولتكتمل الصورة المقابلة له وهي صورة التأويل الصحيح، فكثيرا ما يؤصل العلماء للتأويل الصحيح ، ويكتفون به ، مع أن الخوض في بيان التأويل الفاسد مهم ؛ لبيان التأويل الصحيح ، لوضع حد مانع من الانزلاق في التأويل الفاسد. وفي هلا جزء مهم لإبراز أهمية الموضوع التي نزيدها إيضاحا بما يلي: أولا: أهمية الموضوع : تظهر أهمية الموضوع من النقاط التالية: 1- أن تجلية التأويل الفاسد تسهل على طالب العلم معرفة التأويل الصحيح ؛ فبضدها تتميز الأشياء. 2 - خطورته وكثرة الزلل فيه ، سواء أكان ذلك في أصول الدين أم في فروعه. 3 - شدة تحذير العلماء منه ، وحثهم على التباعد عنه. ثانياً: أسباب اختيار الموضوع : كان من أهم أسباب اختياري لهذا الموضوع ما يلي: ما سبق من أهمية هذا الباب ، وأنه واقع. أن للتأويل ارتباطا وثيقا بعلوم كثيرة ؛ حيث إنه يرتبط بالتفسير، والعقيدة ، والمنطق ، والفقه ، والأصول ، وغيرها من العلوم . وهذا يستدعي بيانه عند علماء كل فن ، وتمييزه عم، كل ما يشتبه به. 3 - أنه باب مهم وقاعدة كبيرة عند علماء الأصول ، يترتب على الاختلاف فيها مسائل فرعية كثيرة . 4 - الخطأ والزلل الذي وقع فيه كثير من العلماء في هذا الباب ، والذي يستلزم بيان أهم أسبابه. وبهذا يظهر جليا شدة الحاجة إلى دراسته دراسة تخصصية ، وقد عنونته بــــ(التأويل الفاسد، مفهومه ، أسبابه ، مراتبه، تطبيقاته). ثالثاً: الدراسات السابقة: لم أقف على دراسة خاصة بالتأويل الفاسد، -حسب اطلاعي على مراكز البحث وفهارس المكتبات . لكن وقفت على بحث في التأويل بعنوان : (التأويل عند أهل العلم) للحسن بن علي الكتاني الأثري ، وهو بحث مختصر منشور على الإنترنت، تعرض فيه لمعنى التأويل لغة واصطلاحا، ولشروط التأويل الصحيح، وللتأويل في العلوم الإسلامية ؛ في أصول الدين ، والعقيدة ، والتفسير. ثم وقفت على رسالة ماجستير بعنوان : (التأويل بين ضوابط الأصوليين وقراءات المعاصرين دراسة أصولية فكرية معاصرة )، لإبراهيم محمد طه بويداين ، بإشراف الدكتور حسام الدين عفانة ، جامعة القدس . ولم يتعرضا للتأويل الفاسد إلا في أسطر قليلة ، حين تكلما عن أنواع التأويل ، ولم يذكرا أسباب التأويل الفاسد، ولا مراتبه ، ولا تطبيقاته. ووقفت على بحث بعنوان : (ضوابط التأويل عند الأصوليين) لعبدالمجيد محمد السوسوة ، تكلم فيه عن تعريف التأويل ، وعن اهم ضوابطه ليكون صحيحا. ولم أقف على بحث يخص التأويل الفاسد. رابعا: منهج البحث: يتلخص المنهج الذي اتبعته في كتابة البحث في النقاط التالية: توثيق النصوص المنقولة من الكتب بالإشارة إلى مصادرها. عزو الآيات بذكر اسم السورة ورقم الآية ، وكتابتها بالرسم العثماني. تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب من مصادر السنة ؟ فإن ورد في الصحيحين أو في أحدهما فإنني أكتفي بتخريجه منهما أو من أحدهما، وما ورد في غيرهما فإنني أجتهد بذكر كلام العلماء فيه من مصادر السنة، وتخريج الأثار من كتب الأثار والمصنفات ما أمكن. التركيز على دراسة التأويل الفاسد، وبيان سبب فساده ليزداد التأويل الصحيح وضوحا. الترجمة للعلماء الوارد ذكرهم في البحث ترجمة موجزة . ربط التأصيل بالتطبيق ؛ إحياء وتجديدا لعلم أصول الفقه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى اله وصحبه وسلم. التمهيد في أنواع الكلام ومراتب الإدراك . وفيه فرعان : الفرع الأول في أنواع الكلام : الكلام عند العرب هو الألفاظ التي يتحدثون بها، سواء أكانت ذات معنى أم لا، سواء أفادت معنى معينا أم لا. وبهذا ينقسم الكلام - من حيث إفادته لمعنى من عدمها - إلى قسمين: القسم الأول : الكلام المفيد، كقولك : جاء زيد. القسم الثاني : الكلام غير المفيد، كقولك : جاء مثلا، فإنه لفظ مفرد لا يفيد معنى بمفرده ، وكقولك ديز مقلوب زيد؛ فإنه أيضا لا يفيد معنى؛ لأنه مهمل لم تستعمله العرب . ويحمل أهل الاختصاص باللغة الكلام على النوع الأول ، وهو الكلام المفيد المركب من كلمتين فأكثر؛ كالمبتدأ والخبر، نحو: زيد جالس، والفعل والفاعل ، نحو : قام زيد، وحرف النداء والمنادى ، نحو : يا عمرو. فإن كان أقل من لفظتين فهو كلمة ، وسواء كانت اسما، نحو : زيد، أو فعلا، نحو : قام ، أو حرفا، نحو : هل. وإن كان أكثر من كلمتين فهو كلم سواء أفاد ، نحو: ضرب محمد زيدا، أم لم يفد، نحو: إن جاء زيد ([2]). ثم إن القسم الأول من الكلام - وهو المفيد - ينقسم إلى ثلاثة أقسام عند علماء الأصول : نص ، وظاهر، ومجمل ([3])؛ وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون له معنى واحد، أو يكودن له أكثر من معنى ، فإن كان له معنى واحد فهو النص ، هـان كان له معنيان ، فلا يخلو من أن يكونا أحد المعنيين أرجح من الأخر، فهو الظاهر، أو أن يكونا مستويين، فهذا هو المجمل. فالنص يفيد المعنى بنفسه من غير احتمال ([4]) . نحو قوله تعالى : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) (البقرة: 196)، فحكم هذا القسم هو: أن يصار إليه ويعمل به في معناه ، ولا يترك العمل به إلا بنسخ ، وذلك كقول عائشة "رضى الله عنها" : كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن ، فنسخن بخمس معلومات . فهنا يعدل عن العشر إلى الخمس ؛ لوجود الناسخ ([5]) . والظاهر: ما يسبق منه عند الإطلاق معنى معين مع تجويز غيره . نحو قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (البقرة : 43) فالمعنى الظاهر في الصلاة عند إطلاقها في النصوص الشرعية هي : الصلاة الشرعية ، التي هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم ، مع وجود الاحتمال لمعنى آخر وهو الدعاء كما في المعنى اللغوي للصلاة. وحكمه : أن يصار إلى معناه الظاهر ويعمل به فيه ، ولا يعدل عنه إلى المعنى المرجوح إلا بتأويل صحيح ؛ حيث يصبح المرجوح هو الراجح، ويسمى الظاهر بالدليل ، وبالمؤول ، وهو يقابل الظاهر، ومثاله قول النبي –صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطراً فليطعم ، وإن كان صائما فليصل "([6]). فالظاهر في قوله "صلى الله عليه وسلم" : "فليصل" الصلاة الشرعية التي سبق تعريفها، لكن السياق الحالي يمنع من حمل الحديث على معناه الظاهر، فيحمل هنا على المعنى المرجوح؛ لوجود القرينة؛ ولورود رواية أخرى تفسر هذه الرواية ، وهي قوله –صلى الله عليه وسلم: "فليدع"([7]) بدل : "فليصل". والمجمل : هو اللفظ الذي يحتمل معنيين فأكثر لا مزية لأحدها عن الآخر ([8]). مثل لفظة العين فإنها تحتمل أكثر من معنى ، فتحتمل العين الباصرة ، والجارية ، والذهب ، والشمس ، والجاسوس ، والذات . فحكمه أن يتوقف فيه حتى يتبين المعنى المراد بدليل خارجي. مثاله قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) (البقرة:228)؛ فلفظ القرء متردد بين الحيض والطهر، فلا بد من مرجح خارجي، ومن الأدلة التي استدل بها القائلون بأن القرء هو الحيض ، قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ) ( الطلاق: 4)؛ فقد جعل الله الشهور في الآيسة بدل الحيض. وبقول النبي "صلى الله عليه وسلم" للمستحاضة : ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) ([9])، والتي تدع الصلاة هي الحائض. ويقابل المجمل المبين ؛كتبيين النبي "صلى الله عليه وسلم " للصلاة والحج وغيرها بفعله؛ لورودها مجملة في القران. بعد هذا العرض السريع لأقسام الكلام أردفه بعرض، آخر سريع لمراتب الإدراك في فرع ثان. الفرع الثاني : في مراتب الأدراك ([10]): إن للإدراك خمس مراتب: الأولى : مرتبة العلم أو اليقين : وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع كالإدراك بوجود مكة. والعلم على مستويين: ضروري : لا يحتاج إلى نظر واستدلال ؛ كإدراك أن الواحد نصف الاثنين. ونظري : يحتاج إلى نظر واستدلال ؛ كإدراك أن الواحد نصف سدس الاثني عشر. ويدخل النص في هذه المرتبة. الثانية : الظن : وهو إدراك الطرف الراجح بين معنيين فأكثر. ويدخل الظاهر في هذه الرتبة. الثالثة : الشك : وهو التردد بين أمرين بدون مرجح ، أو تساوي الطرفين بلا مرجح ؛ كأن يشك في الصلاة أصلى ثلاثاً أم أربعاً. ويدخل المجمل في هذه المرتبة. الرابعة : الوهم : وهو إدراك الطرف المرجوح ، فإن كان هذا الإدراك ناشئا عن دليل صحيح فهو التأويل الصحيح الذي نسعى بهذا البحث إلى تحريره وتمييزه عن كل أنواع التأويل الفاسد. الخامسة : الجهل : وهو على مستويين: الجهل البسيط : وهو عدم إدراك الشخص للشيء، مع علمه بانه يجهله ؛ كأن يسأل عن شيء يجهله ، فيقول: لا أعلم. الجهل المركب : وهو عدم الإدراك وعدم العلم بعدم الإدراك . فهو لا يدري ، ولا يدري أنه لا يدري ، كأن يسال عن الوقوف بعرفة ، فيجيب بأنه من شروط الصلاة مثلا. وفيه يقول الشاعر: أليس من البلوى بأنك جاهل وأنك لا تدري بانك لا تدري إذا كنت لا تدري ولست كمن درى فكيف إذا تدري بأنك لا تدري بهذا العرض تتبين أمور؛ منها: 1- أن التأويل مقابل للظاهر، فموطن التأويل الظواهر من العموم والمطلق والأمر والنهي ، والقياس وغيرها؛ فتأويل العموم بالتخصيص، وتأويل المطلق بالتقييد، وتأويل الأمر بصرفه عن ظاهره وهو الإيجاب إلى الندب أو الإباحة أو غيرهما ([11])، وتأويل النهي عن ظاهره وهو التحريم إلى الكراهة ، وتأويل المنسوخ بالناسخ وغير ذلك. 2 - أن التأويل لا يكون في النص الذي ليس فيه احتمال ، ولا يكون في اللفظ المجمل الذي تساوت فيه المعاني . ولو ذكر التأويل في نص أو مجمل فهو تجوز. 3 - أن النص يقابل العلم واليقين في مراتب الإدراك ، والظاهر يقابل الظن ، والمجمل يقابل الشك ، والتأويل يقابل الوهم إن كان فاسدا، والظن إن كان صحيحا. المبحث الأول مفهوم التأويل وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول : التأويل لغة. المطلب الثاني : التأويل اصطلاحا. المطلب الثالث : أنواع التأويل . المطلب الأول:التأويل لغة التأويل في اللغة : تفسير ما يؤول إليه الشيء ، وقد أولته وتأولته بمعنى ([12]). ولا يصح إلا ببيان غير لفظه ([13]). وآل يؤول ، أي : رجع. ويقال : "أول الحكم إلى أهله "، أي : أرجعه ورده إليهم ([14]). وآل اللبن يؤول أؤلاً وأوولاً: خثر. وكذلك النبات. آل اللبن على الإصبع، وذلك أن يروب فإذا جعلت فيه الإصبع قيل: آل عليها. وآل القطران : إذا خثر، وآل جسم الرجل : إذا نحف ، وهو من الباب، لأنه يحور ويحرى ، أي : يرجع إلى تلك الحال. والإيالة : السياسة من هذا الباب لأن مرجع الرعية إلى راعيها. وآل الرجل رعيته يؤولها: إذا أحسن لسياستها. . . ومن هذا الباب تأويل الكلام ، وهو عاقبته وما يؤول إليه ، وذلك قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) (الأعراف :53). يقول : ما يؤول إليه في وقت بعثهم ونشورهم ([15]). المطلب الثاني:التأويل اصطلاحا تعددت تعريفات التأويل ؛ فبعض العلماء يقصر تعريفه على التأويل الصحيح ، وبعضهم يعرفه بجميع أنواعه ، ومن تلك التعريفات: "صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا". أو "حمل الظاهر على المعنى المحتمل المرجوح" ([16]). والتأويل على هذا المعنى متعارف عليه عند المتأخرين من الأصوليين؛ إذ الأصل حمل الكلام على ظاهره ، وإذا قام دليل على أن ظاهره غير مقصود لصاحب الخطاب ، لزم حمله على ما قام الدليل على أنه مقصوده من بين تلك المعاني التي يحتملها خطابه ، بالوضع اللغوي ، أو العرفي ، ولم يرد التأويل عند المتقدمين إلا بمعنيين ، الأول : التفسير وهو غالب اصطلاح المفسرين ، والثاني : بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، وهذ الأخير هو عين ما هو موجود في الخارج ([17]). شرح التعريف ([18]): قوله : "صرف" : جنس في التعريف يشمل صرف الفظ وصرف المعنى. قوله : "اللفظ": قيد أول يخرج صرف المعاني. قوله : "عن ظاهره " وهو المعنى الراجح ، وهو قيد ثان يخرج النص؛ لأنه لا يحتمل معنى اخر، ويخرج المجمل ؛ لأن المعاني فيه متساوية. قوله : "لدليل" قيد ثالث في التعريف يخرج صرفه عن ظاهره لغير دليل، فلا يسمى تأويلا عند بعض العلماء، ويسمى تأويلا فاسدا عند بعضهم ([19])، وهذا القيد لبيان شرط التأويل الصحيح ، وهو التأويل الناشئ عن دليل. قوله "يصير به المرجوح راجحا" يفيد بان المعنى المرجوح تقوى بالدليل ؛ فصار راجحا وظاهرا، بعدما كان مرجوحا ووهما. وأما التعريف الثاني فقريب من الأول ، إلا أنه شامل لنوعي التأويل الصحيح والفاسد؛ لأنه لم يقيد بالدليل ([20]). المطلب الثالث:أنواع التأويل سبق التلميح في تعريف التأويل إلى أنواع التأويل، وذلك أن التأويل إما أن يكون بدليل فهذا هو النوع الأول وهو التأويل، الصحيح ، وإما أن يكون بغير دليل فهذا هو التأويل الفاسد. إذا التأويل صحيح وفاسد ([21]). وينقسم كل منهما - من حيث قوة الدليل الذي - ضد التأويل وضعفه- إلى: مقطوع به : إذا كان الدليل العاضد للتأويل يفيد القطع. وغير مقطوع به : إذا كان الدليل العاضد للتأويل يفيد الظن ([22]). المبحث الثاني التأويل الفاسد وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول : مفهوم التأويل الفاسد. المطلب الثاني : أسباب التأويل الفاسد. المطلب الثالث : مراتب التأويل الفاسد. المطلب الأول: مفهوم التأويل الفاسد الكلام في هذا المطلب متمم للكلام عن المبحث السابق ؛ حيث إنه سبق الكلام على مفهوم التأويل عموماً، وفي هذا المطلب بيان للتأويل الفاسد على وجه الخصوص. فقد فرق بعض علماء الأصول كما سبق بين التأويل الصحيح والفاسد بوجود الدليل؛ فإذا كان الحمل للفظ على المعنى المرجوح بدليل فهو صحيح ؛ وإذا كان الحمل له بدون دليل فهو فاسد. وعلى هذا يكون تعريف التأويل الفاسد هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المرجوح بلا دليل. وتقييد التأويل الفاسد بكونه بلا دليل هو تقييد له بأقوى أسبابه ، مع ذلك فإن فساد التأويل قد يكون مع وجود دليل ، لكنه لا يتناسب مع قوة الاحتمال فيبطل التأويل أيضا. ولذلك فإنني أرى زيادة قيد (مناسب) بعد (بلا دليل ) فيصير التعريف: صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المرجوح بدليل غير مناسب. المطلب الثاني: أسباب التأويل الفاسد للتأويل الفاسد أسباب ، من أهمها ما يلي: الأول : عدم الدليل الصارف للفظ إلى المعنى المرجوح: والمقصود بعدم الدليل عدمه بالكلية ، أو وجود ما يشبه الدليل ، وهو في الحقيقة ليس دليلا، وهو اقوى أسباب فساد التأويل ؛ لأن الأصل إعمال الظاهر؛ لأنه ظن راجح ، والعمل بالظن الراجح واجب ، فلا يصار إلى التأويل - وهو عمل بالمرجوح - إلا بدليل يرجح كفته على الظاهر الراجح. الثاني : عدم التناسب بين الدليل والاحتمال من حيث القوة والضعف: إذا احتمل اللفظ معنيين فأكثر؛ فإن الاحتمال المرجوح قد يكون قريبا؛ بحيث يمكن حمل اللفظ عليه بدليل قريب ، وقد يكون الاحتمال بعيدا؛ فيحتاج إلى دليل قوي ، وقد يتوسط الاحتمال فيحتاج إلى دليل متوسط. لكن لو كان الاحتمال بعيدا، فلا بد من دليل قوي، ولا يكفي فيه أن يكون الدليل متوسطا أو قريبا، وكذلك إذا كان الاحتمال متوسطا، فلا يكفي فيه الدليل القريب ، بل لا بد من أن يكون الدليل متوسطا أو قويا، وأما الاحتمال القريب فيكفي فيه الدليل القريب ، ومن باب أولى أن يحمل عليه اللفظ إذا كان الدليل متوسطا أو قويا. وهذا السبب يفهم من تقسيمهم للاحتمال المرجوح الناشئ عن اللفظ إلى قريب وبعيد ومتوسط ، واشتراطهم أن يكون الدليل مناسبا له في القوة. إذا فاختلاف التناسب بين قرب وبعد المعنى المش مل وبين قوة الدليل وضعفه سبب من أسباب فساد التأويل. الثالث : ألا يحتمل اللفظ المعنى المرجوح لغة أو في عرف الاستعمال أو عادة صاحب الشرع ([23]): ويحصل ذلك بأحد أمور: 1- أن يكون اللفظ نصاً، والنص لا يحتمل معنى أخر، فهو يفيد المعنى المذكور من غير احتمال. 2 - أن يكون اللفظ مجملا، والمجمل يحتمل معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، فليس فيه معنى مرجوح ؛ ولذلك فإن ترجيح أحد المعاني بدليل لا يعد تأويلا، بل بيانا للمجمل. ولا يتطرق التأويل إلى النص والمجمل ([24]). 3 - ألا يحتمل اللفظ المعنى مطلقا، فيأتي المؤول بمعنى لا يحتمله اللفظ. الرابع : قلة الدربة عليه ، أو الاستعجال في التحقق منه: لا شك في أن أحد أهم أسباب الوقوع في التأويل الفاسد هو قلة الدربة عند كثير من طلاب العلم ، فهذا الباب دقيق عسير، ينبغي لطالب العلم أن يكثر من التدرب عليه ، وذلك بمراجعة تطبيقات العلماء السابقين في هذا الباب؛ فكتبهم مليئة بتطبيقات التأويل ؛ الصحيح منها والفاسد. ثم على طالب العلم أن يطبق ما تعلمه من قواعد هذا الباب على النصوص الشرعية ، فالإكثار من التطبيق مهم لترسيخ ملكة هذا الباب. وقد جرت عادة الأصوليين بذكر ضروب من التأويلات هاهنا، كالرياضة للأفهام ، ليتميز الصحيح منها عن الفاسد، حتى يقاس عليها، ويتمرن الناظر فيها ([25]). ومع ذلك فإن الخطأ في هذا الباب وارد، فقد أخطأ في هذا الباب كثير من العلماء الأكابر. وعليه ؟ فإن التأني والتحقق وإدامة النظر مطلوبة في هذا الباب ، لكثرة الزلل فيه. الخامس : امتدادات المسالة المؤولة وأصولها العقدية أو الفقهية: قد يقع الشخص في التأويل الفاسد نظرا لارتباط المسالة الفقهية بأصل عقدي ؛ ولذلك يلجأ كثير من المؤولين إلى التأويل الفاسد ليتناسب مع أصولهم العقدية الفاسدة ، وهذا واضح في كثير من تأويلات المعتزلة والأشاعرة ، أو بعض أصحاب المذاهب الفقهية. قال الزركشي ([26]): "واعلم أن تقديم أرجح الظنين عند التقابل هو الصواب ، غير أنا نراهم إذا انصرفوا إلى الظن تمسك بعضهم بهذا القانون ، ومن أسبابه اشتباه الميل الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل من الإلف والعادة والعصبية ؛ فإن هذه الأمور تحدث للنفس هيئة وملكة تقتضي الرجحان في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظر بذلك، ويتوهم أنه رجحان الدليل. وهذا محل خوف شديد، وخطر عظيم ، يجب على المتقي الله أن يصرف نظره إليه ، ويقف فكره عليه "([27]). السادس : عود التأويل على أصله بالبطلان : فإذا عاد التأويل على أصله بالبطلان والنقض فهو فاسد لإفساده للأصل. وسيأتي التمثيل عليه في المبحث التطبيقي إن شاء الله. المطلب الثالث: مراتب التأويل الفاسد ([28]) كما أن للتأويل الصحيح مراتب فكذلك للتأويل الفاسد مراتب. فهناك تأويل فاسد قريب وبعيد ومتوسط بينهما، وهي راجعة لقوة ظهور اللفظ ، أو لضعف دليله ، أو لهما معا ([29])، وإلى التناسب بينهما. فالتأويل الفاسد البعيد: هو ما كان الاحتمال فيه بعيدا والدليل فيه غير قوي ، أو متوسطا والدليل فيه ضعيف. وعكسه التأويل الفاسد القريب ؛ بأن يكون الاحتمال قريبا والدليل فيه ضعيف. والمتوسط بينهما. وتقدير التأويل بهذه المراتب أمر نسبي يرجع إلى تقدير المجتهد لقوة الدليل ومناسبته للتأويل ؛ فقد يرى مجتهد الدليل قويا، ولا يراه مجتهد أخر قويا، وكل مسألة لها ذوقها الخاص بها ([30]). "والكلام في هذا المكان كالميزان ؛ فلو فرضنا ميزاناً في إحدى كفتيه عشرة أرطال ، وفي الكفة الأخرى ثلاثة أرطال ، احتجنا لتعديلهما إلى سبعة أرطال ، وهو نظير الاحتمال المرجوح مع الدليل القوي . وإذا كان في الكفة المرجوحة سبعة أرطال ، احتجنا في تعديلهما إلى ثلاثة أرطال ، وهو نظير الاحتمال الراجح مع الدليل اللين . وإذا كان في الكفة المرجوحة خمسة أرطال أو ستة أرطال ، احتجنا في التعديل إلى خمسة أو أربعة أرطال ؛ فالتفاوت هاهنا متوسط، وهو نظير الاحتمال المتوسط مع الدليل المتوسط "([31]). المبحث الثالث: في الجانب التطبيقي في هذا المبحث سأذكر عددا من الأمثلة التطبيقية على التأويل الفاسد، مع بيان سبب فساد التأويل ؛ ليتسنى الربط بين السبب والمسبب ، وكذلك سأذكر مرتبته من حيث البعد والقرب. المثال الأول : قول النبي "صلى الله عليه وسلم" لغيلان بن سلمة ([32]) حين أسلم وتحته عشر نسوة : "أمسك أربع منهن ، وفارق من سواهن" ([33])، فالظاهر من قوله : (( أمسك)) أبق واستدم ، ويحتمل معنى الانقطاع وابتداء نكاح جديد، فيحتاج إلى دليل فعضد بالقياس ، وهو قياس العقد على نساء قبل الإسلام بالعقد عليهن بعده ، وأنه ليس بعض النساء أولى بالإمساك من بعض ([34]). إلا أن في الظاهر قرائن عضدته ، وزادته قوة ، حتى كاد يكون نصا؛ ولذا امتنع تأويله ، ومن تلك القرائن: أن المعنى المتبادر إلى الأذهان من الإمساك هو الاستدامة والإبقاء، لا الانقطاع والابتداء، ولو كان الانقطاع والابتداء هو المتبادر لفهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، ولفهمه كل من جاء بعدهم. أنه "صلى الله عليه وسلم" فوض الإمساك والمفارقة إلى اختيار الرجل ، ولو كان الإمساك بمعنى الانقطاع والابتداء لما صح النكاح إلا برضا المرأة وأوليائها. أنه لو كان الإمساك بمعنى الانقطاع والابتداء لذكر النبي "صلى الله عليه وسلم" شرائط النكاح لهذا الرجل ؛ لأنه حديث عهد بالإسلام ، وهو أحوج ما يكون إلى بيان تلك الشروط والحالة هذه، فلما بين له عدم جواز إبقاء العشر، ولم يبين له شرائط النكاح في الإسلام دل ذلك على أن معنى الإمساك : الاستدامة والإبقاء. أن ابتداء النكاح لا يختص بهؤلاء العشر، بل يجوز له تركهن كلهن ، ونكاح من شاء من النساء، فلما قال له : (( أمسك أربعاً منهن )) ذلك على أن المراد الاستدامة والإبقاء ([35]). وهذا مثال للتأويل الفاسد البعيد، وذلك نظراً لقوة الظاهر، أو لاجتماع قرائن كثيرة تقوي الظاهر، فيحتاج فيه إلى أدلة قوية تقوي المعنى المرجوح. وفي ظني ان هذه المرتبة يحتاج فيها أحيانا إلى أكثر من دليل لتقوية الاحتمال المرجوح أو الظاهر. والسبب لجعله من التأويل الفاسد هو: عدم التناسب بين الاحتمال ، والدليل ؛ فالاحتمال بعيد، والدليل عليه ضعيف. المثال الثاني: قول النبي "صلى الله عليه وسلم" : ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل " ([36])، فقوله : (( أيما امرأة )) نكرة في سياق الشرط ، فتعم كل امرأة ، فظاهر الحديث العموم . وأوله الحنفية بالأمة لأن أمرها بيد سيدها، ثم عدلوا عن هذا القول لما جاء في آخر الحديث من قوله "صلى الله عليه وسلم" : "فلها المهر بما استحل من فرجها"، ومعلوم أن الأمة لا تملك شيئا، فحملوا الحديث على المكاتبة، وعضدوا قولهم بالقياس على الرجل ، فكما أن الرجل يتولى العقد، فكذلك المرأة ولا فرق بشهما، وعضدوه أيضا بالقياس على المال ، فكما أن المرأة يصح منها التصرف في مالها بالبيع والشراء والهبة ، فكذلك يصح منها تولي عقد النكاح . إلا أن في الحديث قرائن عضدت الظاهر، وهي: القرينة الأولى : قوة العموم ويدل على قوته أمور: أنه صدر باي وهي من أدوات الشرط ، وأدوات الشرط من أقوى صيغ العموم حيث إنه لم يتوقف فيها جماعة ممن توقفوا في بعض صيغ العموم . أن العموم مؤكد بما، وهي من مؤكدات العموم ، والمستقلة أيضا بإفادة العموم . أنه رتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء. أن العرب لو أرادوا التعبير بلفظ يفيد العموم لما جادت قرائحهم بأفصح من هذا اللفظ. القرينة الثانية : أن المكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء، وليس من عادة العرب إرادة الشاذ النادر باللفظ الذي يظهر فيه العموم . القرينة الثالثة : ان الصحابة "رضى الله عنه " لم يفهموا من الحديث المكاتبة ، ولو فهموه لوصلنا فهمهم. القرينة الرابعة : أن لا يتبادر إلى ذهن أي سامع فرب هذا الزمان من هذا اللفظ المكاتبة ، ولو قال قائل : أريد بهذا اللفظ المكاتبة لكان كلامه لغزا لا يفهمه إلا هو، ولو قال قائل : لا اربد بهذا اللفظ المكاتبة لم يستنكر منه استبعادها، فكيف يقصر اللفظ على مثل هذا، مع البعد الشديد الذي فيه ([37]). وهذا أيضاً مثال للتأويل الفاسد البعيد؛ لقوة الظاهر؛ ولاجتماع قرائن كثيرة تقوي الظاهر، فيحتاج فيه إلى أدلة قوية تقوي المعنى المرجوح. والسبب لجعله من التأويل الفاسد هو" عدم التناسب بين الاحتمال والدليل؛ فالاحتمال بعيد، والدليل عليه ضعيف. المثال الثالث: قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)) ( النساء: 92)، فالظاهر في كفارة القتل الخطأ عدم وجوب الإطعام ؛ لعدم ذكره ، وقد ذكر الإطعام في كفارة الظهار والجماع في رمضان ، فقاس بعض العلماء كفارة القتل الخطأ على كفارة الظهار والجماع في رمضان بجامع أن الكل كفارات وحقوق دثه ، فالقياس هنا يرجح القول بإلحاق الإطعام بكفارة القتل الخطأ على قول من يرى القياس في الكفارات. وهذا مثال على التأويل الفاسد المتوسط ، وسبب فساده عند من يقول بالفساد أنه قياس في الكفارات ، والكفارات لا يجري فيها القياس ، فسبب الفساد راجع إلى امتدادات المسالة الفقهية ، وأصولها؛ فكل واحد من الفريقين بنى هذه المسألة على اصله في القياس على الكفارات والحدود من عدمه. المثال الرابع: قوله "صلى الله عليه وسلم" : "في الغنم في كل أربعين شاة شاة)) ([38])؛ فظاهر النص إجزاء الشاة وعدم إجزاء غيرها ، لكن الحنفية أولوا، وقالوا بجواز إخراج القيمة ، لأن الحكمة من تشريع الزكاة نفع الفقير، وتتحقق هذه الحكمة بالقيمة ([39]). وهذا المثال من التأويل الفاسد القريب فالاحتمال قريب ودليله قريب وسبب فساد التأويل : انه يعود على الأصل بالبطلان؛ لأن الشارع راعى أن يأخذ الفقير من جنس مال الغني ، فيتشاركان في الجنس، وأيضاً إذا كان التقدير قيمة الشاة يكون قولهم بإجزاء الشاة ليس بالنص، بل بالقياس، فيترك المنصوص ظاهراً، ويخرج ثم يدخل بالقياس ([40]). المثال الخامس: قوله "صلى الله عليه وسلم" : ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) ([41]). فظاهر الحديث أنه يحمل على كل صيام ، لكن صيام التطوع يخرج من هذا العموم بحديث أم المؤمنين عائشة ([42]) رضى الله عنها حيث قالت: قال لي رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ذات يوم : ((يا عائشة ، هل عندكم شيء؟))، قالت: فقلت : يا رسول الله ، ما عندنا شيء، قال : "فإني صائم " ([43]). ويبقى غير التطوع داخلا في عموم الحديث ؛ فيجب تبييت النية في صيام رمضان ، وفي القضاء، وفي الكفارات، وفي النذر المطلق. غير أن الحنفية أخرجوا صيام رمضان ، وقالوا بعدم اشتراط تبييت النية فيه ؛ لأنه متعين بوقته المضيق الذي لا يتسع لغيره ، فتكون النية حاصلة فيه بحكم الضرورة ([44]). وهذا تأويل فاسد متوسط ؛ فالاحتمال فيه ليس بعيدا بعد الاحتمال في المثال الأول والثاني ، ومع ذلك فإن الظاهر أقوى ؛ فإن صيام رمضان وجب بإيجاب الشارع ، والإيجاب باق ومستمر كلما وجد سببه - وهو دخول الشهر - فإيجاب تبييت النية فيه أصيل ([45]). وسبب فساد التأويل هو: عدم التناسب بين الاحتمال والدليل؛ فالاحتمال متوسط والدليل متوسط أيضا، لكن إرادة الظاهر أقوى في الحديث. المثال السادس : تأويل الرافضة لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (المائدة: 106). فقد أولوها بأن المراد من غير قبيلتكم ([46]). وسبب فساد التأويل أن اللفظ لا يحتمله ، وهو مثال للتأويل الفاسد الذي يعد تحريفا، وليس من التأويل في شيء. المثال السابع: تأويل الحنفية ([47]) لقوله تعالى : (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) ( المجادلة : 4 ) على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، فبصير المعنى : فإطعام طعام ستين مسكيناً، وعلى هذا فيجوز صرف جميع الطعام إلى مسكين واحد؛ لأن المقصود دفع الحاجة ، وحاجة الستين كحاجة الواحد في ستين يوما، فاستويا في الحكم. وهذا تأويل فاسد بعيد، وسبب فساده : أنه يعود على الأصل بالإبطال ، لظهور قصد العدد، ولفضل الجماعة وبركتهم وتضافرهم على الدعاء للمحسن ، وهذا لا يوجد في الواحد ([48]). المثال الثامن: تأويل الحنفية ([49]) قوله تعالى : (وَلِذِي الْقُرْبَى) ( الأنفال: 41)، على الفقراء منهم ؛ لأن المقصود سد الخلة ، ولا خلة مع الغنى. وهذا تأويل فاسد؛ لعدم التناسب بين الدليل ،!الاحتمال ، فالظاهر- وهو القرابة - قوي ، والدليل - وهو الحاجة - مع التأويل ، وهو حمل اللفظ على القريب الفقير، ليس بقوة الظاهر العام ؛ ولذلك فقد عد بعض العلماء هذا التأويل من التأويل القريب وعده أخرون من التأويل البعيد، والأقرب عندي أنه بعيد ([50]). المثال التاسع: تأويل الرافضة قوله تعالى : ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ) ( النساء: 176)، تأويل الأخت إلى ابن ذكر. فهذا تأويل فاسد بعيد فاللفظ لا يحتمل هذا المعنى. الخاتمة الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى اله وصحبه أجمعين. أما بعد: فأقدم في نهاية هذا البحث بين يدي القارئ أهم النتائج والتوصيات ، وأبدأ بالنتائج. أهم نتائج البحث: 1- خطورة التأويل الفاسد وكثرة الزلل فيه ، سواء أكان ذلك في أصول الدين أم في فروعه. 2 - أن تجلية التأويل الفاسد تسهل على طالب العلم معرفة التأويل الصحيح ، فبضدها تتميز الأشياء. 3 - أن للتأويل ارتباطا وثيقا بعلوم كثيرة ، حيث، إنه يرتبط بالتفسير، والعقيدة ، والمنطق ، والفقه ، والأصول ، وغيرها من العلوم. وهذا يستدعي بيانه عند علماء كل فن، وتمييزه عن ما يشتبه به، فتأكد أنه لا بد من الاهتمام بتمييز المصطلحات ؛ سدا لباب التأويل الفاسد. 4 - ان التأويل باب مهم وقاعدة كبيرة عند علماء الأصول ، يترتب على الاختلاف فيه مسائل فرعية كثيرة . 5 - كما أن للتأويل الصحيح شروطا فللتأويل الفاسد أسباب ، من أهمها : عدم الدليل ، أو اشتباه ما ليس بدليل بالدليل . وعدم التناسب بين الدليل من حيث القوة والضعف مع الاحتمال من حيث القرب والبعد. وعدم احتمال اللفظ للمعنى المرجوح. وقلة الدربة على التأويل ، أو الاستعجال في الحكم على صحة التأويل . وكذلك فإن من أهم أسباب التأويل الفاسد هي نصرة أصول المذهب أو المعتقد على حساب المسألة ، وكذلك عود التأويل على أصله بالبطلان. 6 - للتأويل الفاسد مراتب ، مثل التأويل الصحيح ، وهي مراتب نسبية، راجعة إلى ذوق الناظر إليها. التوصيات: بعد انتهائي من البحث أوصي بما يلي: 1- الاهتمام بالدراسات التطبيقية من القران والسنة على القواعد الأصولية ، لقلة هذه التطبيقات في كتب الأصول. 2 - إقامة مشروع لجمع التأويلات الفاسدة ، مع بيان أسباب فسادها، والعناية بارتباطات المسائل الفقهية والعقدية بالدراسات الأصولية. [1] نقله الزركشي عن ابن برهان . البحر المحيط (3/438). [2] انظر : الإحكام في أصول الأحكام للامدي (1/65). [3] انظر: روضة الناظر (2 / 559). [4] انظر : روضة الناظر (2/560) [5] للنص إطلاقات أخرى ، فيطلق أحيانا على الظاهر، ولا مانع منه ؛ لأن النص في اللغة بمعنى الظهور؛ ومنه : نصت الظبية راسها، إذا أظهرته ، ومنه : سميت المنصة – وهي الكرسي الذي تجلس عليه العروس - لظهورها عليه . وقد يطق النص على ما يتطرق إليه احتمال يعضده دليل وهو التأويل ، لكن الأولى تحديد النص بالمعنى الأول ، حتى لا يقع اشتراك وترادف في اللفظ ، وكل منهما خلاف الأصل ، انظر: روضة الناظر (2/560) وما يعدها. [6] رواه مسلم في كتاب النكاح ، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة ، (2/1054 ) برقم 1431. [7] رواه أبو داود في كتاب الأطعمة ، باب ما جاء في إجابة الدعوة (2/367) برقم 3740، وابن ماجه في كتاب النكاح ، باب إجابة الداعي ، برقم 1914 ، والترمذي في كتاب النكاح ، باب ما جاء في إجابة الداعي (3/404)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (7/6). [8] روضة الناظر (2/570). [9] رواه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب في المرأة تستحاض، (1/121) برقم 281، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/81- 82). [10] انظر هذه المراتب في : أصول الفقه لابن عثيمين ص11. [11] انظر : البحر المحيط (3/444 ) . [12] انظر : الصحاح للجوهري (4/1627) مادة أول ، تاج العروس (14/31). [13] العين (8/369). [14] انظر : مقاييس اللغة لابن فارس (1/159). [15] انظر: تهذيب اللغة (15/456). [16] انظر : البرهان لأبي المعالي الجويني (1/336)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/168) . [17] انظر : مجموع الفتاوى (3/55) و(4 / 68). [18] انظر التعريف محترزاته وشرحه في : شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/168)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (3/461)، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي (2/88)، إتحاف ذوي البصائر للنملة (3/1460). [19] بعض العلماء يسمي التأويل بدون دليل لعبا، والتأويل بما يشبه الدليل تأويلا فاسدا، انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/168)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (3/461)، إرشاد الفحول ص 263، إتحاف ذوي البصائر للنملة (3/1460)، وإفادة المعنى إفادة غير راجحة قدر مشترك بين المجمل والمؤول، إلا أن المجمل ليس مرجوحاً بل مساو. أما المؤول فهو مرجوح ترجح على الراجح بدليل ، ولذلك يطلق عليهما معا المتشابه ، انظر: الإبهاج بشرح المنهاج لابن السبكي (1/214). [20] الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3/50). [21] انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/169)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (3/461)، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي (2/88). [22] انظر : شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/53)، روضة الناظر لابن قدامة (2/564)، شرح العضد (2/169). [23] انظر : الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3/50)، البحر المحيط للزركشي (3/443)، إرشاد الفحول ص 265. [24] انظر: البرهان لأبي المعالي الجويني (1/336)، شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/52)، البحر المحيط للزركشي (3/438). [25] انظر : الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3/60)، البحر المحيط للزركشي (3/444). [26] هو أبو عبد الله بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله ، فقيه أصولي أديب محدث ، مكثر في التصنيف ، وله في الأصول البحر المحيط ، وتشنيف المسامع ، وسلاسل الذهب وكيرها، توفي سنة سبعمائة وأربعة وتسعين ، انظر : طبقات ابن قاضي شهبة (3/167)، شذرات الذهب (6/397)، الأعلام (3/933)، الفتح المبين (2/209). [27] انظر : البحر المحيط (3/438). [28] انظر : روضة الناظر (2/564)، شرح العضد (2/169). [29] انظر : البحر المحيط (3/443). [30] انظر: شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/53)، روضة الناظر (2/569). [31] شرح مختصر الروضة للطوفي (1/564). [32] هو غيلان بن سلمة بن متعب الثقفي ، من أعيان ثقيف ، أسلم عام الفتح ، وتوفي في آخر خلافة عمر "رضى الله عنه". انظر : الإصابة برقم (6956) (8/490)، الأعلام للزركلي (5/124). [33] رواه الترمذي في كتاب النكاح ، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (3/435) برقم (1130)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1/574). [34] وهو قول الحنفية. انظر : تيسير التحرير (1/145)، فواتح الرحموت (2/31). [35] انظر : البرهان لأبي المعالي الجويني (1/346 - 352)، المستصفى (1/391). [36] رواه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الولي (1/634) برقم (2083)، والترمذي في أبواب النكاح ، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (3/407) برقم (1102)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1/558). [37] انظر : البرهان لأبي المعالي الجويني (1/339 -344) [38] رواه أحمد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، رقم (20038)، وأبو داود في كتاب الزكاة ، باب في زكاة السائمة ، (1/494)، برقم (1575)، والنسائي (5/25) برقم (2449). وهو حسن ، انظر : إرواء الغليل (3/263). [39] انظر : تيسير التحرير لأمير باد شاه (146/1)، فواتح الرحموت للأنصاري (2/22)، شرح العضد (2/170)، إتحاف ذوي البصائر للنملة (3/1464). [40] انظر : المستصفى (1/395)، رفع الحاجب لابن السبكي (3/468)، شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع (2/55)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (3/465- 466). [41] رواه أبو داود في كتاب الصيام ، باب النية في الصيام (1/744) برقم (2454) والترمذي في أبواب الصيام ، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل (2/108)، وابن ماجه (1/542)، برقم (1700)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1/388)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (2/73). [42] عائشة بنت أبي بكر الصديق ، زوج النبي "صلى الله عليه وسلم"، تزوجها النبي "صلى الله عليه وسلم" قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهي بنت ست، وابتنى بها في المدينة وهي بنت تسع، تكنى بأم عبد الله ، الصادقة العالمة ، فضائلها لا تحصى . انظر : الاستيعاب (4/1881). [43] رواه مسلم في كتاب الصيام ، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال (2/808) برقم (1154). [44] انظر: تيسير التحرير لأمير باد شاه (1/148)، فواتح الرحموت للأنصاري (2/28). [45] فتح الولي الناصر للضويحي (3/387) [46] انظر : الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (2/407). [47] انظر: تيسير التحرير لأمير باد شاه (1/146)، فواتح الرحموت للأنصاري (2/24). [48] انظر: البرهان لأبي المعالي الجويني (1/361)، رفع الحاجب لابن السبكي (3/460)، البحر المحيط للزركشي (3/447)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (3/464). [49] انظر: تيسير التحرير لأمير باد شاه (1/148)، فواتح الرحموت للأنصاري (2 /28). [50] انظر : البرهان لأبي المعالي الجويني (1/360)، المستصفى (1/407)، رفع الحاجب لابن السبكي (3/477). |
قال الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الظَّوَاهِر الْوَارِدَة ادعاءا بِدُخُولِ الْجَنَّة بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَة فَقَالَ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ اِقْتِصَارًا مِنْ بَعْض الرُّوَاة نَشَأَ مِنْ تَقْصِيره فِي الْحِفْظ وَالضَّبْط لَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَالَةِ مَجِيئِهِ تَامًّا فِي رِوَايَة غَيْره ووافقه البخاري والحسن البصري وسعيد ابن المسيب.والكثير من الورعيين من التابعين من امة محمد.ص.
الجمعة، 22 يونيو 2018
14. مشاركة موقع المنظومة بحث التأويل الفاسد، يشتمل على..
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق