الاثنين، 5 نوفمبر 2018

2 تابع عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن و السنة ودفع الشبهات


(1) الآية 92 المائدة.
(2) الآية 56 النور.
(3) الموافقات 3/38 .
(4) روح المعانى 5/6
(5) أعلام الموقعين 1/48 .
(1/54)
ومما هو جدير بالذكر هنا : أن فرض الله تعالى ، طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعاً. قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } (1) فرب العزة يقرر هنا قاعدة : أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع.
... وأخبر سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم : فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه : { فاتقوا الله وأطيعون } (2).
إنهم رسل الله إلى خلقه ، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه ، فوجب على الخلق أن يطيعوهم ؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول ، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها ؟ ! .
إن عدم الطاعة حينئذ ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر! .
... كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة.
الوجه الثالث : فى آية النساء ؛ دلالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى : { فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول } فالرد إلى الله تعالى ، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته(3)
__________
(1) الآية 64 النساء.
(2) على لسان نوح فى سورة الشعراء الآيات : 108 – 110، وعلى لسان هود فى نفس السورة الآيات : 126 – 131، وعلى لسان صالح فى نفس السورة الآية : 144، وعلى لسان لوط فى نفس السورة الآية : 163، وعلى لسان شعيب فى نفس السورة الآية : 179، وعلى لسان عيسى فى سورة آل عمران الآية 50، وفى سورة الزخرف الآية : 63 .
(3) قاله : ميمون بن مهران فيما رواه عنه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم 2/187، وينظر : الرسالة للشافعى ص80، 81 فقرات رقم 264 – 266 .
(1/55)
وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال بن قيم الجوزية (1).
وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } يعنى: أن الذين يردون التنازع في مسائل دينهم وحياتهم ، دقها وجلها ، جليها وخفيها ؛ إلى كتاب الله عز وجل ، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هم فقط المؤمنون حقاً ؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة ، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم.
...
ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة ، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله ، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم ، ولكنهم لا يفعلون ذلك ، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به.
... قال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } (2) ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه ، وحكم رسوله ، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون.
__________
(1) أعلام الموقعين1/49،وينظر:تفسير عبد الرزاق 1/162 رقم 613، وتفسير ابن جرير 5/151 .
(2) الآية 61 النساء. وقارن بالآيات 47 – 52 من سورة النور.
(1/56)
قال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً } (1) فقد عبر بالمضارع "يطع" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل ، وعبر بالماضى "أطاع" الذى يدل على الوقوع والتحقق ، فمن أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم حالاً، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه صلى الله عليه وسلم، كان فى الحقيقة مطيعاً لمرسله قبل أن يطيعه صلى الله عليه وسلم، ومن عصاه صلى الله عليه وسلم، كان فى الحقيقة عاصياً لمرسله قبل أن يعصيه صلى الله عليه وسلم، لأنه عز وجل مرسله ، وأوجب طاعته، وحرم معصيته(2).
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ في شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله عز وجل(3).
وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله عز وجل : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (4)
وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة.
__________
(1) الآية 80 النساء.
(2) محبة النبى صلى الله عليه وسلم وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص309 .
(3) شرح الزرقانى على المواهب 8/505 .
(4) الآية 7 الحشر. وقد استدل بهذه الآية على أن ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم حجة تجب طاعته فيه، ابن مسعود. ينظر : صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب وما آتاكم الرسول فخذوه 8/498 رقم 4886، كما استدل بها أيضاً عمران بن حصين، ينظر : دلائل النبوة للبيهقى 1/25، 26، ومفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص21، واستشهد بالآية أيضاً الإمام الشافعى على حجية قول الرسول وطاعته. ينظر : مناقب الإمام الشافعى لفخر الدين الرازى ص304، والفقيه والمتفقه للخطيب 1/445 رقم 468 .
(1/57)
فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنهى عن مخالفته
تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلي:
قال سبحانه : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } (1).
فهذا التحذير الشديد من رب العزة : "واحذروا" "فإن توليتم" يدل على خطورة الإعراض
والمخالفة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه صلى الله عليه وسلم ما عليه
إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض
المخالف العاصى ! .
وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه عز وجل ، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؟! .
وقال سبحانه : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (2) وفى تفسير هذه الآية يسوق بن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال : سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه– وأتاه رجل – فقال : يا أبا عبد الله، من أين أحرم ؟ قال : من ذى الحليفة(3) من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : إنى أريد أن أحرم من المسجد. فقال : لا تفعل ! قال : إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال : لا تفعل ! فإنى أخشى عليك الفتنة.
قال : وأى فتنة فى هذا ؟ إنما هى أميال أزيدها.
قال : وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم !
إنى سمعت الله يقول : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو
يصيبهم عذاب أليم } (4).
__________
(1) الآية 92 المائدة.
(2) الآية 63 النور.
(3) المكان الذى يحرم منه أهل المدينة بالحج ، وبه بئر يسمى بئر على، وأصبح الآن يعرف باسم "آبار على" وبه مسجد كبير.
(4) أحكام القرآن لابن العربى 3/1400، 1401 .
(1/58)
هذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سنه، مما
لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصراً على ما جاء به من القرآن فقط ، كما
يزعم أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد ! .
وقال تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } (1).
10- وقال سبحانه : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء
شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا
يكتمون الله حديثا } (2).
11- وقال عز وجل : { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من
بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم } (3).
12- وقال تعالى : { إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم
وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين } (4).
13- وقال سبحانه : { إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين } (5).
إن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم طاعته، والطعن والتشكيك في تلك الطاعة ، يدخل النار، ويورث الذل ، والخزي ، والفتنة، والكبت ، ويحبط العمل ! .
فليختر المرء لنفسه ما يشاء.
وبعد : فهذه نماذج من الآيات القرآنية التي تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة ، وتحذر من مخالفته.
__________
(1) الآية 14 النساء.
(2) الآيتان 40، 41 النساء.
(3) الآية 32 محمد.
(4) الآية 5 المجادلة.
(5) الآية 20 المجادلة.
(1/59)
وهناك آيات أخرى كثيرة تنوعت فى أسلوبها فى الحض على إتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم، لم أتعرض لها خشية الإطالة(1) فما ذكر فيه الكفاية لكل عاقل أهـ.
رابعاً : الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم :
... حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على طاعته، وامتثال أمره، وإتباع ما جاء به، والسير على سنته المطهرة، والإقتداء به في كل ما جاء به عن ربه عز وجل.
... وأحاديثه صلى الله عليه وسلم فى هذا المجال أعطت للأمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما فيها ، واستناروا بها ، تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى.
... وقد امتازت الأحاديث فى هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها ، وتعدد أساليبها ، واشتمال بعضها على الأمثلة التى ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فى هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيداً وتوضيحاً وبيانا ً، بحيث أنها لم تدع مجالاً لمتأول يأولها ، أو محرف يغير معناها بهواه ، ورأيه الفاسد.
... وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها ، اتحدت جميعها فى مضمون واحد : هو التأكيد على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم وإتباع ما جاء به، والترغيب فى ذلك، إضافة إلى التحذير من مخالفته ، وتحريم معصيته ، وبيان الوعيد الشديد فى ذلك.
... والخطاب فى تلك الأحاديث شامل لكل من كان فى عصره صلى الله عليه وسلم، ومن سيأتى بعده إلى يوم القيامة.
__________
(1) إن شئت فانظرها فى : الشفا 2/2 - 13، وشرح الزرقانى على المواهب 8/504 - 536، 9/59 - 159، والمدخل إلى السنة ص77، 98، ودفع الشبهات عن السنة ص8 - 11 كلاهما للدكتور عبد المهدى عبد القادر، ومحبة النبى صلى الله عليه وسلم وطاعته للدكتور خليل ملا خاطر ص107 - 413، وحقوق النبى على أمته للدكتور محمد التميمى ص161 - 178 .
(1/60)
... وسأشير هنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم(1).
قوله صلى الله عليه وسلم : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه" وفى رواية : "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"(2) .
فقوله : "يوشك رجل شبعان… الخ" يحذر بهذا القول من عدم طاعته صلى الله عليه وسلم، مما جاء به وليس له فى القرآن ذكر، وهو مما يؤكد ما سبق ذكره من الآيات ، من أن له صلى الله عليه وسلم، طاعة استقلالية.
وفى الحديث : معجزة ظاهرة للنبى صلى الله عليه وسلم، فقد ظهرت فئة فى القديم والحديث ، تدعوا إلى هذه الدعوة الخبيثة ، وهى الإكتفاء بما جاء فى القرآن الكريم ، دون ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة ، وعدم طاعته فيه. وهدفهم من ذلك هدم نصف الدين، وإن شئت فقل هدم الدين كله. حاسبهم الله بما يستحقون.
__________
(1) ينظر : حقوق النبى صلى الله عليه وسلم على أمته للدكتور محمد التميمى ص179 .
(2) سبق تخريجه ص 25 .
(1/61)
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ، أنه كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : "يا هؤلاء ألستم تعلمون أنى رسول الله إليكم؟" قالوا : بلى، نشهد أنك رسول الله. قال : "ألستم تعلمون أن الله أنزل فى كتابه: من أطاعنى فقد أطاع الله ؟" قالوا : بلى، نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله ، وأن من طاعة الله طاعتك ، قال : "فإن من طاعة الله أن تطيعونى، وإن من طاعتى أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً"(1).
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم، قال : "من أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ، ومن عصى أميرى فقد عصانى"(2).
__________
(1) أخرجه أحمد فى مسنده 2/93، والطبرانى فى الكبير 12/321 رقم 13238ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/67، 5/222، وأخرجه أبو يعلى فى مسنده 9/340 رقم 5450، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) 3/272 رقم 2106 .
(2) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم 13/119 رقم 7131، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها فى المعصية 6/463 رقم 1835 .
(1/62)
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جاءت ملائكة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً، قال : فاضربوا له مثلاً. فقال : بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعى دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا : أولوها له يفقهها ، فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : فالدار الجنة ، والداعى محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمد صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ، ومن عصى محمد صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله ، ومحمد فرق بين الناس"(1).
وعن أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أن النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا(2) فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق"(3).
__________
(1) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم 13/263 رقم 7281 .
(2) أى : ساروا بالليل. النهاية 2/120 .
(3) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم 13/264 رقم 7283، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته 8/53 رقم 2283 .
(1/63)
وعن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد(1) البعير" قال : يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال : من أطاعنى دخل الجنة ، ومن عصانى فقد أبى"(2).
إن هذه الأحاديث السابقة تؤكد وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثال كل ما جاء به فى
سنته المطهرة.
إنها تؤكد ما ورد فى كتاب الله عز وجل ، من أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة ربه عز وجل، وصرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما جاء فى حديث ابن عمر وغيره، وأشهد على ذلك أصحابه الكرام فأقروا ! .
كما تؤكد هذه الأحاديث أن هذه الطاعة هى مفتاح الجنة ، وسبيل النجاة الوحيد التى متى سلكها الإنسان ، فاز برضى الله ، وجنته ، ونجى من سخطه وعذابه.
__________
(1) يقال : شرد البعير، يشرد، شروداً، وشراداً، إذا نفر وذهب فى الأرض. النهاية 2/410 .
(2) أخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) 1/111 رقم 17، والطبرانى فى الأوسط 1/246 رقم 808 ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 10/70 .
(1/64)
أما من أبى إتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة فهو الذى شرد شرود الجمل على أهله، وهو الذى ضيع نفسه، وأوقعها فى جهنم ؛ بل هو بعدم امتثاله لهدى النبى صلى الله عليه وسلم فى سنته كأنه يقتحم بنفسه نار جهنم ، كما قال عليه الصلاة والسلام : "مثلى كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع فى النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها" قال : "فذلكم مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها"(1).
فعلى المسلم أن يسلك طريق طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة ، وألا يحيد عنها يميناً أو شمالاً، فهذه الطاعة هى صراط الله المستقيم الذى أمر الله بإتباعه لقوله تعالى : { وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } (2).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، ومن جاهدهم بيده فهو
مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"(3).
__________
(1) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته 8/54 رقم 2284، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصى 11/323 رقم 6483 من حديث أبى هريرة رضي الله عنه .
(2) الآية 153 الأنعام.
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان 1/297 رقم 80 .
(1/65)
فهذا الحديث يؤكد قوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } (1) فطاعة رسل الله جميعاً واجبة على أقوامهم على مر الزمان والمكان.
وهذا الحديث يبين صفة إتباع الأنبياء؛ فهم يطيعون أنبيائهم ، ويأخذون بسنتهم ، ويأتمرون
بأمرهم ، ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه.
وأما المخالفون لهم : فهم الذين يتحدثون عن الطاعة والإتباع ، ولكن بالقول دون العمل،
فهم الذين يقولون مالا يفعلون، وهذا الوصف ينطبق تماماً على أهل البدع المحاربين
لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة.
ومن هنا فهم أكثر الناس بعداً عن هدى المصطفى وما جاء به عن ربه ، ومع ذلك كله
فهم كثيراً ما يتمسحون بظاهر القرآن ، وكلامهم عنه لا يضبطونه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لذا فكلامهم لا يتجاوز ألسنتهم ، فهم أبعد الناس عن القرآن الكريم ، فصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : "يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يأمرون".
__________
(1) الآية 64 النساء.
(1/66)
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : صلي بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يارسول! كأن هذه موعظة مودع. فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ، وإن كان عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"(1).
وواضح من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم، يأمرنا بطاعته واتباع سنته ، ويؤكد ويشدد على اتباعها ، ويحذر من البعد عنها بالإبتداع فى الدين، لما فى ذلك من الضلال والإنحراف عن الطريق المستقيم الذى رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
...
وفى الحديث بيان واضح أن من واظب على سنته صلى الله عليه وسلم وقال بها، ولم يعرج على
غيرها من الآراء هو من الفرقة الناجية يوم القيامة ؛ جعلنا الله منهم بمنه(2).
__________
(1) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب السنة، باب لزوم السنة 4/200 رقم 4607، والترمذى فى سننه كتاب العلم، باب ما جاء فى الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/43 رقم 2676 وقال : حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة فى سننه المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين 1/15 رقمى 42، 43، وأحمد فى مسنده 4/126، وابن حبان فى صحيحه (الإحسان فى ترتيب صحيح بن حبان) 1/178 رقم 5، والمروزى فى السنة ص26 رقم 69 – 72 .
(2) أفاده ابن حبان في (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) 1/178 رقم 5 .
(1/67)
وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "دعونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم"(1).
والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : "فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا
منه ما استطعتم" لقد أضاف الأمر والنهى إلى نفسه صلى الله عليه وسلم : "نهيتكم" و"أمرتكم".
وهو موافق لكتاب الله عز وجل فى قوله : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث
ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم } (2).
وقوله : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (3).
وفى ذلك دليل على وجوب طاعته وامتثال أوامره ونواهيه فى سنته المطهرة ؛ حتى ولو كانت أمراً زائداً على كتاب الله عز وجل ، لأن ما يحله ويحرمه ، ويأمر به وينهى عنه ، هو
بوحى الله عز وجل على ما سبق تفصيله.
10- وعن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ستة لعنتهم، ولعنهم الله، وكل نبى مجاب : المكذب بقدر الله ، والزائد فى كتاب الله ، والمتسلط بالجبروت
يذل من أعز الله ، ويعز من أذل الله ، والمستحيل لحرم الله ، والمستحيل من عترتى
__________
(1) أخرجه البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الاعتصام، باب الإقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم 13/264 رقم 7288، ومسلم (بشرح النووي) كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه 8/120 رقم 1337 .
(2) جزء من الآية 157 الأعراف.
(3) جزء من الآية 7 الحشر.
(1/68)
ماحرم الله ، والتارك لسنتى"(1).
أنه صلى الله عليه وسلم ، يبين فى هذا الحديث أن التارك لطاعته فى سنته المطهرة المنكر لتلك الطاعة
ملعون. أى : مطرود من رحمة الله تعالى ، وفى ذلك من الزجر ما فيه.
إنه صلى الله عليه وسلم، جعل تارك طاعته فى سنته ، مع المكذب بالقدر، وهو كافر، ومع خصال هى
فى الكفر موغلة ، مما يرهب كل الترهيب ؛ من ترك سنته صلى الله عليه وسلم، والتحذير من عدم
طاعته فيها.
وبعد : فهذه نماذج من الأحاديث النبوية ، التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى سنته المطهرة ، وتحذر أشد التحذير من مخالفته.
وهناك أحاديث أخرى كثيرة ، تنوعت فى أسلوبها فى الحض على إتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم، لم أتعرض لها خشية الإطالة(2).
فما ذكر فيه الكفاية عند من له سمع يسمع وعقل يدرك ! .
__________
(1) أخرجه الحاكم فى المستدرك 1/91 رقم 102، 2/572 رقم 3941، 4/101 رقم 7011، وصححه ووافقه الذهبى فى الموضع الأول والثانى، وخالفه فى الأخير رقم 7011، وأخرجه الطبرانى فى الكبير وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/176 وفيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، قال يعقوب بن شيبة : فيه ضعف، وضعفه يحيى بن معين فى رواية، ووثقه فى أخرى، وقال أبو حاتم : صالح الحديث، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط 2/186 رقم 1667 ورجاله ثقات كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/205، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) 7/501 رقم 5719 .
(2) إن شئت فانظرها فى : المدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص98 – 121 .
(1/69)
وإذا كانت طاعته صلى الله عليه وسلم، الإستقلالية، ثابتة له بنص كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة(1) فتلك الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هى عين الطاعة والتوحيد الخالص لله عز وجل ، إلا أن أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم يرون أن فى تلك الطاعة تأليه لرسول الله وشرك بربه.
فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها
صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم
المبحث الرابع : في بيان أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة
هي عين التوحيد لله عز وجل
بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم ، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بإفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله ، وطاعة رسوله ، هى صورة من صور تأليه الرسول ، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم.
... يقول صالح الوردانى : "ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب ، قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (2).
وقوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } (3).
وقوله : { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا } (4).
__________
(1) ينظر : مفتاح الجنة فى الإحتجاج بالسنة للسيوطى ص156 - 211، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/187 - 199، وقواعد التحديث للقاسمى ص273 -281، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى ص233 - 269 .
(2) الآية 7 الحشر.
(3) الآية 80 النساء.
(4) الآية 37 الأحزاب.
(1/70)
ثم يقول معقباً : "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى ، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء ، فهذا هو الكفر بعينه ، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى : أن الرسول قد منح صفة من صفات الله ، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه ، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى"(1).
...
ولم يقف إفكهم عند هذا الحد ، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى البداية لتأليهه.
... يقول أحمد صبحى منصور : "أولى حقائق الإسلام ، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحى الذى نزل على شخص النبى ، وليس بشخص النبى البشرى.
يقول تعالى : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد } (2) لم يقل آمنوا بمحمد ، وإنما آمنوا بما نزل على محمد ، أى : الإيمان بالوحى أى : بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به ، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه"(3).
__________
(1) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص53، 54، وينظر من نفس المصدر ص47، وينظر له أيضاً : أهل السنة شعب الله المختار ص81، وينظر : دين السلطان لنيازى عز الدين الفصل الرابع والعشرون بعنوان : لماذا يسعى الطغاة إلى تأليه الرسل؟ ص604 .
(2) الآية 2 محمد.
(3) جريدة الدستور العدد الأول 31/ 12/ 1997، وينظر : مقالاته فى مجلة روز اليوسف العدد 3559 ص38، والعدد 3563 ص35، والعدد 3564 ص21، وينظر له أيضاً الأنبياء فى القرآن ص31، 40، ولماذا القرآن ص33، 34، 50، وحد الردة ص30، ومشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص152 .
(1/71)
... ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله ، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله ، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله : "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً"(1).
ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله(2) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم : لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله ، وموسى رسول الله ، وعيسى رسول الله… وهكذا وهو أمر يطول أهـ.
ويجاب عن ما سبق بما يلي :
إجمالاً أقول : زعمهم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أوامره ونواهيه ، وما يحله وما يحرمه فى سنته ، تأليه له ، بمنحه صفة من صفات الله عز وجل ، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه.
...
فالله عز وجل : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } (3).
فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة ، وأفردها أخرى ، وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعته عز وجل ، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به ، ونهانا عنه ، من حلال وحرام.
فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه عز وجل ! أو أن يقول : هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع ! .
...
__________
(1) القرآن والحديث والإسلام ص38، 41، 43، وينظر له أيضاً قرآن أم حديث ص20، 32، وينظر : إعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص153 .
(2) الصلاة ص78، 79 وينظر : الصلاة فى القرآن لأحمد صبحى ص51 - 56، والحقيقة من حقائق القرآن المسكوت عنها لنيازى عز الدين ص359، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص55، 56 .
(3) الآية 23 الأنبياء.
(1/72)
وكذلك إذا أمرنا المولى عز وجل بالإيمان بشخص نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك!
... وهذا إجمال وإليك التفصيل :
أولاً : أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة مستقلة ، بمقتضى عصمته له ، وربط تلك الطاعة بطاعته عز وجل تارة ، وأفردها تارة أخرى ، ليدل على أن طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة له سبحانه فقال : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } (1).
وقال عز وجل : { وإن تطيعوه تهتدوا } (2).
وقال - جل جلاله - : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } (3).
وطاعته صلى الله عليه وسلم فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة ، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله عز وجل ، لأنه عليه الصلاة والسلام له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة ، وبقوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم
الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم } (4).
فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته ؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله عز وجل.
... فرسول الله لا يشرع من عند نفسه ، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المبحث الثانى(5).
فهل نسلم بكلام الله تعالى ؛ أم نرده ونقول هذا شرك ؟.
...
__________
(1) الآية 59 النساء.
(2) جزء من الآية 54 النور، مع آية الأعراف 158 { واتبعوه لعلكم تهتدون } .
(3) الآية 80 النساء.
(4) الآية 157 الأعراف.
(5) يراجع : ص 37 .
(1/73)
وإذا كانت طاعته صلى الله عليه وسلم مستقلة عن طاعة الله عز وجل ، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة ؛ أليس ربه عز وجل ؟.
فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك ؟ ! .
...
وإذا قال ربنا عز وجل مراراً { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } .
فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته عز وجل ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تأليه له عليه الصلاة والسلام ، فيرد على رب العزة كلامه؟!! .
وإذا قال ربنا عز وجل : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } (1)
وإذا قال سبحانه : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (2).
... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته عز وجل ، ومبايعة رسوله صلى الله عليه وسلم شرك ؟.
أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك ؟! .
إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته صلى الله عليه وسلم هو القائل : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله } (3).
فهل جعل محبة نبيه صلى الله عليه وسلم ومتابعته نداً ؟.
أم جعلها شرطاً لمحبة الله ، وعلامة على صدق من يزعم محبته عز وجل
قال الحسن البصرى وغيره من السلف : زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله }
فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته صلى الله عليه وسلم بين قطرى محبة العباد ، ومحبة الله للعباد ، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم ، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله ، وثبوت محبة الله لهم ، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) الآية 10 الفتح.
(2) الآية 31 آل عمران.
(3) الآية 165 البقرة.
(1/74)
فهذه الآية الكريمة : حاكمة على كل من ادعى محبة الله ، وليس على الطريقة النبوية ، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله عز وجل ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله
وأفعاله وأحواله ، ويعلم أن هذا الإتباع عين التوحيد الخالص لله عز وجل ، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار : "إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً(1) كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى : { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } (2) فقرن طاعته عز وجل بطاعته صلى الله عليه وسلم رغماً لهم(3).
__________
(1) الحنان : الرحمة، والعطف، والرزق، والبركة. والمراد : رباً ذا رحمة، وقيل محبباً، وقيل : متمسحاً به تبركاً. شرح الشفا للقارى 1/49، والنهاية 1/452 .
(2) الآية 32 آل عمران. والأثر :أخرجه ابن المنذر بنحوه عن مجاهد، وقتادة، كما قال الحافظ السيوطى فى مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا ص 33 رقم19. والأثر ذكره ابن إسحاق عن أبى رافع القرظى قال : (حين اجتمعت الأحبار من يهود ونصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،= =ودعاهم إلى الإسلام قالوا : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله ولا أمرنى" فأنزل الله عز وجل : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يقول للناس كونوا عباداً لى من دون الله } الآيتان 79، 80 آل عمران. وينظر : السيرة النبوية لابن هشام 2/196 نص رقم 635 .
(3) الشفا 1/22، وينظر : شرح الشفا للقارى 1/50، وشرح الزرقانى على المواهب 8/515، 516 .
(1/75)
والمعنى إلصاقاً لأنوفهم بالتراب جزاءاً لأنفتهم من متابعته صلى الله عليه وسلم، وجزاءاً لإفكهم بأن طاعته صلى الله عليه وسلم شرك { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً } (1).
وأقول لهم : الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } (2).
ثانياً : إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى صلى الله عليه وسلم واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم } (3) هذه الآية الكريمة حجة عليهم ، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على سيدنا محمد وهو الحق من ربنا قوله : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } (4) وقوله سبحانه : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } (5).
وقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } (6).
...
وهم بهذه الآيات يكفرون ؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبياناً للقرآن ، وهو الحكمة ، وهى السنة كما قال علماء الأمة ، وينكرون أن يكون له صلى الله عليه وسلم طاعة فى هذه السنة.
- الأدلة من القرآن الكريم علي وجوب الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت { وآمنوا بما نزل على محمد } وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلي :
__________
(1) الآية 5 الكهف.
(2) الآية 32 آل عمران : وينظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/25 .
(3) الآية 2 محمد.
(4) جزء من الآية 44 النحل.
(5) جزء من الآية 113 النساء.
(6) الآية 59 النساء.
(1/76)
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله } (1).
وقوله سبحانه : { فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته } (2).
وقوله عز وجل : { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا } (3).
ومعلوم أن الإيمان بالله عز وجل يعنى : الإيمان بذاته المقدسة ، وبكتابه العزيز، وطاعته عز وجل فى كل ما أمرنا به فى كتابه العزيز.
وكذلك الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم : يعنى : الإيمان بشخصه الكريم ، وبكل ما جاء به من عند ربه عز وجل من كتاب وسنة ، وطاعته فى ذلك.
ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مراداً به شخصه صلى الله عليه وسلم ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم نحو قوله تعالى : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه } (4) وقوله سبحانه : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه } (5).
__________
(1) الآية 136 النساء.
(2) جزء من الآية 158 الأعراف.
(3) الآية 13 الفتح.
(4) جزء من الآية 157 الأعراف.
(5) الآية 9 الفتح.
(1/77)
فقوله : "وتعزروه" أى : تعظموه وتجلوه(1) والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة ، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضاً من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء(2). وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته(3) وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضاً(4) وتحريم إيذائه(5)
__________
(1) قاله ابن عباس وغير واحد. ينظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير 7/312 .
(2) نحو قوله تعالى : { يا أيها النبى اتق الله } الآية الأولى الأحزاب، وقوله : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } الآية 21 الأحزاب.
(3) نحو قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم } 1-5 الحجرات.
(4) نحو قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً } الآيتان 62، 63 النور.
(5) نحو قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق } الآية 53 الأحزاب.
(1/78)
أليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام ؟.
أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره… صلى الله عليه وسلم شركاً صارخا ً؟(1).
الأدلة من السنة المطهرة علي وجوب الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره :
إن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإجلاله ، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة ، كان عليه سلفنا الصالح ، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى(2) وهو يومئذ لم يسلم بعد ، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى صلى الله عليه وسلم مكة فى غزوة الحديبية ، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى صلى الله عليه وسلم فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله ، حتى عاد إلى قريش وقال لهم: "أى قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى ، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً ، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له…"(3).
__________
(1) يراجع : ص 68 .
(2) له ترجمة فى : اسد الغابة 4/30 رقم 3658، وتجريد أسماء الصحابة 1/380، وتاريخ الصحابة ص195 رقم 1039، والإصابة 2/477 رقم 5546 .
(3) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الشروط، باب الشروط فى الجهاد 5/389 رقمى 2731، 2732، وينظر : السيرة النبوية لابن هشام 3/315 رقم 1511 .
(1/79)
فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام رضى الله عنهم لنبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم
وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضاً ، ما قاله عمرو بن العاص رضي الله عنه (1) قال :
"ما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل فى عينى منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له ، ولو شئت أن أصفه ما أطقت ؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه"(2).
وهكذا كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأعمالهم وأقوالهم.
ثالثاً : وأخيراَ : زعمهم أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله ، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله ، فيه تفريق بين رسل الله عز وجل ، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله ، وموسى رسول الله… الخ وهو أمر يطول.
...
فهذا من جهلهم بكتاب الله عز وجل الذي يتسترون نفاقاً بعباءته.
فالقرآن الكريم يصرح بأن الله عز وجلأخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء ، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه ، والله خير الشاهدين.
__________
(1) صحابى جليل له ترجمة فى : مشاهير علماء الأمصار ص71 رقم 376، واسد الغابة 4/232 رقم 3971، والإستيعاب 3/1184 رقم 1931، والإصابة 3/2 رقم 5897 .
(2) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان يهدم ما قبله 1/414 رقم 121 .
(1/80)
قال تعالى : { وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } (1).
قال على بن أبى طالب ، وابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما : "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بعث محمداً وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته : لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"(2).
وهذا يعنى أنه صلى الله عليه وسلم نبى الأنبياء ، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، الحياة ، وبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لما وسعه إلا إتباعه.
__________
(1) الآية 81 آل عمران.
(2) تفسير القرآن العظيم 2/56، وجامع البيان 6/555، والدر المنثور 2/252 .
(1/81)
يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أن عمر بن الخطاب عز وجل عنه أتى رسول الله بنسخة من التوراة ، فقال يا رسول الله ، هذه نسخة من التوراة ، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال : أبو بكر : ثكلتك الثواكل ، ما ترى بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ بالله ، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذى نفس محمد بيده ، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل ، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى"(1).
__________
(1) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى صلى الله عليه وسلم 1/126 رقم 435، وأحمد فى المسند 3/387، وابن أبى عاصم فى السنة 1/27 رقم 50، وفى سنده مجالد بن سعيد، الجمهور على تضعيفه لأنه اختلط فى آخر عمره؛ لكن روايته لهذا الحديث مقبولة؛ لأنه قد سمعه منه هشيم قبل الاختلاط، قال ابن عدى : رواية القدماء عنه كهشيم وشعبة وحماد بن زيد مقبولة، وقال ابن عدى : له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة، يعنى : كما فى سند هذا الحديث. ينظر : مجمع الزوائد 1/173، 174، وتقريب التهذيب 2/159 رقم 6498، والكاشف 2/239 رقم 5286، والضعفاء للنسائى ص223 رقم 579، والمجروحين لابن حبان 3/10، والحديث صحح إسناده الحافظ ابن كثير من رواية أحمد، قال بعد إيرادها : تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم أهـ ينظر : البداية والنهاية 2/123، وينظر : من نفس المصدر 1/185 .
(1/82)
ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج ، بقولهم: مرحباً بالنبى الصالح، والأخ الصالح(1) وهو اعتراف منهم بنبوته صلى الله عليه وسلم، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال صلى الله عليه وسلم : "ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء عليهم السلام فقدمنى جبريل حتى أممتهم"(2).
وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمداً رسول الله ، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله ، هو إيمان بكل الأنبياء ، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد
بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذي أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله ، وهذا يعنى أن ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى ، بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم
صدق الله العظيم صدق الله العظيم
__________
(1) ينظر : صحيح البخاري ( بشرح فتح الباري ) كتاب الصلاة ، باب كيف فرضت الصلاة،1/547 رقم 349 ، وكتاب الأنبياء ، باب ذكر إدريس - عليه السلام - 6/341 رقم 3342 ، وصحيح مسلم(بشرح النووي) كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلي السماوت1/486 رقم876 .
(2) أخرجه النسائى فى سننه الصغرى كتاب الصلاة ، باب كيف فرضت الصلاة 1/221 رقم 450 من حديث أنس رضى الله عنه، ومسلم (بشرح النووى) كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم عليه السلام والمسيح الدجال 1/509 رقم 278 من حديث أبى هريرة رضي الله عنه .
(1/83)
المبحث الخامس : في بيان السنة لعقوبة الزاني الواردة في القرآن الكريم
ودفع الشبهات
تمهيد :
جاءت أحكام الشريعة الغراء لحفظ مصالح الناس الدينية والدنيوية ، وتضم تلك المصالح حفظ الدين والنفس ، والمال ، والنسل ، والعقل ، وقد سماها الفقهاء والأصوليون بالضروريات أو الكليات الخمس( (1) ) .
وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الضروريات الخمس أحكاماً تكفل إيجاده وإقامته ، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته .فكل حكم يكفل إقامة هذه الأمور الخمسة أو حفظها هو حكم ضروري ( 2 )(2) .
الحدود في الإسلام لحماية المجتمع ، وهي حق لله تعالى :
والحدود في الإسلام أحكاماً ضرورية شرعت لحفظ هذه الضروريات ، ومع أنها شرعت لحماية المجتمع ، إلا أن العلماء من الأصوليين وغيرهم اعتبروها حق لله تعالى .
ومعني هذا الاصطلاح أنها شرعت لحماية الجماعة ولكنهم يجعلون العقوبة حقاً لله تعالى إشارة إلي عدم جواز العفو عنها ، أو تخفيفها ، أو إيقاف تنفيذها لا من الأفراد أو من الجماعة ( 3 ) .....(3)
وهذا يجعل البشرية من شأنها أن تعيش في طهر ديني ، وفي فضيلة سائدة ، فإن الفضيلة كما هي حماية للمجتمع من جراثيم الانحلال التي تحل عراه ، فإنها كذلك أمر مصون تجب المحافظة عليه ، وتشريع العقاب لكل من هتك حماها .
ورغم أن هذه الحدود الكبرى قليلة العدد ، إلا أنها كثيرة الوقوع ، وهذا ما غفل عنه البعض في عدم اعتبار القرآن كتاب محكم ، لأنه لم يذكر إلا بضع جرائم ، في حين أن قانون العقوبات الذي صاغه البشر احتوي على ما يزيد على مائتي جريمة .
__________
(1) 1 ) الموافقات للشاطبي 2/324 ، وعلم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص 200 ، والوجيز في أصول الفقه
للدكتورعبد الكريم زيدان ص378 .
(2) 2 ) التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عوده 1 / 203 .
(3) 3 ) المصدر السابق 1 / 99 .
(1/84)
يتبع ان شاء الله بـ 3

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق