الأربعاء، 27 يونيو 2018

1.. وجوب طاعة الرسول كما صدرت من فمه الشريف دون تأويل لقول الله تعالي وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

 محبة الرسول بين الاتباع والابتداع
[الفصل الثاني الاتباع]
[المبحث الأول مفهوم الاتباع]
الفصل الثاني
الاتباع وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول - مفهوم الاتباع.
المبحث الثاني - وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث - مظاهر الاتباع.
(1/99)
المبحث الأول
مفهوم الاتباع الاتباع في اللغة: مصدر اتبع الشيء وتبعه إذا سار في أثره.
جاء في معجم مقاييس اللغة:
(" تبع " التاء والباء والعين أصل واحد لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته واتبعته. وأتبعته إذا لحقته والأصل واحد غير أنهم فرقوا بين القفو واللحوق فغيروا البناء أدنى تغيير، قال تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] (1) {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89] (2) فهذا معناه على هذه القراءة اللحوق ومن أهل العربية من يجعل المعنى فيهما واحدا) . .
والتبع. . . . هو الظل، وهو تابع أبدا للشخص. . . والتبيع ولد البقرة إذا تبع أمه. . والتبع قوائم الدابة وسميت بذلك لأنه يتبع بعضها بعضا. والتبع النصير، لأنه يتبعه نصره. والتبيع الذي لك عليه مال، فأنت تتبعه.
وفي الحديث: «مطل الغنى ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع» (3) يقول: إذا أحيل عليه فليحتل " (4) .
جاء في لسان العرب:
(. . . وتبعت الشيء وأتبعته ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى:
_________
(1) سورة الكهف، آية (85) .
(2) سورة الكهف، آية (89) .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحوالات، باب في الحوالة، 3 / 123.
(4) معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس تحقيق هارون ط2، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، 1369هـ 1 / 362 - 363.
(1/101)
{إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10] (1) قال أبو عبيد. أتبعت القوم مثل أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، قال. . واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت. . . . واتبع فلان فلانا إذا اتبعه يريد به شرا. كما اتبع الشيطان الذي انسلخ من آيات الله فكان من الغاوين، وكما أتبع فرعون موسى. . . .
. . . . وتبع القرآن: ائتم به وعمل بما فيه.
. . . . وتابع بين الأمور متابعة: واتر ووالي.
. . . . والتبعة والتباعة: ما فيه إثم يتبع به. وتابع عمله وكلامه: أتقنه وأحكمه) (2) وعلى ذلك فالكلمة تدور حول معاني اللحاق والاقتفاء والاقتداء. ومما يقترب من هذا المعنى التأسي والأسوة. يقال تأسى به إذا اتبع فعله واقتدى به، وائتس به أي اقتد به وكن مثله (3) قال الراغب في المفردات:
(الأسوة والأسوة كالقدوة والقدوة. وهي الحالة التي يكون الإنسان فيها في اتباع غيره إن حسنا أو قبيحا، وإن سارا وإن ضارا ولهذا قال تعال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] (4) فوصفها بالحسنة) (5) فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الاقتداء به واقتفاء آثاره والتأسي به. وقد بحث الأصوليون في باب أفعاله صلى الله عليه وسلم عن هذه المعاني وذلك لأننا متعبدون باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به في أفعاله. لأجل هذا نراهم يتحدثون عن معاني الاتباع والمتابعة والتأسي والموافقة والمخالفة.
_________
(1) سورة الصافات، آية (10) .
(2) لسان العرب، (تبع) .، 8 / 27 - 32.
(3) انظر: لسان العرب مادة (أسا) ، 4 / 34 - 36.
(4) سورة الأحزاب، آية (21) .
(5) المفردات، ص18.
(1/102)
وسأتعرض لبيان هذه المعاني حتى يتضح لنا مفهوم الاتباع والمقصود به.
قال أبو الحسين البصري: (1) .
(أما التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد يكون في فعله وفي تركه أما التأسي به في الفعل، فهو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل. والتأسي كما في الترك. هو أن نترك مثل ما ترك على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك. وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة، لأنه صلى الله عليه وسلم لو صام وصلينا لم نكن متأسين به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل، فهو الأغراض والنيات. فكل ما عرفناه أنه غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به.
وإنما شرطنا أن نفعل الفعل (لأجل أنه فعله) (2) لأنه صلى الله عليه وسلم لو صلى، فصلى مثل صلاته رجلان من أمته لأجل أنه صلى، لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به صلى الله عليه وسلم ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأس بالآخر، وإنما قلنا إن التأسي يكون في الترك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ترك الصلاة عند طلوع الشمس فتركناها في هذا الوقت لأجل تركه كنا متأسين به.
. . . . فأما اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد يكون في القول، وقد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك، فالاتباع في القول هو المصير إلى مقتضاه من وجوب، أو ندب، أو حظر لأجله، والاتباع في الفعل أو في الترك هو إيقاع مثله في صورته على وجهه، لأجل أنه أوقعه.
_________
(1) أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري (. . . - 436 هـ) . . أصولي متكلم. كان من أئمة المعتزلة. له تصانيف عديدة منها: غرر الأدلة. شرح الأصول الخمسة. كتاب في الإمامة والمعتمد في أصول الفقه. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 3 / 100، الفتح المبين في طبقات الأصوليين. الشيخ عبد الله مصطفى المراغي، ط 2، طبعة محمد أمين دمج، بيروت، 1 / 237.
(2) ما بين القوسين ليس في الأصل المحقق ولكن في نسخة أخرى أثبتها المحقق في الحاشية فرأيت إثباتها في الأصل تحقيقا للفائدة.
(1/103)
. . . وإنما شرطنا في الاتباع ما شرطنا في التأسي، لأنه صلى الله عليه وسلم، لو صام فصلينا، أو صام واجبا فتنفلنا بالصوم، أو صمنا لا لأنه صام، لم نكن متبعين له في هذه الأحوال كلها) (1) .
وعلى هذا يكون الاتباع في الفعل هو التأسي بعينه، أما الاتباع في القول فهو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه ذلك القول من وجوب أو ندب أو غير ذلك.
وأما الموافقة- فهي كما يرى الآمدي (2) (مشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله) (3) .
ومعنى هذا أنه لا يشترط في الموافقة أن يكون فعل أحد الشخصين من أجل فعل الآخر، لأن الموافقة المقصودة هنا هي ما كانت بمعنى المصادفة والمشاركة. أما الموافقة المقصودة شرعا فهي الاتباع بعينه. وأما المخالفة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل أو الترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول من أمر أو نهي، والمخالفة في الفعل: هي العدول عن إيقاع الفعل مع كونه واجبا، فأما إذا كان الفعل واجبا فلا يسمى تاركه مخالفا. والمخالفة في الترك هي أن نفعل فعلا على وجه العبادة مما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم مشروعيته (4) .
وبعد بيان هذه المصطلحات نريد أن نعرف مدى علاقة الزمان والمكان بالتأسي والمتابعة.
_________
(1) المعتمد: أبو الحسن البصري، تحقيق محمد حميد وآخرون، نشر المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية. دمشق، 1384هـ، 1 / 372 - 374.
(2) هو أبو الحسن سيف الدين علي بن محمد سالم التغلبي الآمدي (551- 631هـ) . أصولي متكلم من تصانيفه. الإحكام في أصول الأحكام. ومختصره منتهى السول وأبكار الأفكار في علم الكلام. انظر: طبقات الشافعية للسبكي، 5 / 129. ولسان الميزان لابن حجر، 3 / 134.
(3) الإحكام في أصول الأحكام. أبو الحسن الآمدي، تحقيق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1402هـ 1 / 172.
(4) انظر المعتمد، 1 / 375.
(1/104)
يقول الآمدي:
(. . . فلو وقع فعله في مكان وزمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان (1) .
وتأتي أهمية هذا الأمر لأن ارتباط الزمان أو المكان له أهمية في تحديد صحة الفعل من خطئه، وكون الفعل الواقع في الزمان أو المكان سنة أو بدعة وكون فاعله متبعا أو مبتدعا.
فإذا علمنا تخصيص الشارع أزمنة معينة أو أمكنة بنوع من العبادة وقصدنا نحن تخصيص هذه الأزمنة والأمكنة بهذا النوع من العبادة كنا متبعين. أما إذا قصدنا زمانا أو مكانا بنوع من العبادة لم يخصصه به الشارع فسنكون حينئذ مبتدعين " يقول ابن تيميه موضحا أهمية هذا الأمر:
(وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان خصصناه بذلك. كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده- مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا هو من البدع التي كان
_________
(1) الأحكام، 1 / 172.
(1/105)
ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر:
" إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا. فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض " (1) .
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة (2) أبلغ من المتابعة في صورة الفعل) (3) .
وعلى ذلك يتبين لنا أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الاقتداء به في أقواله وأفعاله على الوجه الذي جاء به من وجوب أو ندب مع توفر القصد والنية في متابعته والتأسي به. ولما كنا في باب الاتباع متعبدين بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم لأنها مناط الاتباع وكانت أفعاله صلى الله عليه وسلم متفاوتة الرتبة وليست على درجة واحدة من الوجوب أو الندب أو الإباحة. فهي تشمل كل هذا، كما أن من أفعاله ما كان عاديا ومنها ما قصد به التشريع إلى غير ذلك مما فصلته كتب الأصول.
لما كان الأمر كذلك أجبت أن أشير إشارة سريعة إلى أفعاله
_________
(1) هذا الأثر عزاه ابن تيمية إلى سنن سعيد بن منصور في اقتفاء الصراط المستقيم، 2 / 744، وقد صححه هاهنا في القاعدة الجليلة.
(2) لعل الصواب: النية.
(3) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط1، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1399 هـ. ص 105- 106.
(1/106)
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم: (1) .
8 - تنقسم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم عند الأصوليين إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولا: الأفعال الجبلية (العادية) كالقيام والقعود والأكل والشرب وغيرها فهذه الأفعال محمولة على الإباحة بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وإلى أمته، ولا يجب علينا التأسي والاقتداء به في هذا النوع من الأفعال، وهذا هو مذهب الجمهور (2) .
إلا إن ورد في السنة ما يرشد إلى بعض الهيئات بالنسبة لهذه الأفعال الجبلية فينتقل حكمها من الإباحة إلى الوجوب أو الندب على ما هو مقرر عند الفقهاء. مثال ذلك: الأكل باليمين، والشرب قاعدا، والنوم على الجانب الأيمن.
وقال قوم: إن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع مندوب. وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يتتبع مثل هذا النوع من الأفعال ويحرص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما صدر عنه من مثل ذلك وإن كان قد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم اتفاقا ولم يقصده.
وجمهور الصحابة كانوا على خلاف ذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه مبينا أن الأصل في المتابعة هو أن نفعل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم قاصدين لفعله على الوجه الذي فعله من إباحة أو وجوب أو ندب، ما لم يكن داخلا في باب الخصائص انظر (3)
_________
(1) انظر في بيان ذلك: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، 1 / 173، وما بعدها.
والعدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق د. أحمد بن علي المباركي، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ، 3 / 734 وما بعدها.
وإرشاد الفحول، لمحمد بن المباركي، ط 1، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، 1356 هـ، ص 35 وما بعدها.
وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام، د. محمد العروسي عبد القادر، دار المجتمع، جدة، 1404هـ.
(2) انظر: إرشاد الفحول، ص35.
(3) القاعدة الجليلة، ص 105- 106.
(1/107)
ثانيا: الأفعال التي علم أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم:
لقد ذكر الأصوليون في باب خصائصه صلى الله عليه وسلم أمورا من المباحات والواجبات والمحرمات. بعضها متفق عليه والبعض الآخر متنازع فيه. فمن المباحات في حقه صلى الله عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلا مهر كنكاح الموهوبة، ومن الواجبات وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرمات الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الكريهة كالثوم والبصل. فهذه الخصائص خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها غيره ولا يقتدى به فيها.
قال الشوكاني (1) .
(والحق أنه لا يقتدى به صلى الله عليه وسلم فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا (2) .
، فإذا قال مثلا: هذا واجب علي مندوب لكم. كان فعلنا لذلك الفعل لكونه أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا لا لكونه واجبا عليه، وإن قال: هذا مباح لي أو حلال ولم يزد على ذلك، لم يكن لنا أن نقول هو مباح لنا أو حلال لنا. . . وأما لو قال: هذا حرام علي وحدي ولم يقل حلال لكم فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء، أما لو قال: حرام علي حلال لكم فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء. فليس في ترك الحلال ورع) (3) . ثالثا: الأفعال المجردة عما سبق وإنما المقصود بها التشريع، فهذه نطالب بالتأسي فيها، إلا أن صفتها الشرعية تختلف بحسب الوجوب أو الندب أو الإباحة- وتتنوع هذه الأفعال إلى عدة أنواع بحسب القرائن:
_________
(1) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني (1173- 1255 هـ) . مفسر. محدث أصولي فقيه، مجتهد، كان من كبار علماء اليمن في عصره، انظر: الأعلام، 6 / 298، ومعجم المؤلفين، 11 / 53- 54.
(2) يقصد الشوكاني من وراء كلامه هذا الرد على من ذهب إلى أن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في خصائصه مستحب في الواجبات والمحرمات دون المباحات.
(3) إرشاد الفحول، 35 - 36.
(1/108)
(أ) فإما أن تكون بيانا لمجمل ورد في القرآن أو تقييدا لمطلق أو تخصيصا لعام أو امتثالا لأمر فحكم هذه الأفعال هو حكم ما بينته من وجوب أو ندب وإباحة، ويعرف ذلك إما بصريح القول، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (1) وقوله في الحج: «خذوا عني مناسككم» (2) . وإما بقرائن الأحوال، كقيامه صلى الله عليه وسلم بفعل صالح للبيان عند الحاجة إلى ذلك، كقطعه يد السارق من الرسغ، فإنه بيان لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] (3) ففي هذه الأحوال يكون البيان تابعا للمبين في الحكم من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة.
(ب) فإن لم يكن الفعل بيانا لأمر بل ورد ابتداء منه صلى الله عليه وسلم فإما أن تعرف صفته الشرعية أو لا. فإن عرفت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فإن أمته في ذلك مثله وهذا هو الرأي الحق كما قال الشوكاني (4) . ودليل ذلك القرآن وفعل الصحابة رضوان الله عليهم. أما القرآن فمثل قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (5) . وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] (6) . وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] (7) وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] (8) وأما الصحابة فقد كانوا يرجعون إلى فعله صلى الله عليه وسلم احتجاجا واقتداء به في مواضع كثيرة، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تقبيل الحجر الأسود،
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأذان. باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة 1 / 162- 163.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج. باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا 2 / 493، والنسائي. كتاب المناسك. باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم 5 / 269- 270.
(3) سورة المائدة، آية (38) .
(4) انظر: إرشاد الفحول، ص26.
(5) سورة الحشر، آية (7) .
(6) سورة آل عمران، آية (31) .
(7) سورة النور، آية (63) .
(8) سورة الأحزاب، آية (21) .
(1/109)
وقال: «لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» (1) . فإن جهلت صفة الفعل الشرعية فإما أن يظهر قصد القربة أولا فإن ظهر فيه قصد القربة بأن كان مما يتقرب به إلى الله عز وجل كصلاة ركعتين من غير مواظبة عليهما، فيدل على الندب لأنه أقل ما يفيده جانب الرجحان وقال قوم بأنه واجب (2) . وإن لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فإنه يدل على الندب، لأن الفعل وإن لم يظهر فيه قصد القربة فلا بد أن يكون لقربة. وأقل ما يتقرب به المندوب، وقال قوم بأنه يدل على الإباحة، وقال آخرون بالتوقف حتى يقو دليل على الوجوب أو الندب (3) .
_________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود، 2 / 183. ومسلم. كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، 2 / 295.
(2) انظر: إرشاد الفحول، ص 38.
(3) انظر: المصدر نفسه، ص 38.
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/top_graph.gif
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/sunnah_arrow_r.gif
( فهرس الكتاب - فهرس المحتويات )
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/sunnah_arrow_l.gif
محبة الرسول بين الاتباع والابتداع
[المبحث الثاني وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه]
المبحث الثاني
وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه لقد اصطفى الله محمدا صلى الله عليه وسلم بنبوته ورسالته وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمره باتباع ما أوحي إليه وتبليغ ما أنزل إليه، فقام صلوات الله وسلامه عليه بتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة.
وقد شهد الله له بالصدق والعصمة واستمساكه بما أمره به كما شهد له بالهدى في نفسه، وأنه هاد لمن اتبعه، فقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52 - 53] (1) وهذه منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين فهو المبلغ عن الله دينه ووحيه وهو الآمر بإذن مولاه والهادي إلى الصراط المستقيم. فمن آمن به فبالله آمن، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ومن قبل عنه فعن الله قبل.
لأجل هذا أمر الله العباد بطاعته وأوجب عليهم اتباع أمره وتصديق خبره، وحذرهم من مخالفته وعصيانه، وجعل طاعته فرضا لازما لكل من آمن بالله، ولم يجعل لمؤمن اختيارا في أي أمر بعد قضاء الله ورسوله فيه. وقد استفاضت آيات الكتاب العزيز في بيان أهمية هذا الأمر والتأكيد على وجوبه وفرضيته، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] (2)
_________
(1) سورة الشورى، آيات (52-53) .
(2) سورة الأنفال، آية (20) .
(1/111)
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] (1) وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] (2) وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] (3) فبين الله بعد الأمر بطاعة رسوله أن طاعته سبب للهدى والرحمة، كما بين سبحانه أنه لا سعادة للعباد ولا نجاة لهم في المعاد إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، فقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] (4) وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] (5) وقد أوجب الله على المؤمنين رد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وجعل سبحانه ذلك من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاقبة والمال، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] (6) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (. . . ولهذا قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ} [النساء: 59] أي اتبعوا كتابه، {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] أي خذوا بسنته، {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] أي فيما أمروا به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
_________
(1) سورة محمد، آية (33) .
(2) سورة آل عمران، آية (132) .
(3) سورة النور، آية (54) .
(4) سورة الأحزاب، آية (71) .
(5) سورة النساء، آية (13) .
(6) سورة النساء، آية (59) .
(1/112)
. . . وقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] (1) فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله {ذَلِكَ خَيْرٌ} [النساء: 59] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] أي وأحسن عاقبة ومآلا (2) وكما أوجب الله على المؤمنين الرد إلى كتابه وسنة رسوله فقد أوجب عليهم تحكيم نبيه صلى الله عليه وسلم والتحاكم إليه والتسليم لحكمه وجعل ذلك من مستلزمات الإيمان فقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] (3) قال ابن القيم:
(. . . أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] (4)
_________
(1) سورة الشورى، آية (10) .
(2) تفسير ابن كثير، 1 / 518.
(3) سورة النساء، آية (65) .
(4) سورة الأحزاب، آية (36) .
(1/113)
فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا) (1) .
وقد أمرنا الله بأن نتبع رسوله صلى الله عليه وسلم ونمتثل أمره ونهيه في كل ما جاءنا به، فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (2) قال ابن كثير:
(أي: " مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر ") (3) وهذا الأمر من الله عام شامل لكل ما جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكان منصوبا بعينه في القرآن أو لا؟ ذلك لأن النصوص الواردة في هذا الشأن كلها توجب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في القرآن، ولأن الله لم يفرق بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] (4) وغالب الآيات قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، ولأن ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص كتاب فإنما سنه بأمر الله ووحيه.
قال الإمام الشافعي:
(وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم- فبحكم الله سنه، وكذلك أخبرنا الله في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 - 53] (5)
_________
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، 1 / 51.
(2) سورة الحشر، آية (7) .
(3) تفسير ابن كثير، 4 / 336.
(4) سورة النساء، آية (80) .
(5) سورة الشورى، آية (52-53) .
(1/114)
وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود (1) عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا) (2) .
وقد جاءت الأحاديث الكثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدلالة على وجوب طاعته واتباع سنته منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» (3) قال الطيبي (4) .
: فيما نقله عنه الحافظ بن حجر:
(شبه صلى الله عليه وسلم نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه) (5) .
_________
(1) العنود: العتو والطغيان، أو الميل والانحراف. انظر لسان العرب 3 / 307 وما بعدها.
(2) الرسالة. للإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ط 1، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، 1358 هـ، ص 88- 89.
(3) البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 9 / 115، ومسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته 14 / 788- 1789.
(4) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (. . . - 743 هـ) ، مفسر محدث، كان شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة. من تصانيفه شرح المشكاة وشرح الكشاف للزمخرشي، شرحه شرحا حسنا، ورد عليه فيما خالف فيه مذهب أهل السنة والجماعة. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، 2 / 156 -157.
(5) فتح الباري، 11 / 317.
(1/115)
وأخرج البخاري أيضا بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (1) والمراد بالإباء هنا هو الامتناع عن التزام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيان أمره.
والموصوف بالإباء إن كان كافرا فلا يدخل الجنة أبدا وإن كان مسلما منع من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى (2) وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (3) .
فهذا الحديث يؤكد أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] (4) وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمر - وهم العلماء والأمراء - ما لم يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
وأخرج الترمذي وأبو داود وأحمد - واللفظ له - عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 9 / 114.
(2) انظر: فتح الباري، 13 / 254.
(3) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول 9 / 77.
(4) سورة النساء، آية (80) .
(1/116)
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (1) ففي هذا الحديث يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ومن يأتي بعدهم بالتمسك بالسنة ولزومها والاعتصام بها.
قال ابن رجب:
(وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه (2) ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة.
. . . . والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعمان وعلي رضي الله عنهم) (3) وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بطاعته، حذرهم من الخروج عن سنته ورهبهم من تركها والإعراض عنها، فقال فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة
_________
(1) المسند 4 / 127، وأبو داود. في السنة، باب لزوم السنة 5 / 13- 15، والترمذي في الحلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، 4 / 149- 155، وقال: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم، هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين.
انظر - جامع العلوم والحكم، لابن رجب، طبع دار الفكر، بيروت، ص 243.
(2) يشير إلى حديث افتراق الأمة ولفظه " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب شرح السنة 5 / 5- 6، وأحمد في المسند 4 / 105، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1 / 128. انظر: السلسلة الصحيحة للألباني، 1 / 358 وما بعدها.
(3) جامع العلوم والحكم، ص 248- 249.
(1/117)
ومسلم عن أنس رضي الله عنهما: «فمن - من - رغب عن سنتي فليس مني» (1) وقال فيما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم على من يحاول رد السنة ورفضها بدعوى الاكتفاء بالقرآن. وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود - واللفظ له - والترمذي - وصححه وحسنه - عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (3) .
وأخرج أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه» (4) .
قال الخاطبي:
" هذا الحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر المتلو.
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 7 / 2.
(2) سبق تخريجه. ص70.
(3) سنن أبي داود. كتاب السنة، باب في لزوم السنة، 5 / 12. والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهى أن يقال عند حيث النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 144، والمسند 6 / 8.
(4) سنن أبي داود، كتاب باب لزوم السنة، 5 / 10- 12، الحديث إسناده صحيح. انظر: المشكاة، 1 / 57 - 58.
(1/118)
والثاني: أن معناه أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي مثله من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص وأن يزيد عليه في الشرع ما ليس في الكتاب له ذكر فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن (1) وقد تضمن هذا الحديث تحذيرا شديدا من مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم استغناء عنها بالقرآن.
يقول الخطابي:
" يحذر بذلك من مخالفة السنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي تضمنت بيانا للكتاب فتحيروا وضلوا (2) ثم أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التحذير ببيان أحكام ثبتت شرعيتها بالسنة ولم يرد لها ذكر في القرآن وذلك كتحريم لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع. وهذا تأكيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن السنة - متى ثبتت - حجة بنفسها وإن تضمنت أحكامها زائدة على ما في القرآن.
قال الخطابي:
" في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه ".
فأما ما رواه بعضهم أنه قال: " إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه " فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: " هذا حديث وضعته الزنادقة " (3)
_________
(1) معالم السنن للخاطبي بهامش سنن أبي داود، 5 / 10.
(2) معالم السنن، 5 / 10.
(3) معالم السنن، 5 / 11.
(1/119)
هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ ظهرت في الأمة طوائف تنكر السنة كلها أو بعضها بدعوى الاستغناء عنها بالقرآن وكان من أوائلهم الخوارج والروافض والمعتزلة حيث أثر عن هذه الطوائف إنكار لبعض الأحكام التي وردت في السنة.
وقد وجدت منهم عناصر في زمن الإمام الشافعي وناظر بعضهم (1) وتوالى ظهور من يدعو إلى مثل هذه الأفكار على مر التاريخ حتى عصرنا الحاضر، إذ وجدت فرقة تسمت باسم (القرآنيين) ، قد ظهرت في الهند والباكتسان، وسرت عدواها إلى مصر وغيرها من البلاد العربية.
وتذهب هذه الفرقة إلى إنكار السنة وحجيتها بدعوى الاكتفاء بالقرآن، واخترعوا دينا جديدا لا مرجع فيه إلى السنة. وإنما اعتمدوا على القرآن بزعمهم، مدعين أن القرآن وحده كاف لإقامة الحياة الإسلامية وليست هناك حاجة إلى السنة.
وبناء عل ذلك تأولوا- بأهوائهم- آيات القرآن بما يجعله شاملا للأحكام بتفاصيلها، وراحوا يلتمسون من الشبهات ما يقوي بنيانهم، ولو أننا استغنينا عن السنة لانهدم الدين من أساسه ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه. وليس المقام هنا مقام الرد على هؤلاء الزنادقة ودحض شبهاتهم فقد اكتفيت فيه برد غيري (2) .
وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين بالتحذير منهم، فأخرج الدارمي بسنده عن عمر رضي الله عنه قال: «إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (3)
_________
(1) انظر: كتاب جماع العلم ضمن كتاب الأم للإمام الشافعي، ط2، نشر دار المعرفة، بيروت، 1393هـ، 7 / 271 وما بعدها.
(2) انظر في عرض آراء هذه الفرقة وشبهاتها والرد عليها.
رسالة: فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها.
رسالة ماجستير مقدمة من الباحث خادم إلهي حسين بخش إلى جامعة أم القرى، 1401 هـ.
(3) سنن الدارمي، 1 / 49.
(1/120)
وأخرج الآجري بسنده عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فقال رجل: (إن الله قال في كتابه كذا وكذا، فقال: لا أراك تعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل، رسول الله أعلم بكتاب الله عز وجل سبحانه وتعالى) (1) .
وأخرج ابن عبد البر بسنده عن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف ابن عبد الله بن الشخير: (لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .
بقي أن أنبه إلى أمر مهم جدا تغافل عنه أكثر المسلمين اليوم ألا وهو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته من الدين، فأكثر المسلمين اليوم على أن اتباع السنة وتطبيقها أمر اختياري من باب المستحبات لا الواجبات، والسبب الأكبر في ذلك غلبة الجهل بالسنة ومكانتها من الدين، وسكوت العلماء والدعاة- إلا من رحم الله- عن نشر السنة وتقريبها إلى الناس، هذا مع غلبة التعصب المذهبي على أكثرهم مما حال بينهم وبين البحث عن الهدي النبوي الشريف.
لأجل هذا صارت السنة في أكثر البقاع مهجورة وغريبة وأغرب منها من يستمسك بها ويدعو إليها.
هذا مع ادعاء الأكثرية أنهم مازالوا على الصراط المستقيم، وأنهم مطيعون متبعون، وكأن الاتباع يثبت بمجرد الدعوى دون أدلة وشواهد حقيقية وواقعية. ورغم كل هذا فلا تزال طائفة من هذه الأمة في كل بلد قائمة بالسنة داعية إليها صابرة على ما تلاقي من ألوان الأذى والصد عن سبيل الله.
_________
(1) كتاب الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر. حديث أكاديمي، فيصل آباد، باكستان، ص51.
(2) جامع بيان الحلم وفضله وما يبغي في روايته وحمله للإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر. المكتبة العلمية، المدينة المنورة، 2 / 191.
(1/121)
كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (1) .
لذا كان لأبد من تحديد آثار الاتباع ومظاهره حتى يتبين المتبع حقا من غيره، وهذا ما سأبينه في المبحث القادم إن شاء الله.
_________
(1) صحيح مسلم. كتاب الإمارة. باب قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين 3 / 1523.
(1/122)
............................
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/top_graph.gif
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/sunnah_arrow_r.gif
( فهرس الكتاب - فهرس المحتويات )
http://madrasato-mohammed.com/maowsoat_aqida_sunnah_02/sunnah_arrow_l.gif
محبة الرسول بين الاتباع والابتداع
[المبحث الثالث مظاهر الاتباع]
المبحث الثالث
مظاهر الاتباع اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أمر واجب وفرض عين على الأمة كلها في عسرها ويسرها ومنشطها ومكرهها. ولا يصير المسلم مسلما حتى يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله وأفعاله حسب علمه واستطاعته، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مثل محبته من حيث كونه مقترنا بشواهد تؤكده ومظاهر عملية تحدده وبدونها يصير الاتباع دعوى مجردة عن الدليل.
وأود في هذا المبحث أن أبين بعض مظاهر الاتباع التي إذا تحققت تحقق الاتباع وصدقت المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن هذه المظاهر:
أولا: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به: قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] (1) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
" هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل. صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
_________
(1) سورة الأحزاب، آية (21) .
(1/123)
ولهذا قال تعالى للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم (1) والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم هو: أن نفعل مثلما فعل على الوجه الذي فعله، من وجوب أو ندب، وأن نترك ما تركه، أو نهى عنه من محرم أو مكروه، كما يشمل التأسي به التأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك فالتأسي والاقتداء شامل لكافة أمور الدين.
فإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم قولا قلنا مثل قوله، وإذا فعل فعلا فعلنا مثله، وإذا ترك شيئا تركناه فيما لم يكن خاصا به، وإذا عظم شيئا عظمناه، وإذا حقر شيئا حقرناه، وإذا رضي لنا أمرا رضينا به، وإذا وقف بنا عند حد وقفنا عنده ولم يكن لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر عنه.
وبالجملة فإن الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم هو تجريد متابعته والتلقي عنه وحده فكما أن الرب سبحانه واحد فالرسول الذي أمرنا باتباعه واحد فهما توحيدان: توحيد المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، وتوحيد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وبدون هذا لا يصير المسلم مسلما. ذلك هو الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعيار الذي ينبغي أن توزن به أفعال الناس وأقوالهم وعقائدهم وسائر أمورهم. وطريق التأسي به مبنى على العلم بهديه صلى الله عليه وسلم في كافة أمور الدين والعمل به.
وقد وعت دواوين السنة وكتب السير والشمائل كافة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسجاياه وأخلاقه وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد وحفظت ذلك أتم حفظ.
وقام أولو العلم في كل عصر بتقريب الناس من هذا الهدى النبوي الشريف
_________
(1) تفسير ابن كثير، 3 / 475.
(1/124)
قياما بواجبهم في تبليغ هذا الدين ونصحا للمسلمين، فما تركوا شيئا من هديه صلى الله عليه وسلم إلا وبينوه أتم بيان، فأبان الله بهم السبيل وقطع بهم المعاذير، فالسعيد من اتبع خطاهم والشقي من تنكب طريقهم وجفاهم.
فعلى كل مسلم يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم من سننه وهديه ما يدخل به في عداد المقتدين المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم:
" وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه مما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " (1) .
والسبيل العملي للتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم هو تطبيق السنة في حياة الفرد والجماعة. وهذا التطبيق يشمل كافه جوانب الدين من اعتقادات وعبادات ومعاملات وأخلاق وآداب ونظم اجتماعية وإدارية وسياسية شرعية. ومما يعين على تطبيق السنة، إحياؤها بنشر العلم الشرعي الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا واجب على كل من علم من الدين شيئا أن يبلغه، ويتعين هذا ويتأكد وجوبه في حق أهل العلم وحملة الشريعة، أخذا من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] (2) فهذه الآية وإن نزلت في حق أهل الكتاب توبيخا لهم لكتمانهم أمر رسول
_________
(1) زاد المعاد من هدى خير العباد لابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط ط 8، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405 هـ، 1 / 69- 70.
(2) سورة آل عمران، آية (187) .
(1/125)
الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به مع علمهم بأنه هو النبي الخاتم والمبشر به من قبل أنبيائهم، إلا أن فيها تحذيرا لعلماء هذه الأمة من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب في كتمان العلم فيصيبهم ما أصابهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئا (1) .
كما ورد في السنة الحث على تبليغ العلم في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2) وأخرج الترمذي بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع» (3) وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم (4) " انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا (5) والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وكلها تؤكد وجوب تبليغ السنة ونشرها في كل عصر ومصر. ويتحتم هذا الأمر في حالة الجهل بالسنة
_________
(1) انظر، تفسير ابن كثير، 1 / 437.
(2) البخاري. كتاب أحاديث الأنبياء. باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4 / 207.
(3) سنن الترمذي. كتاب الحلم، باب في الحث على تبليغ السماع 4 / 142، وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 437، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علما 1 / 85.
والحديث متواترا رواه أربعة وعشرون صحابيا.
انظر: دراسة حديث " نضر الله امرأ سمع مقالتي) رواية ودراية. تأليف عبد المحسن العباد، ط1، المدينة المنورة، 1401 هـ.
(4) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. تابعي فقيه، استحمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه.
انظر فتح الباري، 1 / 194.
(5) ورده البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، 1 / 35.
(1/126)
أو الإعراض عنها وهجرانها كما هو الحال في هذا الزمان الذي عم فيه الهجران للسنة وتعاليم الدين كافة بلاد المسلمين إلا قليلا ممن هداهم الله ووفقهم للتمسك بالسنة والصبر عليها.
والسبب في ذلك قلة الاهتمام بالعلم الشرعي، وتقصير أهل العلم في القيام بواجبهم في تبليغ هذا الدين على الوجه المطلوب، هذا مع غلبة التعصب المذهبي والتقليد الأعمى على أكثر الناس، مما جعل بين المسلمين وبين هدى نبيهم جفاء وبعدا- إلا من رحم الله. فيجب على كل مسلم يحب الله ورسوله أن يقوم بواجبه في تبليغ هذا الدين حسب علمه واستطاعته، صابرا في سبيل ذلك على ما يلاقي في جنب الله من أذى. متأسيا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين وقفوا حياتهم لتبليغ هذا الدين، باذلين في سبيل ذلك النفس والنفيس. فرضي الله عنهم وعمن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وهذا هو مظهر الاتباع والحب الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي:
" وإذا لزم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سن، وكان لزوم فرضا باقيا، ولا سبيل إلى اتباع سنته إلا بعد معرفتها، ولا سبيل لنا إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق عنه لزم قبوله صلى الله عليه وسلم متابعته، ولذلك أمر بتعليمها والدعاء إليها، وبالله التوفيق " (1) .
ثانيا: تحكيم السنة والتحاكم إليها: إن مما يؤكد صدق الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحكيم سنته والتحاكم إليها وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحكام فما وافقها قبل وما خالفها رد وإن قاله من قاله. وقد وردت آيات كثيرة تؤكد هذا الأمر منها قوله تعالى:
_________
(1) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للإمام أبي بكر البيهقي، تصحيح كمال يوسف الحوت، ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1403 هـ، ص 154.
(1/127)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] (1) .
فأمر الله المؤمنين برد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن ذلك خير لهم في الدنيا وأحسن عاقبة في الأخرى، وفي الأمر بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دلالة صريحة على أنهما كافيان لفصل النزاع وتقديم الحل لكل مشكلة تقع بين المسلمين. وإن إيمان المؤمن ليحمله على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله آنا بعد آن لمعرفة حكم الشرع في كل ما يجد له من أمور الحياة.
وفائدة هذا الأمر عظيمة جدا، إذ يظل المسلم على جادة الاتباع لا يحيد عن الصراط المستقيم طالما أحسن الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد أمر الله بتحكيم نبيه- في حياته وسنته بعد مماته- في كالله أنواع النزاع للفصل فيها فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] (2) .
فأقسم سبحانه بذاته على أنه لا يثبت للمؤمنين الإيمان حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع في كافة الأمور وأن هذا التحكيم غير كاف حتى يجتمع إليه الرضى بحكمه والتسليم لأمره مع انشراح صدورهم وطيب نفوسهم بقضائه وحكمه.
وأصل ذلك أن المسلم متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كافة أحواله فإذا عرض له أمر أو تنازع مع أخيه المسلم في أي شأن من شئون الدين أو الدنيا فزع عند ذلك إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يجد فيها جوابا شافيا كما كان حال الصحابة معه صلى الله عليه وسلم في حياته، يفزعون إليه يسألونه في كافة أمورهم، ويحتكمون إليه في كل شئونهم، فإذا حكم بشيء قبلوا حكمه وسلموا به عن طيب نفس ورضى.
_________
(1) سورة النساء، آية (59) .
(2) سورة النساء، آية (65) .
(1/128)
وبعد موته عليه الصلاة والسلام كان الصحابة إذا اختلفوا في أمر أو خفي عليهم حكمه تحاكموا إلى من يعلم بالسنة فيما اختلفوا فيه، فإذا ثبتت عندهم السنة لم يتجاوزوها إلى غيرها.
فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي، يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (1) فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله بغرة (2) فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.» (3) .
وأخرج الشافعي بسنده عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي (4) من ديته. فرجع إليه عمر» (5) .
وقد جمع الإمام الشافعي جملة من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم تؤكد
_________
(1) المسطح: هو عود من أعواد الخباء أو الفسطاط " الخيمة ".
انظر: النهاية في غريب الحديث. لابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي مطبعة عيسى الحلبى، مصر، 4 / 330.
(2) الغرة: العبد أو الأمة، والغرة هي ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد أو الإماء، قال ابن الأثير: (وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. انظر- النهاية في غريب الحديث، 3 / 353.
(3) أخرجه الشافعي في الرسالة 427.
وأصل الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الديات. باب جنين المرأة وأد العقل على الولد، 14 / 9- 15. وانظر فتح الباري، 12 / 164- 252.
(4) أشيم الضبابي صحابي قتل خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، 1 / 67.
(5) رواه الشافعي في الرسالة 426، وأحمد في المسند، 3 / 452، والترمذي في أبواب الفرائض، باب ما جاء في توريث المرأة من دية زوجها وقال حديث حسن صحح، 3 / 288، والحديث صححه الهيثمي من رواية الطبراني. انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، ط3، 4 / 230 - 231، دار الكتاب العربي بيروت.
(1/129)
أخذهم بالسنة متى ثبتت واطراح كل رأى يخالفها وإن كان قد جرى عليه العمل (1) ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة أعظم الأسوة في التمسك بالسنة وتحكيمها في كافة أمورنا.
وتحكيم السنة والتحاكم إليها هو الفارق بين المسلم الحريص على اتباع السنة وبين من يتبع هواه بغير هدى من الله. فمن تحاكم إلى غير الوحي فقد تحاكم إلى الطاغوت، وذلك كحال من يتحاكم إلى أدلة العقول المبنية على المنطق اليوناني وهذا هو شأن الفلاسفة وأهل الكلام، ومثل ذلك من يتحاكم إلى الذوق والوجد أو مشايخ الطريق وهذا هو حال الصوفية.
أو كالشيعة الذين يتحاكمون إلى الأئمة المعصومين بزعمهم، ويلتحق بأولئك من يتحاكمون إلى القوانين الوضعية، أو أي مبدأ من المبادئ الهدامة أو عرف من الأعراف البشرية السائدة أو غير ذلك مما تحتكم إليه الجاهلية قديما وحديثا معرضين بذلك عن الحكم بكتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما.
وهذا الإعراض والصدود هو حال المنافقين في كل زمان ومكان وإن زعموا أنهم يريدون بذلك إحسانا وتوفيقا، أو أنهم يعملون لمصلحة الأمة وقد نبه الله على صنيعهم وأبان عن سوء حالهم فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 60 - 63] (2)
_________
(1) انظر الرسالة، ص422، وما بعدها.
(2) سورة النساء، آيات (60-63) .
(1/130)
قال ابن القيم:
(. . . . إن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته (1) ثالثا: الرضى بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه: من مظاهر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم الرضى بحكمه وشرعه وهذا الأمر تابع للرضا بالله ربا وإلها، فمن رضي بالله ربا، رضى بالرسول الذي أرسله والدين الذي أنزله. فمن حصل له ذلك فهو السعيد حقا.
أخرج مسلم بسنده عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا» (2) فإذا رضي المسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا لم يلتفت إلى غير هديه، ولم يعول في سلوكه على غير سنته وحكمه وحاكم إليه وقبل حكمه وانقاد له وتابعه واتبعه، ورضي بكل ما جاء به من عند ربه، فسكن قلبه لذلك واطمأنت نفسه وانشرح صدره، ورأى نعمة الله عليه وعلى الخلق- بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وبدينه- أعظم من
_________
(1) إعلام الموقعين، 1 / 50.
(2) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبار، 1 / 62.
(1/131)
أي نعمة. ففرح بفضل ربه عليه ورحمته به أن جعله من أتباع خير المرسلين وحزبه المفلحين.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57 - 58] (1) والرضى كلمة تجمع القبول والانقياد، فلا يكون الرضى إلا حيث يكون التسليم المطلق والانقياد ظاهرا وباطنا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه. وكل التفات أو عدول عن الوحي إلى غيره أو اعتراض عليه فهو مناقض للرضى ودليل على النفاق ومؤد إلى الكفر والمروق من الدين.
وقد وقعت طوائف من الأمة فيما يعارض الرضى ويناقضه من الاعتراض على ما جاء به الرسول من ربه، واتخذ ذلك أشكالا متعددة:
- فمنهم من اعترض على توحيد الألوهية بجنس ما اعترض به المشركون الأولون من محبة الأنبياء والصالحين والتقرب بهم إلى الله زلفى. فلم يرضوا بالتوحيد الخالص حتى شابوه ودنسوه بدنس الشرك.
- ومنهم من اعترض على أسماء الله وصفاته بالشبه الباطلة، والظنون الحائرة فنفوا ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأثبتوا ما نفاه الله ورسوله عنه فتاهوا في الضلال والعمى. ولو أنهم رضوا بما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ووقفوا عنده لاهتدوا من الضلالة ولأبصروا بعد العمى ولسعدوا بالهدى.
- ومنهم المعترض على الشرع: إما بالآراء والأقيسة الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه. وإما بالاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالذوق والوجد والكشف ومشايخ الطريق. فحادوا لأجل ذلك عن الصراط المستقيم، وعولوا على أهوائهم وما ألقته
_________
(1) سورة يونس، آية (57-58) .
(1/132)
إليهم شياطينهم من زخارف القول. فهم على هذا عاكفون، وعن طريق الحق والهدى معرضون وصادون.
- ومنهم من اعترض على الشريعة بالسياسات الجائرة والقوانين الوضعية الخاسرة وألزموا الناس بها كأنها شرع منزل، وتركوا شرع رب العالمين وعطلوا حدوده وأهملوا شعائره، وانتهكوا محارمه. زاعمين مع ذلك أنهم يريدون إحسانا وتوفيقا فوقعوا في الضلال والحيرة وكساهم الله ثوب الصغار والذلة وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف والقلة. ولو رضوا بشرع رب العالمين لحصل لهم العز والتمكين.
- ومنم من اعترض على أفعال الله وقضائه وقدره وحكمته بأنواع من الشبه الإبليسية التي تطعن في عدل الله وحكمته وعلمه وهذا اعتراض الجهال والسبب الذي أخرجهم من الرضا إلى الاعتراض هو تلقيهم واستمدادهم من غير الوحي والتزامهم أصولا تخالف شرع رب العالمين ولا نجاة من هذا الداء- أعني داء الاعتراض- إلا بالتسليم المطلق للوحي والإقبال عليه مع اليقين التام بأن فيه الهداية والشفاء (1) رابعا: الوقوف عند حدود الشريعة: - هذا الأمر ثمرة للرضا، فمن رضي بحكم رسول الله ودينه وشرعه وقف عند حدود شريعته ولم يتجاوزها إلى غيرها، ولا يكون ذلك إلا إذا أيقن المسلم أن الدين قد كمل فليس بحاجة إلى زيادة ولا نقصان، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين فلم يترك من أمر الدين شيئا إلا وبلغه. فإذا علم المسلم ذلك وأيقن به وقف عند حد الشريعة ولم يتعدها. والحدود التي أمرنا بالوقوف عندها وعدم تعديها: هي جملة ما أذن الله في فعله سواء كان على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه (2)
_________
(1) انظر: مدارج السالكين، 2 / 69- 71.
(2) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص246.
(1/133)
وتعدي الحدود يشمل الإفراط والتفريط، لكن أكثر ما يطلق على الإفراط ومجاوزة الحد، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] (1) وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] (2) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] (3) وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (4) .
أي أنهم يتجاوزون حدود الطهور بالزيادة فيه والدعاء بالإخلال بشروطه، فمن تجاوز حدود الشريعة فقد خرج عنها إلى غيرها مما زينه له الشيطان كما قال بعض السلف: " ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة- وهي الإفراط- ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان (5) ولأجل هذا أمرنا الله بلزوم الصراط المستقيم، وأن نسأله كل صلاة أن يهدينا إليه. في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] (6) وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] (7) ونهي الله عن تعد الحدود ومجاوزتها، والتقدم بين يدي الله ورسوله حتى لا يزاد في دين الله بالأهواء. وعدم الوقوف عند حدود الشريعة أنتج في الأمة صنوفا من البدع وضروبا من الغلو وألوانا من الخروج على الدين ما كان لها أن توجد لولا مجاوزة هذه الحدود. فأصاب الدين وأهله من المبتدعة والغلاة شر كثير.
_________
(1) سورة البقرة، آية (229) .
(2) سورة الأعراف، آية (55) .
(3) سورة المائدة، آية (87) .
(4) أخرجه أحمد في مسنده. من حديث عبد الله بن مغفل، 4 / 86، 87، والحاكم في المستدرك، 1 / 540، وصححه ووافقه الذهبي.
(5) انظر: مدارج السالكين 2 / 108.
(6) سورة الفاتحة، آية (5) .
(7) سورة الأنعام، آية (153) .
(1/134)
نخلص من هذا إلى أن الاتباع مرتبط بمظاهر عملية من حققها فقد حقق الاتباع، وصدقت محبته لله ورسوله ومن أخل بها فقد أخل بالاتباع وكان ذلك دليلا على نقصان المحبة عنده.
(1/135)
.....................................

( فهرس الكتاب - فهرس المحتويات )
محبة الرسول بين الاتباع والابتداع
[الباب الثاني الغلو والابتداع]
[الفصل الأول الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم]
[المبحث الأول مفهوم الغلو]
الباب الثاني
الغلو والإبتداع (وفيه فصلان) الفصل الأول: الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثاني: الابتداع.
(1/137)
الفصل الأول
الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ستة مباحث المبحث الأول: مفهوم الغلو.
المبحث الثاني: الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى.
المبحث الثالث: الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الشيعة.
المبحث الرابع: الغلو في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصوفية. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الغلو عند الحلاج.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن عربي.
المبحث الخامس: أثر الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم على الاعتقاد والأعمال.
المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1/139)
المبحث الأول
مفهوم الغلو أصل الغلو في اللغة يطلق على مجاوزة الشيء حده الذي وضع له، سواء كان هذا الحد شرعيا أو عرفيا.
قال الراغب:
(الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر " والمنزلة غلو، وفي السهم غلو، وأفعالها جميعا غلا يغلو.
قال تعالى: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] (1) والغلي والغليان يقال في القدر إذا طفحت، ومنه استعير قوله: {طَعَامُ الْأَثِيمِ - كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ - كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 44 - 46] (2) وبه شبه غليان الغضب والحرب، وتغالي النبت يصح أن يكون من الغلي، وأن يكون من الغلو. غلواء: تجاوز الحد في الجماح، وبه شبه غلواء الشباب) (3) وجاء في اللسان: (. . . وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده، وفي التنزيل
_________
(1) سورة النساء، آية (171) ، والمائدة، آية (77) .
(2) سورة الدخان، آية (44-46) .
(3) المفردات، ص364 - 365، مادة: غلا.
(1/141)
{لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] (1) وفي الحديث: «إياكم والغلو في الدين» (2) أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
. . . ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» (3) إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور، «وخير الأمور أوساطها» (4) وعلى ذلك فالمادة تدور في اللغة حول مجاوزة الحد أيا كان نوعه. فإذا نظرنا إلى معنى الغلو في الشرع فسنجده موافقا للمعنى اللغوي إذ يطلق الغلو في الشرع على مجاوزة حدود الشريعة عملا أو اعتقادا.
وقد وردت مادة الغلو والنهي عنه مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] (5) وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (6) قال القرطبي في تفسير الآية الأولى:
_________
(1) سورة النساء، آية (171) ، والمائدة، آية (77) .
(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حص الرمي 2 / 1008 وسيأتي تخريجه.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب. باب في تنزيل الناس منازلهم، 5 / 174، والحديث حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت) 1460 هـ 1 / 660.
(4) لسان العرب، 5 / 132، مادة غلا.
وانظر: مقاييس اللغة 4 / 387- 388.
(5) سورة النساء، آية (171) .
(6) سورة المائدة، آية (77) .
(1/142)
" قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة: 77] نهي عن الغلو، والغلو التجاوز في الحد، ومنه: غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها (1) ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر (2) .
كما ورد لفظ الغلو والنهي عنه في السنة موافقا معناه لما في القرآن ففي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «قال لي رسول صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف. فجعل ينفضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (3) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك) (4)
_________
(1) لداتها: أي أترابها ومثيلاتها.
(2) الجامع لأحكام القرآن لابن عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط 2- دار الكتب المصرية، 1357 هـ، 6 / 21.
(3) سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر الحصى، 2 / 1008، ورواه النسائي في السنن.
ص ب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، 5 / 268، والإمام أحمد ني المسند، 1 / 215 " 347.
والحديث صحيح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هدا إسناد صحح على شرط مسلم. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل. ط 1، مطابع العبيكان، الرياض، 1404هـ، 1 / 2988-. 289.
(4) المصدر نفسه، 1 / 289.
(1/143)
فهذه النصوص بينت أن الغلو- يراد به شرعا مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع قدرا ووصفا، اعتقادا وعملا. وقد وردت في الشرع ألفاظ تقارب الغلو في معناه. مثل التشدد والتشديد، والتعمق والتنطع والتكلف، وكلها مرادفة للغلو وتجتمع معه في كونها مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع، كما يلاحظ في الغلو أنه تجاوز من مشروع إلى غير مشروع فمثلا تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم والإشادة بذكره، هذا أمر مشروع طالما كان ذلك في حدود بشريته. فإذا تجاوزنا بتعظيمه حدود بشريته صار هذا غلوا.
[أنواع الغلو]
أنواع الغلو تتعدد أشكال الغلو وصوره، فمنه ما يكون في الاعتقاد ومنه ما يكون في العمل:
(أ) الغلو في الاعتقاد: ويتمثل في مجاوزة حدود الاعتقاد الصحيح إلى غيره من ضروب الانحراف، والمتأمل في آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع اعتقاد يجدها قد غلت في ناحية من نواحي الاعتقاد حتى خرجت عن الصراط المستقيم. ففي صفات الله تعالى نجد النفاة والمؤولة غلوا في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم، وفي المقابل نرى المجسمة والمشبهة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التجسيم والتشبيه، والحق وسط بين الفريقين تنزيه بلا تعطيل، وإثبات بلا تجسيم ولا تمثيل.
وعلى هذا النهج سارت طوائف المتكلمين، فطائفة تثبت شيئا وتغالي فيه وأخرى تثبت نقيضه وتغلو فيه.
(1/144)
ومن الغلو في الاعتقاد غلو النصارى في عيسى عليه السلام حتى أخرجوه من حيز البشرية إلى مرتبة الألوهية.
- ومنه غلو الشيعة في علي رضي الله عنه، فطائفة ادعت أنه إله، وطوائف على أنه معصوم (1) .
- ومنه غلو بعض المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ادعوا أنه مخلوق من نور وأن الكون خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكوان. إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
ومنه الغلو في الصالحين ومشايخ الصوفية، بادعاء العصمة لهم، واتباعهم في كل ما يقولونه بلا دليل، والاستغاثة بهم وندائهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى غير ذلك من العقائد الشركية.
(ب) الغلو في العمل: ويقصد به ما كان واقعا في دائرة الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب، أو المكروه بمنزلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا في الدين وجانب الصراط المستقيم، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله- مثلا- فقد غلا لأنه جعل المندوب بمنزلة الواجب، ولأنه جاوز حدود السنة في هذا الجانب. ومثل هذا من حرم ما أحل الله من النكاح وأكل الطيبات زهدا وتعبدا. ويدخل في هذا الباب كل من زاد على المشروع قدرا أو وصفا، وذلك كالزيادة على الثلاث في الوضوء مثلا.
_________
(1) انظر: اعتقادات فرق الشيعة في: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. تحقيق. هلموت ريتر، ط 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 5- 85. والفرق بين الفرق. عبد القاهر بن طاهر البغدادي. تحقيق. محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص 29- 72.
(1/145)
يقول ابن تيمية:
(والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات) (1) وقال ابن القيم:
(والغلو نوعان:
- نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرا، أو نحو ذلك عمدا.
- وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (2) وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا!) (3) وهم المتعمقون المتشددون) (4)
_________
(1) اقتضاء الصراط المستقيم، 1 / 2831.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، 1 / 16.
(3) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، 4 / 2055.
(4) مدارج السالكين، 2 / 496- 497.
(1/146)
[أسباب الغلو]
أسباب الغلو يمثل الغلو ظاهرة انحراف خطيرة في تاريخ الأديان السماوية، إذ يعد من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم. ويبدأ هذا الانحراف يسيرا ثم يتعاظم على مر الأيام حتى يصبح كأنه الأصل.
وها هي النصرانية! كيف كانت على عهد المسيح عليه السلام عقيدة خالصة من شوائب الشرك ودينا قويما، ثم أصابها الغلو فانحرف بها عن التوحيد الخالص إلى الشرك المحض ومن دين سماوي إلى دين وضعي ممزوج بوثينات الهند وترهات اليونان وأباطيل اليهود.
وهذا الغلو لا ينشأ فجأة من فراغ، ولكنه مرتبط بعدة عوامل وأسباب تؤدي إليه، وتظهره. وهذه الأسباب كثيرة ومتنوعة لكننا نريد أن نقف علي أهم الأسباب التي أدت إلى وجود الغلو لدى طوائف من المسلمين. وأول هذه الأسباب:
1 - الجهل بالدين ويتمثل هذا في جوانب متعددة منها:
- القصور في فهم مقاصد الشريعة من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. ويتجلى هذا في صنيع المتشددين على أنفسهم في العبادات.
- ومنها الجهل بحدود الشريعة التي يجب على المكلف أن يقف عندها ولا يتعداها ويتمثل هذا في كل أنواع الغلو المجاوزة لحدود الشريعة وذلك كتحريم المباح أو إيجاب ما ليس بواجب ويدخل فيه الخروج ببعض الأنبياء أو الصالحين عن حد البشرية بوصفهم بصفات الألوهية.
- ومنها القصور في فهم نصوص الشريعة، ويتجلى هذا الأمر في النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشريعة.
(1/147)
فمثلا. وردت النصوص الشرعية في الوعد والوعيد. فنصوص الوعد تبعث في قلوب الخائفين والمذنبين الرجاء والأمل في التوبة والوعد بالمغفرة والرحمة لكل من أقبل على الله تائبا من ذنبه.
وفي المقابل نرى نصوص الوعيد تتوعد الكفار والمشركين وأهل الكبائر المصرين على ذنوبهم بأليم العذاب وشديد العقاب إذا لم يتوبوا ويؤمنوا. فإن تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات تاب الله عليهم.
فهذه هي النظرة المتكاملة في باب الوعد والوعيد ولكن قصور الفهم يأتي من النظرة الجزئية إلى أحد الجانبين وإهمال الجانب الآخر والإعراض عنه، ومحاولة التأويل المتعسف للنصوص الشرعية.
كما وقع ذلك من الخوارج والمرجئة. فالخوارج غلبوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فحكموا بكفر مرتكب الكبيرة وتخليده في النار. وأما المرجئة فغلبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد للعصاة فزعموا أنه لا تضر مع الإيمان معصية وعطلوا بذلك جزءا كبيرا من نصوص الشرع.
ومثلهم غلاة المتصوفة في الرسول صلى الله عليه وسلم حين غلوا فيه حيث نظروا إلى جانب التعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم وأهملوا جانب التوحيد وسد الذريعة إلى الشرك، والسبب الذي أوقعهم في ذلك هو النظرة الجزئية القاصرة لنصوص الشرع، دون جمع النصوص بعضها إلى بعض حتى تكتمل النظرة ويصح الحكم عليها. لكن الجهل بمقاصد الشريعة مع غلبة الهوى وعدم البصيرة هو الذي أوقع المبتدعة فيما وقعوا فيه.
يقول الشاطبي (1) .
_________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي (. . . - 790 هـ) فقيه. أصولي. لغوي. مفسر. . من تصانيفه عنوان التعريف بأسرار التكليف، والموافقات في أصول الأحكام، وعنوان الاتفاق في علم الاشتقاق وغيرها. انظر: معجم المؤلفين، 1 / 118- 119، والأعلام، 1 / 75.
(1/148)
(ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد. وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض. فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها. . . . فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان. . وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما، أي دليل كان، عفوا وأخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي. فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا. فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] (1)) (2) .
ثانيا- اتباع الهوى: يطلق الهوى على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء. وهو غالبا ما يطلق على الزيغ والضلال.
واتباع الهوى هو الانحراف عن الحق إلى الباطل لزيغ في القلب وفساد في العقل. وهو طريق كل حائد عن الصراط المستقيم من الضالين، كما أن اتباع الحق والهدى سبيل المؤمنين.
وقد ورد في القرآن ذم الهوى واتباعه والتحذير منه في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم: 29] (3) وقوله تعالى:
_________
(1) سورة النساء، آية (122) .
(2) الاعتصام. لأبي إسحاق إبراهيم بن مومى اللخمي الشاطبي، طبع دار الفكر بيروت، 1 / 244 - 245.
(3) سورة الروم، آية (29) .
(1/149)
{وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] (1) وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (2) واتباع الهوى من أكبر أسباب الغلو في الدين. ويتمثل هذا في تحسين الظن بالعقل وجعله حاكما على الشرع كما وقع هذا بين طوائف المتكلمين والصوفية، حيث ابتدعت كل طائفة أصولا وقواعد حكمت بها على النصوص، فما وافقهم قبلوه، وما خالفهم ردوه بنوع تأويل أو تحريف أو قدح في رواته أو نفيه إن كان خبر آحاد. إلى غير ذلك من الشبه الباطلة.
فلما لم يضعوا الشرع في مكانه، وغلوا في تقديس عقولهم وقعوا في المهالك.
ثالثا- الاعتماد على الأحاديث الواهية والموضوعة: إن حدوث الوضع في الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن شيئا عفويا بل كان تيارا منظما أحدثته الزنادقة كيدا للإسلام، وتنفيسا لكوامن حقدهم عليه. وتجلى ذلك في محاولة تشويه الإسلام بإدخال رواسب أفكارهم ومعتقداتهم التي عمها الإسلام، فأخرجوها في قالب الأحاديث حتى تروج على العامة. وتعتبر الشيعة أوضح مثال على ذلك، حيث وضعوا الأحاديث في فضائل علي ومناقب آل البيت، والإمامة وسائر عقائدهم، ففتحوا بذلك باب الغلو في الأشخاص في هذه الأمة.
يقول ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي (3) .
_________
(1) سورة الأنعام، آية (119) .
(2) سورة المائدة، آية (77) .
(3) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد المدائني (586- 655هـ) كاتب، شاعر، أديب شيعي غال، ومن أعيان المعتزلة أيضا، نشأ بالمدائن ثم سار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بديوان الخليفة، وكانت له حظوة عند الوزير ابن العلقمي الرافضي لما بينهما من المناسبة والمشابهة في التشيع والأدب. انظر ترجمته في: البداية والنهاية، 13 / 199- 200، ووفيات الأعيان 2 / 158.
(1/150)
" واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم. حملهم على وضعها عداوة خصومهم (1) .
ويهمنا في هذا النص اعتراف أحد كتابهم بذلك، وكما قيل: الاعتراف سيد الأدلة. كما قام بعض ضلال الفرق بوضع الحديث تأييدا لمذهبه وردا على خصومه. وقد كان للزنادقة خاصة في العصر العباسي الأول دور في وضع الحديث في كافة جوانب الدين وأهمها الاعتقاد.
وكان قصدهم من وراء ذلك تشويه الإسلام، وتنفير الناس منه فكانت هذه الأحاديث رصيدا لمن أتى بعدهم من الغلاة يعتمد عليها ويستدل بها. وقل أن يوجد فكر منحرف أو عقيدة غالية إلا ووراءها أحاديث موضوعة وواهية.
رابعا- رواسب الديانات القديمة: مع اتساع موجة المد الإسلامي بكثرة فتوح البلدان، دخل في الإسلام أجناس شتى طائعين ومكرهين. ولم يكن انتشار الإسلام بهذه السرعة يوافق رضا كثير من أعدائه بل كان شجى في حلوقهم وغيظا في قلوبهم وقذى في أعينهم لما رأوا أن الدولة للإسلام، وأن مقاومته وحربه بالسيف غير ممكنة ولا مجدية، دخلوا في الإسلام متظاهرين ليكيدوا له من الداخل، فراحوا يشوهون صورته ويمزقون وحدته، وراموا أحياء وثنياتهم من خلاله، وإفساد صفاء العقيدة الإسلامية.
وساعدهم على ذلك الفتن التي حدثت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه والتي كانت سببا في تفرق الأمة إلى شيع وأحزاب. ثم أعقب ذلك ظهور الفرق الكلامية بآرائها ومعتقداتها. والمتأمل في تاريخ الفرق الكلامية وآرائها المخالفة
_________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع مطبعة عيسى الحلبي، مصر، 1381هـ 11 / 48 - 49.
(1/151)
لمعتقد أهل السنة والجماعة يرى تأثر الأفكار الدخيلة، من يهودية ونصرانية ومجوسية وفلسفات وثنية، يونانية وهندية ومصرية.
وقد حاول أعداء الإسلام جهدهم والتوفيق بين هذه الأفكار وبين الإسلام وإلباسها ثوب الإسلام، فظهر ما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، والتصوف الإسلامي، والفرق الإسلامية، على اختلاف آرائها ومقالاتها والتي بدا تأثير هذه الأفكار واضحا عليها. كما كان وراء نشأة كل فرقة أناس أسلموا ظاهرا مع كفرهم باطنا، كان هؤلاء رواد هذه الفرق ومؤسسيها. فمنهم عبد الله بن سبأ رأس الشيعة ومؤسسها والذي وضع لهم أساس العقائد الباطلة الموروثة إلى يومنا هذا، وذلك كالرجعة أي رجعة علي رضي الله عنه بعد موته إلى الدنيا قبل يوم القيامة وأنه سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا.
وكان يقول: " العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] (1) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فوضع لهم أساس رجعة الأئمة بذلك وهو الذي وضع لهم أساس الوصية. وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء وكان يقول: " أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي. وكان علي وصي محمد صلى الله عليه وسلم فمحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ".
ثم قال بعد ذلك: " ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان يقول وهو في يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى، مثلما قال في علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أنه أول من أظهر الطعن في الصحابة والتبرؤ منهم إلى غير ذلك من السموم التي نفثها في الشيعة فاتخذوها عقائد يعتقدونها، ودينا يتعبدون به (2) وقد كانت الشيعة مرتعا خصبا لتقبل
_________
(1) سورة القصص، آية (85) .
(2) انظر: تفصيل عقائد السبئية في: الملل والنحل. لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني.
تحقيق. محمد سيد كيلاني دار الصرفة بيروت 1404 هـ، 17311 وما بعدها.
وانظر عبد الله بن سبأ في أحداث الفتنة في صدر الإسلام. تأليف سليمان بن حمد العودة ط 1، دار طيبة. الرياض 1405 هـ، ص 199- 241.
(1/152)
هذه الأفكار وغيرها وذلك لقلة عقولهم وضعف تمييزهم.
وهكذا كان وراء كل فرقة عناصر أجنبية أتت بأفكارها وعقائدها المأخوذة من الديانات القديمة.
فقد كان وراء بدعة القدر رجل يقال له (سوسن) كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد بدعته في القدر (1) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل بدعة جهم بن صفوان في التعطل ونفي الصفات مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا (2) وإذا كان هذا التأثير قد تم بواسطة أشخاص امتلأت قلوبهم حقدا على الإسلام فلا ينبغي أن نغفل الدور المنظم الذي قام به اليهود والنصارى والمجوس ومن مالأهم من الزنادقة الذي سعوا بكل جهدهم في محاولة تشويه الإسلام بإدخال العقائد الباطلة والأفكار الهدامة إلى ساحة الإسلام.
_________
(1) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكاني. تحقيق د. أحمد محمد حمدان. نشر دار طيبة. الرياض 4 / 749- 750.
(2) انظر: مجموع الفتاوى، 1 / 660- 67. (1/153)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق