المشاركة من موقع الدكتور محمد العروسي
التأويل عند الأصوليين ............ بسم الله الرحمان الرحيم - مفهوم التأويل: - التأويل لغة: قال الجوهري في "الصحاح" (4/1627) في مادة (أ و ل): "التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشئ، و قد أولته و تأولته بمعنىً. و منه قول الأعشى: تأََوَّلُ ربعيّ السقاب فأصحبا === على أنها كانت تَأَوُّلُ حبِّها قال أبو عبيدة: يعني تأول حبها، أي تفسيره و مرجعه، أي إنه كان صغيرًا في قلبه فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى صار كبيرًا مثل أمه و صار له ابن يصحبه". و قال ابن فارس، رحمه الله تعالى، في "معجم مقاييس اللغة" (1/159- بتحقيق عبد السلام هارون): " و آل يؤول أي رجع. قال يعقوب:يقال" أول الحكم إلى أهله" أي أرجعه و رده إليهم. قال الأعشى: أأول الحكم إلى أهله قال الخليل: آل اللبن يؤول أَوْلاً و أَوُولاً: خثُر. و كذلك النبات. قال أبو حاثم: آل اللبنُ على الإصبع، و ذلك أن يروب فإذا جعلت فيه الإصبع قيل آل عليها. و آل القطران إذا خثر، و آل جسم الرجل إذا نحف، و هو من الباب، لأنه يحور و يحرى، أي يرجع إلى تلك الحال. و الإيالة السياسة من هذا الباب لأن مرجع الرعية إلى راعيها. قال الأصمعي: آل الرجل رعيته يؤولها إذا أحسن لسياستها." حتى قال (1/162) :" و من هذا الباب تأويل الكلام، و هو عاقبته و ما يؤول إليه، و ذلك قوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلهُ) (الأعراف:53). يقول: ما يؤول إليه في وقت بعثهم و نشورهم". و قد أطال ابن منظور - رحمه الله تعالى - النفس في بيان معنى هذه الكلمة في " لسان العرب " و لولا خوف الإطالة لنقلت منه، إلا أن كلامه يؤول إلى ما سبق نقله، و بالله التوفيق. - التأويل اصطلاحًا: و المقصود بـ (اصطلاحًا) إذا أطلقت بحسب العلم الذي نتكلم فيه هو ما اصطلح عليه أهل ذلك العلم فيما بينهم تحديدًا له كما قال الناظم: الحدُّ و الموضوعُ ثمَّ الثمرة === إنَّ مباديْ كلِّ علمٍ عَشَرَةْ فتعريف التأويل اصطلاحًا هو حده عند أهل الأصول و معهم علماء الكلام كذلك. - قال إمام الحرمين الجويني - رحمه الله تعالى - في " البرهان " (1/511 . تحقيق الديب):" التأويل: رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول ". - و قال أبو الحسن الآمدي - رحمه الله تعالى - في " الإحكام في أصول الأحكام " (3/48): " قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر ".ثم انتقد هذا التعريف و رجح أن التأويل: " من حيث هو تأويل، مع قطع النظر عن الصحة و البطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتمال له، بدليل يعضده " . - و لعَلَّ أوضح تعريف له هو تعريف أبي محمد يوسف ابن الحافظ أبي الفرج بن الجوزي - رحمهما الله تعالى - في كتابه " الإيضاح لقوانين الاصطلاح " (ص.20 بتحقيق السدلان)، قال: " التأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ". - و باقي تعريفات أئمة الأصول و الكلام متقاربة، إذ كلهم يحومون حول معنى واحد. لكن ههنا أمر هام أحب أن أذكره، نبه عليه الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - قال في " مجموع الفتاوى " (4/68): " ...لفظ التأويل قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاثة معان: - أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام و إن وافق ظاهره، و هذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب و السنة. كقوله تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلهُ * يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) (الأعراف: 52)، ومنه قول عائشة: " كان رسول الله ( يكثر أن يقول في ركوعه و سجوده: سبحانك الله ربنا ولك الحمد، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن"( رواه البخاري (817)). - والثاني: يراد بلفظ التأويل: التفسير، و هو اصطلاح كثيرمن المفسرين. و لهذا قال مجاهد- إمام أهل التفسير - إن ( الراسخين في العلم ) يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره و بيان معانيه، و هذا مما يعلمه الراسخون. والثالث: أن يراد بلفظ ( التأويل ) صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك. و هذا التأويل لا يكون إلاَّ مخالفًا لما يدل عليه اللفظ و يبينه. و تسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمّى هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه و أصوله و الكلام، وظن هؤلاء أن قوله تعالى: ( و ما يعلم تأويله إلاَّ الله ) (آل عمران: 7)، يراد به هذا المعنى، ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين ...إلخ "( راجع نفس الموضوع في " مجموع الفتاوى " (5/35 و13/284).). - التَّأويل عِنْدَ علمَاء الأصُول: الكلام في التأويل عند علماء الأصول يتطلب الكلام في نقطتين رئيسيتين: 1- مجال التأويل: قرر الأصوليون أنه لا يصوغ الاجتهاد في مورد النص المفسر أو القطعي و التأويل ضرب من الاجتهاد. و عليه فلا يجوز تأويل ( القطعيات )، لأن الشارع - عز و جل - عندما حدد مراده بنص صريح قاطع إنما قصد إلى استبعاده من أن يكون مَثارًا للاجتهاد و التأويل لما يأتي: - إما لكون النص يتعلق بحقائق ثابتة، كما في العقائد. - و إما لكونه يتعلق بمصلحة جوهرية ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة و الأمكنة، كالفرائض الميراثية أو العقوبات النصية على الجرائم. - و إما لكونه يقرر قاعدة ترسم منهجًا تشريعيًا في الاجتهاد، لأن القاعدة يجب أن تكون حاكمة على الأحكام التكليفية في الشريعة كلها. - و إما لكون النص الصريح القاطع يتعلق بأمهات الفضائل و أصول الأخلاق( المناهج الأصولية (ص. 165 - 166) للدكتور الدريني). و على ذلك نفهم أن مجال التأويل هو النصوص المحتملة و هي ما يسمى عند الأحناف بـ "الظاهر و النص". 2- أنواع التأويل عند الأصوليين: قلت المدون وقبل أن يدلف صاحب المشاركة الي استكمال أنواع التأويل عند الأصوللين أقول:
معني الحق وقانون الحــــــــــــق
قانون الحق ج1 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفي والصلاة والسلام علي المصطفي أما بعد فقد كثر اللغط حول : 1. ماهية الكبائر 2. ونوعية الصغائر وعم الخلاف فيها وطم حتي تغيرت الشرائع في نفوس الناس ومال الإسلام في عقائدهم وما الاسلام بمائل في مقصود الله تعالي ولا شك ان كل خلاف تتعدد به الرؤيا في المسألة الواحدة هو في كل أحواله باطل كله أو باطل كله الا وجها واحدا هو الموافق لمقصود الله تعالي…. الحكيم الخبير , ذلك لان الله تعالي يستحيل في حقه الباطل وأن قوله الحق والحق هو الثابت بلا شك , وأن من ثبات القول في حق كلام الله تعالي أن يتسم : 1. بالوضــــــــــــــــــوح 2. وعدم التغـــــــــــير 3. وامتناع الإزدواجية 4. و إمتناع النقـــــص 5. و إمتناع الحيـــــــد 6. و إمتناع الغباشـــة 7. و إمتناع الرمادية 8. و إمتناع التعددية 9. و إمتناع الاحتمالية 10. وامتناع كل عناصر السلب في حق الله تعالي المنزه عن كل وأي نقص *إنما يحدث كل ذلك حينما تتناوله عقول البشر فحينئذ يدخل الفهم البشري ويَسِمْ كلام الله تعالي المنزه .. بما ينضح به مخ كل متناول لمسألة من مسائل هذا الشرع الحنيف الثابت الذي لا يتغير وإن اجتمع علي تجريفة الإنس والجن ومن ظاهرهما من المخلوقات وذلك بقدر فهم كل متناول له , غير أن الله تعالي لم يدع كتابه الكريم عرضة لأفهام البشر , واجتهادات الناس المطلقة فوضع سبحانه بين آياته وفي طيات كلماته دلائل الحجة وبين وفصل ووضح.. لكن اهواء الناس وشهواتهم ورغباتهم وميولاتهم اعترضت ناتج ما جاء به القرآن الكريم من مقاصد وازداد الأمر سوءا عندما زين الناس ناتج أهوائهم من مقاصد لجُّوا بها في آيات الله تعالي بهالات تعظيم أقوالهم ومزينات أفهامهم وخاصة عندما أحاطوها بهالات التبجيل المخطئة واستعارتهم لنصوص تعظيم آرائهم ونسبة العالمية لأنفسهم والتفقه لاشخاصهم ووضعوا أنفسهم في مكانة عليِّة والناس في مكانة دنيِّة وهكذا لم يهمد الشيطان حتي في آيات الله من طلب تضليل من انتسبوا الي العلم والفقه بالعجب ولاتباعهم من التعظيم والتكبير حتي كبروهم كفقهاء وبجلوهم كعلماء وتناسوا الكتاب الحجة والقرآن الدليل والعلم والفقه وكل الحكمة , وجعلوا - بواسطة الشيطان- آيات الله تعالي كلوغرتمات وطلاسم لا يقوي علي فك أسرارها غيرهم وثبر أغوارها سواهم , فانحرف قول الله الواحد بفعلهم..- في أنفسهم - وخرج بطبيعته الثابتة المحكمة عن جادته في تصوراتهم ونسبوا زورا لله الواحد – حاشاه- كل تقصير وكل انحراف وكل اختلاف وكل امكانية من تغاير وتقصير وتبديل وتحويل وغباشة في تنزيله والحق انهم هم الذين حوَّلوا قول الله تعالي الثابت بلا شك ، ذو المقصود الواحد الواضح البين الذي يمتنع في حقه الهوي او الضلال أو النقص أو التغاير أو التحول علي مر الزمن أو الغباشة أو الشك أو التناسي أو أي عنصر من عناصر النقص والسلب ... أقول هم الذين حولوا قول الله تعالي الي كل عوامل النقص نتيجة لقصور أفهامهم وانحطاط معدلات القسط في نفوسهم وتغليب الهوي والميل النفسي لديهم علي مقصود الله الثابت الذي لايتغير ولا يتبدل ولا يقبل أي مكون نقص أو سلب في مضمونه وبين لابتي تنزيله ، إن كل تعدد لرأي او تكاثر لخلاف أو اختلاج علي فهم آية تنزلت في كتاب الله راجع الي تفاوت درجات الفهم وميل النفوس وتغليب الشهوات بين المختلفين بنسبة تفاوت درجات فهمهم وتحكم شهواتهم ،والله تعالي نبرئه من سفاهات البشر وننزهه تعالي عن ترهات عقولهم وميل نفوسهم وتحكم أهوائهم قانون الحق ( قانون الحق (الجزء الأول) ما هو قانون الحق؟ أولا: ما هو الحق؟ وما تعريفه، وكيف تأصل هذا التعريف في كتاب الله المنزل تعريف الحق(هو الثابت بلا شك) يقول صاحب المعجم الوجيز: حق الأمر حقاً أي: صح وثبت وصدق، وأورد مرادفات أخري كوجب ،(وجدير به أن)،وتيقن،وصدَّق وأحكم وثاق الشيئ،وصححه،وغلبه في المحاجة وذلك لثبوت الحجة له وتأكدها ،ومعني حقق الأمر أي أثبته وصدقه، وكلام محقق:يعني محكم الصنعة ورصين وثابت لا يتغير،وتحقق الخير أي صح ووقع،والحق هو من أسماء الله الحسني ،ومعناه الثابت بل شك، ويصف به أيضا فيقال:قول حق،هو العالم،وحق العالم،ومتناه في العلم، [قلت المدون] : فكل ما جاء وفيه اشتقاق من مادة(ح_ق_ق)لابد أن يتضمن معني الثبات واليقين،وبذلك يتأكد لنا أن الحق هو الثابت بلا شك،أي الثابت يقينا ،وفيه انتفاء كل معني يعارض الثبات واليقين،فالله تعالي هو الحق أي هو الثابت الذي لا شك في ثباته،أي هو الثابت يقيناً،أي هو الثابت صدقا،لا لغوب فيه ولا شك،وقوله الحق أي الثابت بلا شك، والحقيقة: هي الشيء الثابت يقيناً،وحقيقة الشيءخاصه وكنهه والخاصة والكنه لا يمكن دخول التغير عليه وإلا خرج عن ماهيته وكنه ليصبح شيئا آخر ،وهذا ممتنع في حق الله تعالي لأنه باطل ، وحقيقة الأمر: هي يقين شأنه ، وحقيقة الرجل ما يلزمه حفظه والدفاع عنه والجمع حقائق ومن لسان العرب لابن منظور:فالحق يعني الثابت الذي لا يزول ولا يتغير، قلت المدون:(ويتبين من استقراء معني الحق في اللسان أنه الثابت الذي لا يزول ولا يتغير ، وأن كل المرادفات لهذ المعني كالواجب واللازم و....... إنما تتضمن هذا المعني (الثبات بلا شك وعدم التغير أو الأفول)، وبما أن الحق ضد الباطل والباطل يتضمن معني التغير وعدم الثبات والنكصان عن الواجب ،والنقص،فإن الحق هو بخلاف ذلك كله وضده وأحسن ما يتصف به الحق من المعاني هو الثبات بيقين وعدم التغير ،واليقين من لزماته ،فهذا ابن منظور يعرِّف الحق بقوله (أي ثبت)،وبقوله(وفي التنزيل: قال الذي حَقَّ عليهم القولُ) أي ثبت، قال الزجاج هم الجنُّ والشياطين أي المبطلين منهم، وقوله تعالى (ولكن حقَّت كلمة العذاب على الكافرين) أي وجبت وثبتت وكذلك:(لقد حقَّ القول على أكثرهم) وحَقَّه يَحُقُّه حقّاً وأحَقَّه كلاهما أثبته وصار عنده حقّاً لا يشكُّ فيه وأحقَّه صيره حقّاً وحقَّه وحَقَّقه صدَّقه، [قلت المدون: ومن معاني الحق التي يتأكد فيها وبها معني الثبات وعدم التغير أو الزوال، معني الصدق،والإحكام،واليقين، والغلبة والتصحيح ، وكل ذلك يلزم لماهيته أن يكون ثابتا لا يتغير،ومن معاني الحق المشتملة علي معني الثبات وعدم التغير: معني الاشتداد والاحكام والمصادقة من قولنا (حاقِّ الجُوع أي صادِقه وشدَّته ويروى بالتخفيف من حاقَ به يَحِيقُ حَيْقاً وحاقاً إذا أحدق به يريد من اشتمال الجوع عليه فهو مصدر أقامه مقام الاسم وهو مع التشديد اسم فاعل من حقَّ يَحِقُّ والحق من أسماء الله عز وجل وقيل من صفاته قال ابن الأَثير هو الموجود حقيقةً المُتحققُ وجوده وإلَهِيَّتُه،والحَق ضدّ الباطل *وفي التنزيل (ثم رُدُّوا إلى الله مولاهم الحَقِّ) *وقوله تعالى: (ولو اتبع الحقُّ أهواءَهم) قال ثعلب: الحق هنا الله عز وجل وقال الزجاج ويجوز أن يكون الحق هنا التنزيل أي لو كان القرآن بما يحِبُّونه لفَسَدت السمواتُ والأَرضُ، *وقوله تعالى (وجاءت سَكْرة الموتِ بالحق) معناه جاءَت السكرةُ التي تدل الإنسان أنه ميت بالحقِّ بالموت الذي خُلق له & قال ابن سيده: وروي عن أبي بكر رضي الله عنه في قوله تعالي (وجاءت سكرة الموت بالحق): (وجاءت سكرة الحقِّ) أي بالموت والمعنى واحد وقيل الحق هنا الله تعالى، وقولٌ حقٌّ وُصِف به كما تقول قولٌ باطل وقال الليحاني وقوله تعالى (ذلك عيسى بنُ مريم قول الحقِّ) إنما هو على إضافة الشيء إلى نفسه قال الأَزهري رفع الكسائي القول وجعل الحق هو الله وقد نصَب قولَ قومٌ من القراء يريدون ذلك عيسى ابن مريم قولاً حقّاً ،وقرأ من قرأ (فالحقُّ والحقَّ أقول) برفع الحق الأَول فمعناه أنا الحقُّ وقال الفراءُ في قوله تعالى قال فالحق والحقَّ أقول قرأ القراء الأَول بالرفع والنصب روي الرفع عن عبد الله بن عباس المعنى فالحقُّ مني وأقول الحقَّ وقد نصبهما معاً كثير من القُرَّاء منهم من يجعل الأَول على معنى الحقَّ لأَمْلأَنَّ ونَصب الثاني بوقوع الفعل عليه ليس فيه اختلاف قال ابن سيده ومن قرأ فالحقَّ والحقّ أقول بنصب الحق الأَول فتقديره فأحُقُّ الحقّ حقّاً وقال ثعلب تقديره فأقول الحقَّ حقّاً ومن قرأ فالحقِّ أراد فبالحق وهي قليلة لأن حروف الجر لا تضمر وأما قول الله عز وجل (هنالك الوَلايةُ لله الحقَّ) فالنصب في الحق جائز يريد حقّاً أي أُحِقُّ الحقَّ وأحُقُّه حَقّاً قال وإن شئت خفضت الحق فجعلته صفة لله وإن شئت رفعته فجعلته من صفة الولاية هنالك الولايةُ الحقُّ لله وفي الحديث (من رآني فقد رأى الحقَّ) أي رؤيا صادقةً ليست من أضْغاث الأَحْلام وقيل (فقد رآني حقيقة غير مُشَبَّهٍ) ومنه الحديث (أمِيناً حقَّ أمِينٍ- أي صِدْقاً وقيل واجباً ثابتا) له الأَمانةُ، ومنه الحديث (أتدْرِي ما حَقُّ العباد على الله) أي ثوابُهم الذي وعدَهم به فهو واجبُ الإنْجازِ ثابت بوعدِه الحقِّ ،ومنه الحديث (الحقُّ بعدي مع عمر) وأُحِقَّ عليك القَضاء فحَقَّ أي أُثْبِتَ فثبت والعرب تقول حَقَقْت عليه القضاء أحُقُّه حَقّاً وأحقَقْتُه أُحِقُّه إحْقاقاً أي أوجبته[قلت المدون: وأثبته،لأن من أساسيات الواجب أن يكون ثابتا لايتغير)، قال الأزهري قال أبو عبيد ولا أعرف ما قال الكسائي في حَقَقْت الرجلَ وأحْقَقْته أي غلبته على الحق [قلت المدون : لأنه ثابت له لم يتغير،والغلبة علي الحق من شروطها ثبات الحق لصاحبه وعدم امكانية تغيره]، * وستجد كل مشتقات (الحاء والقاف والقاف (__ح ق ق__) أنها تتضمن معني الثبات وعدم الفساد أو التغير فالحق هو الثابت بلا شك الذي لا يزول والحقيقةُ في اللغة ما أُقِرّ في الاستعمال على أصل وضْعِه [قلت المدون:أي أصل وضعه من الثبات وعدم الفساد،أو التغير] والمَجازُ ما كان بضد ذلك [قلت المدون: لأن المجاز ينقل الأصل الثابت علي معناه إلي متغير عن أصل معناه ،ولا يجوز التعدي من الحقيقة إلي المجاز أصلاً إلا باحتياط شديد وحذر بالغ وفي ظل شروط أوجزها ابن منظور فقال: وإنما يقع المجاز ويُعدَل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة وهي الإتِّساع والتوكيد والتشبيه فإن عُدِم هذه الأوصافُ كانت الحقيقة البتَّةَ] وقيل الحقيقة الرّاية قال عامر بن الطفيل لقد عَلِمَتْ عَليْنا هَوازِنَ أَنَّني أَنا الفارِسُ الحامي حَقِيقةَ جَعْفَرِ وقيل الحقيقة الحُرْمة والحَقيقة الفِناء وحَقَّ الشئُ يَحِقُّ بالكسر حقّاً أي وجب وفي حديث حذيفة ما حَقَّ القولُ على بني إسرائيل حتى استغْنى الرِّجالُ بالرجالِ والنساءُ بالنساءِ أي وجَب ولَزِم وفي التنزيل ولكن حَقَّ القولُ مني وأحقَقْت الشئ أي أوجبته وتحقق عنده الخَبَرُ أي صحَّ وحقَّقَ قوله وظنَّه تحقيقاً أي صدَّقَ وكلامٌ مُحَقَّقٌ أي رَصِين قال الراجز دَعْ ذا وحَبِّرْ مَنْطِقاً مُحَقَّقا والحَقُّ صِدْق الحديثِ والحَقُّ اليَقين بعد الشكِّ وأحقِّ الرجالُ قال شيئاً أو ادَّعَى شيئاً فوجب له واستحقَّ الشيءَ استوجبه وفي التنزيل فإن عُثِرَ على أنَّهُمَا اسْتَحقّا إثْماً أي استوجباه بالخِيانةِ وقيل معناه فإن اطُّلِعَ على أنهما استوجبا إثماً أي خيانةً باليمين الكاذبة التي أقْدما عليها فآخرانِ يَقُومانِ مَقامها من ورثة المُتوفَّى الذين استُحِقَّ عليهم أي مُلِك عليهم حقٌ من حقوقهم بتلك اليمين الكاذبة وقيل معنى عليهم منهم وإذا اشتَرَى رجل داراً من رجل فادّعاها رجل آخر وأقامَ بيِّنةً عادلةً على دعواه وحكم له الحاكمُ ببينة فقد استحقها على المشتري الذي اشتراها أي مَلَكَها عليه وأخرجها الحاكم من يد المشتري إلى يد مَن استحقَّها ورجع المشتري على البائع بالثمن الذي أدَّاه إليه والاستِحْقاقُ والاسْتِيجابُ قريبان من السواء،ويقول ابن منظور في اللسان: قولهم حَقَّ الشيءُ إذا ثبت ماذا يعني أن الله تعالي هو الحق أي الثابت بلا شك؟ لقد أثبتنا الأسطر السابقة أن الحق هو الثابت الذي لا شك فيه وأن هذا الثابت المستيقن ينتفي معه وجود ضده من المتغيرات،أو التغيرات ،ويستحيل أن يجتمع وضده من الكائنات،فهو إذن الأصل وهو الثابت،وهوالصدق، [قلت المدون: ومن معاني الحق التي يتأكد فيها وبها معني الثبات وعدم التغير أو الزوال، معني الصدق،والإحكام،واليقين، والغلبة والتصحيح،وكل ذلك يلزم لماهيته أن يكون ثابتا لا يتغير،ومن معاني الحق المشتملة علي معني الثبات وعدم التغير:معني الاشتداد والإحكام والمصادقة .ولقد خلق الله سبحانه السموات والأرض بالحق،يعني بغير باطل ولو قل،وانتفي في خلقه هذا أي وجود للهو أو العبث أو النقص أو التقصير،أوالتغير،أو النسيان أو كل معاني السلب * قال تعالي (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)/الزمر)، * وقال تعالي:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)/الأنعام)، * وقوله تعالي(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)/ سورة ابراهيم)، * وقوله تعالي(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)/الأنبياء)، * وقوله تعالي(وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)/سورة الشوري)، - إن دلالة أن الله تعالي خلق السموات والأرض بالحق ،أنه سبحانه قد خلقهم وما يتعلق بخلقهم لغاية لا تتغير ولن تتغيير،هي أن يعبده الإنس والجن وكل من خلق فيهم وبينهم قال تعالي (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)/سورة الذاريات) ![]() ![]() ![]() *- وأنهم لكي يعبدوه فقد كلفهم بشريعة تتصف بهذا الوصف من الثبات، وعدم التغير أو النقص أو التبدل أو التبديل بعد إحكامه سبحانه هذا التشريع،وأن النسخ أو التبديل الذي أنزله سبحانه أثناء تنزيل القرآن هو من هذا الإحكام الذي أنزل الله به هذه الشرعة القيمة،ولا تعارض مطلقاً بين النسخ والتبديل الذي استنه الخالق سبحانه في الكتاب وقرره،وبين قانون التنزيل بالحق حيث يبدأ معني التنزيل بالحق بعد أن أحكم الله تعالي آياته وإحكام الآيات لم يتحقق وهي مازالت لم تكتمل طوال عملية التنزيل،ولكن هذا الإحكام لآيات الله قد تحقق عند ارتفاع الوحي وموت النبي محمد صلي الله عليه وسلم،وتمام قوله تعالي(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)/ سورة المائدة)، وهي من أواخر السور المدنية تنزيلاً،إن أجل معاني التنزيل بالحق هي ما تم من شرعته وانتهي إتمامه بإرتفاع الوحي وقبض رسول الله صلي الله عليه وسلم،فحينئذ وحينئذ فقط قد تحقق قوله تعالي(وبالحق نزل)،وهو في أثناء عملية التنزيل ينطبق عليه قوله تعالي(وبالحق أنزلناه)،ولذلك فقد تأكد لنا أن شريعة الله المنزلة في كتاب الله تعالي،والخالدة إلي يوم القيامة هي شريعة متضمنة معني الثبات بلا شك لأنها أنزلت بالحق وبالحق نزلت، وعلي ذلك : ![]() 1. يمتنع علي كل أحد من البشر أن يتناول التشريع القرآني بغير مراد الله وقصده سبحانه، 2.وأن العباد كلهم لعلي خطر عظيم أن يتناولوا آيات الله تعالي بغير قصد الله ومراده المُتَضَمَّن في الألفاظ القرآنية والآيات المنزلة، 3.وأن عملية التأويل لنصوص القرآن الكريم عموما وكذلك بما هو بعيد عما يدل عليه لسان العرب الأصيل المستوحي من المعاجم العتيدة التي احتوت أصول معاني الكلمات التي أنزل بها القرآن هي عملية تجريف للقاعدة الصلبة الثابتة التي تنزل بها القرآن وبها نزل،وهي-أي عملية التأويل- عملية تحريف خطير لمدلولات الآيات القرآنية المتضمنة قاعدة الثبات بلا شك حينما أقرها الله لعباده بعد إحكام آياته، * ولقد رأيت أنه من الحق أن أنبه عموم المسلمين في كل الفرق والطوائف والشيع: أن اختلافاتهم في كتاب الله تعالي جاءت نتيجة انحراف الأنفس بتأويل الآيات القرآنية عن مدلولاتها المنزلة في اللغة العربية الأصيلة والتي تشير إليها معاجم اللغة العتيدة،لأنها تحتوي علي لسان القرآن الذي أنزل به الكتاب ،ولقد عاقب الله تعالي هؤلاء المتفرقين في دينه وابتلاهم بالتفرق والتحزب جزاءً لإنحراف كل منهم بالتأويل الفاسد لآيات الله والانحراف المتعمد عن مدلولات النص القرآني لأغراض في أنفس هؤلاء المتفرقين،واستخدم هؤلاء الأحزاب والفرق كل ما يبعدهم عن أصل النصوص القرآنية برداءة فهمهم وسوء ضمائرهم ولو زعموا أنهم أهل الحق وما عداهم الباطل، ولم يعلم هؤلاء أن فهمهم لن يغير الحق أو يزحزحه عن ثباته،وأن القرآن لن يلهث وراء فهمهم،أو يتغيرمدلولاته الثابتة بناءاً علي تأويلاتهم، إن الحادث فعلاً في حقل العاملين الإسلاميين الآن بكل اتجاهاتهم،لا يثتثني منهم أحدا، في منظورنا المراقب لهذه الطوائف بكل مناهجهم،أنهم ظنوا أنهم قريبون ( كل منهم)،إلي الحق وهم بعيدون عنه،ولو أنهم قد تقلدوه،أو تقلده أي فريق منهم لكتب له النصر في مثل المدة التي تمكن لرسول الله صلي الله عليه وسلم(لا تزيد مدة التمكين عن الربع قرن من الزمان لأن الله تعالي لا يعبث ويستحيل في حقه العبث،ولكنهم كلهم أبعدوا أنفسهم عن قانون النصرة والتمكن المتضمن في الآية (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(52)/سورة غافر)، وكذلك في قوله تعالي(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ(172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) سورة الصافات)، إن النية الحسنة لا يتغير لها قانون الحق ومدلول (الثبات بلا شك ( فيه، وما تفيد فقط إلا أن يعذر الله صاحبها إذا جاء ليحاسبه،والغالب علي صاحبها أنه مجتهد مخطىء قد قصر حتما في الاجتهاد أو لم يتحوط فيه،فهي مهما يكن صغيرة إذن من الصغائر، من شأنها أن لا تستدعي غضب الله المطلق علي صاحبها ولكنها مع ذلك لا تغير من مراد الله تعالي في شرعته الثابتة شيئاً، فالحق لا يغيره اجتهادات البشر الخاطئة كما لا يغيره شيئ في الكون كله،لأنه الثابت بلا شك، لقد تعامل المسلمون اليوم مع كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم بتراخي جد خطير،وانحرفوا عن مدلولات اللفظ القرآني أو النبوي المُنَزَّل بنصه عن أصل مدلوله في مقصود الله الواحد ، مستخدمين طريق التأويل لكل نص أنزل في الكتاب حسب عقيدة رسمها لهم زعيم بشري تلألأت في دماغة الفكرة التي جمعهم عليها وساواها بالقرآن فيما يستشهد لهم علي صحتها مستخدما طريقة التأويل،والتي هي أسُّ الإنحراف عن مدلولات الألفاظ القرآنية ،ولو علم هذا الزعيم أو غيره ممن جمعوا حولهم أنصاراً وأتباعاً، أن الحق هو الثابت بلا شك،وأن سبيل التأويل في كتاب الله وسنة نبيه،هو أبطل الباطل لما لجأوا إلي التأويلات ولما حادوا عن الخريطة التي رسمها اللفظ التشريعي في الكتاب والسنة،إن السنة لا تتعارض مطلقا مع القرآن،لأنهما كلاهما من معين واحد،والقرآن الكريم مقدم في إرساء الأصول العقائدية والشرعية علي غيره مما عداه،وتتبعه سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم بتجاوب عظيم،وتناسق ليس هناك أبدع منه،وأن انحرافات البشر بالتأول المريع قد خلقت سراباً من التعارض بين كثير من السنة للقرآن،وأنه لا تعارض أصلاً إلا في عقول الرجال الذين يتناولون النص القرآني أو النبوي بقصور في الفهم وإفراط في التأول،فما أمر الله تعالي بطاعة محمد صلي الله عليه وسلم بل وجعل طاعتنا إياه من طاعته سبحانه إلا لأنه سبحانه يعلم أن محمداً رسوله وعبده لا يقول إلا ما يأذن الله به،وأنه سبحانه الحق هو ونبيه محمد صلي الله عليه وسلم الصدق الذي يأتمر بأمره وينتهي بنهيه ويسير علي صراطه بثباتٍ لا شك فيه. الجزء الثاني من قانون الحق ج2 إن السنة لا تتعارض مطلقا مع القرآن،لأنهما كلاهما من معين واحد،والقرآن الكريم مقدم في إرساء الأصول العقائدية والشرعية علي غيره مما عداه،وتتبعه سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم بتجاوب عظيم،وتناسق ليس هناك أبدع منه،وأن انحرافات البشر بالتأول المريع قد خلقت سراباً من التعارض بين كثير من السنة للقرآن،وأنه لا تعارض أصلاً إلا في عقول الرجال الذين يتناولون النص القرآني أو النبوي بقصور في الفهم وإفراط في التأول،فما أمر الله تعالي بطاعة محمد صلي الله عليه وسلم بل وجعل طاعتنا إياه من طاعته سبحانه إلا لأنه سبحانه يعلم أن محمداً رسوله وعبده لا يقول إلا ما يأذن الله به،وأنه سبحانه الحق هو ونبيه محمد صلي الله عليه وسلم الصدق الذي يأتمر بأمره وينتهي بنهيه ويسير علي صراطه بثباتٍ لا شك فيه. لقد أهمل العباد فهم الحق كقانون إلهي فيما يقول سبحانه أو ينزل.إن قول الله هو الحق،قال تعالي(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)/ سورة الأنعام)،ويعني ذلك أن قوله يتسم بالثبات المستيقن،أي الثابت بلا شك،[أي يتسم بانعدام العبث عند تنزيل الألفاظ الإلهية/ ووقوع اللفظ في مدار معناه بالضبط/ومسلمة صدق اللفظ مع قصد الحق سبحانه تماما بتمام/واتصاف اللفظ القرآني بالثبات المستيقن علي مراد الله تعالي حين أنزل ولم يكن له ناسخ]،أليس هو القائل سبحانه(قوله الحق وله الملك)،إن أي متجرء علي الله يزعم تأويل اللفظ الإلهي عن مدلوله هو بحق رجل دخل برجليه إلي منطقة الجحيم ليحترق بتحريفه لمراد الله عن قصده سبحانه،وما رجل يتهاون في نقل مدلول اللفظ القرآني عن معناه المشار إليه في معاجم اللغة الأصيلة إلا رجل قد وضع نفسه موضع الإنحطاط،والصغار بجانب شموخ اللفظ القرآني الرباني المنزل بثبات لا شك فيه،وما قوله بجانب قول الحق إلا كمن يقارن الباطل بالحق أو العابث بالحق أو اللاعب بالحق.إن وسائل البلاغة العربية كالمجاز أو التشبيه،أو الكنايات أو غيرها من البديع اللغوي ما هي بجانب الحق الذي أنزل به هذا الكتاب إلا استثناء صغير جدا في قاعدة متسعة كبيرة عظيمة من الحق القرآني المنزل المتصف بالثبات بلا شك والمتسم بانعدام اللهو أو العبث في ثناياه وبين جنباته،ولم يقررها القرآن إلا في حدود ضيقة جدا يتناسب تحجيمها الصغير مع قاعدته الواسعة بكونه الثابت الذي لا شك فيه، وقد أفرط أقوام متجرؤن علي الله جل في علاه،فأولوا كل حق في كتاب الله تعالي بجرأة وفحش مخرجين كل معاني الألفاظ القرآنية عن مدلولاتها،أمثال القاديانيين والفرآنييون والشيعة وبعض أهل السنة وطائفة من السلفيين ،وغيرهم ممن أنتجوا فقها وعقائد أودت بالإسلام إلي دهاليز الضياع وتمكن الباطل من أهله ،وما زالوا يؤصلون لأباطيلهم ويتخذونها عقيدة يشرحونها علي الفضائيات متعمدين بذلك تعميق أخاديد الضلال التي قاموا بشقها وتنميقها وتقديسها، ونحن هنا سنعرضها علي قانون الحق الذي أنزل الله به قرآنه وألفاظ كتابه المنزلة بالحق.لكننا سنعمد في المقالة القادمة[2] إلي بيان ما هو الحق الذي أنزله الله في كتابه وتناسقت سنة نبيه صلي الله علي وسلم كل التناسق في بيانه ... مفهوم المعصية في كتاب الله تعالي : إن معني عصي يعني خالف وعلم أنها مخالفة ، والمخالفة بعلم هي أساس كل مرادف ينبثق منه هذا المدلول فالفسق والكفر والفجور والشرك والكذب والخيانة والغدر وكل مرادفات المخالفة ترد في مدلولاتها الي معني المخالفة بعلم ،-- فالكذب مخالفة لله تعالي بعلم صاحبها أخذت شكل نطق غير الحقيقة ،والفسوق مخالفة لله تعالي بعلم صاحبها أخذت شكل خلع أثواب الحق والتلبس بثوب الباطل ،والكفر هو مخالفة لله تعالي بعلم صاحبها أخذت شكل تغطية الحق بغطاء الباطل ،كمثل من يغطي الإسلام بثوب الرفض والمحاربة ودثر الحق بباطله ، والشرك هو مخالفة لله تعالي بعلم صاحبها أخذت شكل دعوي إله مع الله تعالي في شكل سجود لصنم ،أو توسل بمخلوق ،أو استشفاع بمخلوق شفاعة تأليه وعبادة ، ونتابع الحديث ان شاء الله تعالي في واحدة من أهم الفضايا وأخطرها (الكبائر والصغائر) غي المقال القادم بمشيئة الله الواحد ...(يتبع ان شاء الله تعالي بالجزء الثالث )قانون الحــــــــــــق انتهي الي هنا تعقيب المدون علي ما سبق وما سيأتي ان شاء الله التالي استكمال التأويل عند الأصولين والسابق مباشرة ضوابط التأويل وخطورته الفادحة التي طمت بها البلوي أمة الإسلام وعمت حتي ضيعوا الدين قال السبكي - رحمه الله تعالى - في " جمع الجوامع " ( ص 88 و معه حاشية الصبان وغيره ): " فإن حمل لدليل فصحيح، أو لما يظنه دليلاً ففاسد، أو لا لشئ فلعب لا تأويل "اه. فأفاد كلامه هذا، و مثله ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في " المستصفى " ( ص.197 ) أن حمل النص على غير الظاهر إذا كان لدليل استدعى ذلك - و هو القرينة المرجحة - كان التأويل صحيحًا لا شئ فيه، بل في بعض الحالات يصبح ضروريًا لا محيد عنه. أما إذا كان لدليل ضعيف لا يظهر له وجه فهو ضعيف إذ لا يلجأ الفقيه إلى عدم الأخذ بظاهر نص إلاَّ لدليل قوي يحوجه إلى ذلك. أمّا إذا كان لا لدليل فهو هوىً، و قد اشتد نكير أهل العلم على أهل الأهواء لأن فعلهم دهليز إلى الكفر. - اتجاهاتهم العلماء في مقدار الأخذ بالتأويل: بعدما اتفق الأصوليين والفقهاء على وجوب الجمع و التأويل بين الأدلة المختلفة في بادئ الرأي اختلفت اتجاهاتهم في مقدار الأخذ بذلك و الرفض له ، فمنهم المتساهل الذي يقبل كل أنواع الجمع و لو بتأويل بعيد، و منهم المتشدد فلا يقبل إلاَّ التأويل القريب، وله في ذلك شروط كثيرة لقبوله، و منهم المتوسط بين ذلك. فتبين أنهم ثلاثة اتجاهات: - الأول: و هو المتساهل؛ و هذا مذهب جماعة من أهل الحديث، و منهم الظاهرية، و حجتهم في ذلك هو أنه لا تعارض في نصوص الشرع مع وجوب الأخذ بها كلها دون إهدار شئ منها. فإذا لم يكن أمامهم إلاَّ التأويل البعيد سلكوه بشرط ألاَّ يكون بحيث يخرج به الأدلة المتوافقة عن روح الشرع، و لا يكون خارقًا لإجماع الأمة. - الثاني: المتشدد في ذلك؛ و هو مذهب أهل الرأي و منهم الأحناف،و بعض الشافعية و الإمام مالك - رحمه الله تعالى - و بعض أصحاب الحديث. و هذا جعلهم يردون أحاديث كثيرة صحيحة لأنها خالفت في نظرهم نصوصًا قطعية من قرآن أو سنة متواثرة أو قياس أو عمل أهل المدينة الذي هو من أصول مالك - رحمه الله تعالى - إلى غير ذلك. - الثالث: المتوسط في الأخذ بالتأويل؛ و هذا مذهب الجمهور من المفسرين و المحدثين و جمهور الشافعية و الحنابلة و بعض الظاهرية. فلم يرفضوا جميع التأويلات القريبة و البعيدة، و لم يقبلوا كل ذلك بلا قيد و لا شرط، بل قبلوا ما كان صحيحًا متلائمًا مع روح الشرع، و رفضوا الباطل غير المتوافق مع ذلك. و لذلك فإنهم اشترطوا شروطًا للأخذ بالتأويل، منها ما هو محل اتفاق بينهم، و منها ما فيه خلاف. - شروطً التأويل: - الشرط الأول تحقيق التعارض و ذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا: فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف من مرسل أو شاذ أو منكر لا يعارضه حديث صحيح الإسناد و المتن. فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف و بقي الصحيح القوي. - الشرط الثاني ألا يؤدي الجمع بالتأويل إلى بطلان نص من النصوص أو جزء منه: و مثاله في قوله تعالى: ( و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم إلى الكعبين ) ( المائدة:6)، قرئت ( أَرْجُلَكُمْ ) بفتح اللآم و ( أَرْجُلِكُمْ ) بكسرها. فحمل الشيعة قراءة الكسر على العطف على ( رُؤُوسِكُمْ )، بمعنى أنه يجزئ مسح الرجل في الوضوء. و هذا الحمل فيه محظوران: - الأول: أنه يهدر كل الأحاديث الموجبة لغسل الأرجل، و أصرحها حديث: " ويل للأعقاب من النار "( صحيح البخاري (1/73)، صحيح مسلم (1/213). - الثاني: أنه باتفاق الناس لا يجب مسح جميع الرجل إلى الكعب فيكون قيد الكعب لا فائدة من إيراده، و هذا ما ينزه عنه كلام الله جل و عز( راجع " نيل الأوطار " للشوكاني (1/197) و " المجموع " للنووي (1/458)). - الشرط الثالث أن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل: بأن يكون محتملاً لذلك بوضعه اللغوي و لو احتمالاً بعيدًا. و اللفظ القابل للتأويل هو الظاهر و النص عند أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - و هو الظاهر عند غيرهم. مثال ذلك قوله تعالى: ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) ( البقرة: 228). فالمطلقات لفظ عام يتناول الزوجة المدخول بها و الصغيرة و المحتاضة و الآيسة و الحامل و غيرها. و الأصل أن العام يشمل كل أفراده لكن جاءت نصوص صرفت هذا العموم عن ذلك و منها قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) ( الأحزاب: 49). فخرج بهذا النص الزوجة الغير مدخول بها. و قال تعالى: ( و اللآئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر و اللآئي لم يحضن و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) ( الطلاق: 4) فخرج من هذه الآية الصغيرة و الآيسة و الحامل. و هذا التخصيص نوع من أنواع التأويل، لأن الأصل إعمال العموم لكن لدليل راجح لم نعمله في كل الأفراد. و هذا المثال من تخصيص العموم، يمكن ان نقول مثله في تقييد المطلق و في صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب و صرف اللفظ من مدلوله الحقيقي إلى المجازي، و تعيين أحد معنيي المشترك و هذا مذهب جماعة من الحنفية كالسرخسي و عبد العزيز البخاري. و خالفهم غيرهم (انظر" تيسير التحرير " (3/461)، " أصول السرخسي " (1/127) و " كشف الأسرار " (1/44)). - الشرط الرابع أن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه و لو باحتمال مرجوح وإلاَّ كان التأويل فاسدًا: و على ذلك فيجب أن يوافق المعنى أحد الاستدلالات التالية: 1- الوضع اللغوي: فالصلاة هي الدعاء و الزكاة هي التطهير و الصوم الإمساك مطلقًا. 2- الحقيقة الشرعية: و هو الاستعمال الذي وضعه الشارع لهذه الكلمة. فيجوز صرف الكلمة لهذا المعنى دون المعنى اللغوي. بل نصوص الشرع في أصلها لا تحمل إلاَّ الحقيقة الشرعية حتى يأتي ما يرجح غير ذلك. 3- الحقيقة العرفية: و هي عامة كاستعمال الدابة لذوات الأربع و الغائط لما يخرج من الإنسان و هو مستقذر! و خاصة و هي مثل حركات الإعراب عند النحاة و اصطلاح سائر الفنون من فقه و حديث و غيرها. فيجوز صرف اللفظ عن ظاهره لهذه المعاني العرفية، عامة كانت أم خاصة. - الشرط الخامس أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره. و أن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، و إلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر: و هذا الشرط هام و إلاَّ جنحنا إلى الأخذ بالرأي المجرد و الهوى الذي ذمه الله و رسوله و السلف رضوان الله تعالى عليهم. و هذه الأدلة التي يصلح أن تكون مرجحًا هي أحد هذه التالية: 1- نص من كتاب أو سنة: مثاله قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة و الدم.) ( المائدة:3).فهذا يقتضي تحريم كل شىء من الميتة حتى جلدها، لكنه لما أخرج مسلم في " صحيحه " ( رقم 363 من كتاب الحيض) أن النبي ( قال في شاة ميمونة رضي الله عنها التي ماتت فجرُّوها ليرموها: " ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا إنها ميتة، فقال: إنما حرم من الميتة أكلها" فهذا صرف العموم في الآية عن ظاهره. 2- الإجماع: و شرطه أن يكون إجماعًا متيقنًا صحيحًا لا موهومًا يرفع المخالف في وجه العامل بالسنة بجهل منه. و مثاله قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعووا إلى ذكر الله وذروا البيع.) ( الجمعة: 9). فهذه الآية ظاهرها أنها تعم الرجال و النساء و العبيد و الأطفال. لكن الإجماع أخرج غير الرجال البالغين من عموم النص. 3- القياس: و هو موضع خلاف بين أهل العلم. و منهم من اشترط أن يكون جليًّا، و هذا كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإن الفارق بينهما لا تأثير له. 4- حكمة التشريع و مبادئه العامة: و هذه النقطة يجب أن يقف عندها الفقيه طويلاً حتى لا يرد نصوص الشرع بالهوى. و الله أعلم. - الشرط السادس أهلية الناظر للتأويل. و ذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر: وإلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم و الله عز و جل يقول: (و لا. تقف ما ليس لك به علم ) ( الإسراء: 36). و شروط جواز النظر و الاجتهاد مجموعة( راجع للتوسع " إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد " للصنعاني. و " القول المفيد في أدلة الاجتهاد و التقليد" للإمام الشوكاني ). أهمها العلم بكتاب الله تعالى، و المقصود أنه يعلم آيات الأحكام و يفهمها. و لا يشترط أن يكون حافظًا لها. ثم العلم بالسنة النبوية المطهرة، و ذلك بمعرفة أحاديث الأحكام و استحضارها و تمييز صحيحها من سقيمها و ناسخها من منسوخها و أيضًا عليه أن يعرف مواطن الإجماع المعتبر الذي يدان الله تعالى به. لا الإجماع الموهوم الذي غايته عدم العلم بالمخالف، و أيضًا يجب عليه ان يعرف مواطن الخلاف فلا يشذ بقول يخالف المتقدمين و المتأخرين. قال أحمد رحمه الله تعالى: " لا تقل قولاً إلاَّ ولك فيه إمام ". هذا و عليه أن يكون ملمًّا بعلم أصول الفقه فإنه مفتاح الاجتهاد و أداته، و بغيره يخبط الباحث الناظر خبط عشواء. و مثله التفقه في اللغة العربية و معرفة معانيها جيدًا، فإن أغلب التأويلات الفاسدة ما جاءت إلاَّ من العجمة. و يجب معرفة مقاصد الشريعة، و هذا هو مأخذ أئمة الإسلام على الظاهرية نفاة العلل فإنهم جعلوا الدين أحكامًا لا حكمة و لا علة لها، و هذا يتنزه عنه الحكيم العليم جل و علا. و يحسن أن يكون المجتهد الناظر سليم الاعتقاد عدلاً ورعًا، و إلاَّ فقدت الثقة به و بكلامه. - الشرط السابع عدم معارضة التأويل لنص صريح قطعي: و قد تقدم معنى هذا. - أقسام التأويل: للتأويل ثلاثة أقسام: 1- قريب يكفي فيه أدنى مرجح: كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة...) ( المائدة:6). فقد أول القيام هنا إلى إرادة الصلاة أو العزم عليها. 2- بعيد عن الفهم: لا يترجح على الظاهر إلاَّ بأقوى منه و لا يكفي فيه أي دليل، بل لابد من دليل قوي يجعله تأويلاً سائغًا. و مثاله: قول النبي ( لغيلان الثقفي عندما أسلم عن عشر نسوة:"أمسك أربعًا و فارق سائرهن "(" سنن " أبي داود (2241) و الترمذي (1128) و هو في " مسند أحمد " (2/83) و في سنده كلام لكن الراجح أنه صحيح كما قال ابن حزم في " المحلى " و غيره). فقد أوَّل الحنفية الأمر بالإمساك باستيفاء الأربع الأُوَلِ إن كان الزواج أكثر من عقد، أو بابتداء الزواج بأربعة منهن إن كان في عقد واحد. و هذا لأنهم يقيسون أنكحة الكفَّار على أنكحة المسلمين. و في هذا نظر، إذ غيلان كان قريب عهد بإسلام. فأنَّى له بمعرفة أحكامه الشرعية. فالظاهر هو الاستدامة دون تجديد، و لو كان غير ذلك لبينه النبي (انظر" المستصفى " (ص.197) و " جمع الجوامع " مع حواشيه (ص.88)). 3- تأويل باطل متعذر: و هو ما لا يحتمله اللفظ و مثاله تأويل الرافضة لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم.) ( المائدة:106).فقد أولوها بأن المراد من غير قبيلتكم. ذكره ابن حزم في " الإحكام " (3/309 ط. دار الكتب العلمية). ( ارجع في هذه المباحث الى بحث الدكتور مفيد أبو عشية " ضوابط التأويل عند الأصوليين " المنشور في مجلة " دراسات " ( مجلد 20/ ص. 192). و كتاب " التعارض و الترجيح بين الأدلة " (ص.213-236) تأليف عبد اللطيف البرزنجي). - خطورة التأويل وآثاره المدمرة: تكلم كثير من العلماء على جناية التأويل الباطل على الإسلام وأهله، بل جنايته على كل الأديان، وقد بين ابن القيم - رحمه الله تعالى- أن التأويل أصل خراب الدين والدنيا، فما اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وأعداء الإسلام سلطوا علينا بالتأويل، ودماء المسلمين إنما أريقت بالتأويل. فاليهود والنصارى أبطلوا البشارات المصرحة بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بتأويل هذه البشارات وتبديلها وكتمانها. ودين النصارى إنما أفسد بالتأويل. وافتراق اليهود إلى أحدى وسبعين فرقة والنصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة وافتراق هذه الأمّة إلى ثلاثة وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل. وما أريقت دماء المسلمين في يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير إلا بالتأويل. وما دخل أعداء الإسلام من الفلاسفة والقرامطة والباطنية والإسماعلية والنصيرية إلا من باب التأويل. وما أريقت دماء بني جذيمة إلا بالتأويل. وما تأخر الصحابة يوم الحديبية عن موافقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى اشتد غضبه إلا بالتأويل. وما سفك دم الأخيار: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، وحجر بن عدي، وسعيد بن جبير وغيرهم إلا بالتأويل. وما جرد الإمام أحمد بين العقابين وضربه بالسياط غير التأويل. وما سلط سيوف التتار على ديار الإسلام غير التأويل" [أعلام الموقعين: 4/317-319]. وقد لخص برهان مفاسد التأويل الفاسد بقوله: (ولم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد) [نقله عنه الزركشي في البحر المحيط:3/436]. - أن التأويل فتح لأهل الشرك والبدع لإفساد دين الله، يقول شارح الطحاوية مخاطباً أهل التأويل: (لقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سدّه، فإنكم إذا سوغتم صرف آيات القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل الدليل القاطع على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه. قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد. ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى) [شرح العقيدة الطحاوية:236] وقد جعل المؤولة المنتسبون للإسلام للملاحدة سبيلاً عليهم، لأن الملاحدة ألزموا المؤولين في نصوص المعاد نظير ما ادعاه المؤولون في نصوص مصفات. وحجة المؤولين في الرد على الملاحدة قولهم لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه. - وأهل السنة يقولون لأهل التأويل: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ومن المعلوم أن مشرك العرب وغيرهم أنكروا المعاد بخلاف الصفات، وبذلك نعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وإن كان إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ [مجموع فتاوي شيخ الإسلام: 5/33]. فرماهم أهل السنة بمثل ما أجابوا به على الملاحدة مؤولي نصوص المعاد. - والمؤولون الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الإسلام بزعمهم لم يستطيعوا أن يقفوا أمام باطل الملاحدة، لأنهم قعدوا قواعد باطلة نفذ الملاحدة عبرها إليهم وأضعفوا حججهم كما رأينا هذا ظاهراً في منهج التأويل الذي سلكوه ولذا قال علماؤنا في أهل التأويل: ( لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا) [المصدر السابق]. - التأويل يشوش القلوب، فإن القلوب تطمئن إلى معبودها إذا عرفته بصفاته وأسمائه، ووثقت بالنصوص التي تحدثنا عنه، فإذا أصبحت النصوص مجالاً للتأويل والأخذ والرد، فقدت هيبتها، وضعفت الثقة بها، وأدى ذلك إلى الجهل بالباري، وقد أبان شارح الطحاوية أن أحد المحذورين الذين يلزم من التأويل: (أن تتخلى القلوب عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ به العباد، وخاصة أن النبوة هي الإنباء، ولهذا نجد أن أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتقاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دلَّ عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه وهذا فتح باب الزندقة) [شرح العقيدة الطحاوية: ص 237]. مثال يبين خطورة التأويل وقد ضرب ابن رشد - فيما نقله عنه ابن القيم- مثلاً للذين تأولوا شيئاً من القرآن، يبين مدى جنايتهم على هذا الدين. فقد مثل أوَّل شيئاً من الشرع زاعماً ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال طبيب ركَّب دواءً يحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم، فجاء رجل لم يلائم ذلك الدواء مزاجه لرداءة مزاج كان به، فزعم بعضهم أن تلك الأدوية التي ركب منها الدواء لم يرد بها ذلك الدواء. وإنما أراد بها دواءً آخر، فأزال ذلك الدواء، وجعل بدله دواءً آخر زعم أن الطبيب الأول قصده، فتابعه قوم أخذوا منه ذلك الدواء، ففسدت أمزجة كثير من الناس. فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بدواء جديد غير الدواء الأول، فزاد المرض، ثم تتابع الذين تلاعبوا بذلك الدواء، وكلما غيروا في تركيب الدواء الأول ازدادت الأمراض وفساد الأمزجة، ولم يزل الأمر هكذا حتى فسدت منافع الدواء الأول. وهذه حال أصحاب التأويل، كل واحد منهم يؤول الشرع تأويلاً غير ما أوله غيره، زاعماً أن تأويله هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع، واختلط عند كثير من الناس في وسط ذلك الركام من الآراء والتأويلات، وأدى هذا إلى افتراق الأمّة واختلافها [أعلام الموقعين: 4/320]. ( انظرالتأويل عند أهل العلم للحسن بن علي الكتاني والتأويل خطورته وآثاره للدكتور عمر بن سليمان الأشقر). والحمد لله رب العالمين ===================== - فهرس الموضوعات: - مفهوم التأويل. - التَّأويل عِنْدَ علمَاء الأصُول. - مجال التأويل. - أنواع التأويل عند الأصوليين. - اتجاهاتهم العلماء في مقدار الأخذ بالتأويل. - شروطً التأويل. - أقسام التأويل. - خطورة التأويل وآثاره المدمرة. - لائحة المصادر والمراجع: - التأويل عند أهل العلم للحسن بن علي الكتاني. - التأويل خطورته وآثاره للدكتور عمر بن سليمان الأشقر. - الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبد الكافي السبكي. - إحكام الفصول في أحكام الأصول لسليمان بن خلف الباجي تحقيق عبد المجيد تركي. - الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن أحمد بن حزم الظاهري. - الإحكام في أصول الأحكام لعلي بن محمد الآمدي. - إحياء علوم الدين لمحمد بن محمد الغزالي . - أصول البزدوي لفخر الإسلام البزدوي ومعه شرح كشف الأسرار للبخاري ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي. - أصول السرخسي لمحمد بن أحمد السرخسي تحقيق أبي الوفاء الأفغاني. - أصول الفقه للشيخ محمد الخضري بك. - أصول الفقه لمحمد رضا المظفر. - البحر المحيط في أصول الفقه لمحمد بن بهادر الزركشي. - البرهان في أصول الفقه لعبد الملك بن عبد الله الجويني تحقيق د. عبد العظيم الديب. - البلبل في أصول الفقه لسليمان بن عبد القوي الطوفي. - التبصرة في أصول الفقه لإبراهيم بن علي الشيرازي تحقيق د. محمد حسن هيتو. - التمهيد في أصول الفقه . لمحفوظ بن أحمد الكلوذاني تحقيق د. مفيد أبو عمشة ، د. محمد بن علي بن إبراهيم . - الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية. - روضة الناظر وجنة المناظر لعبد الله بن أحمد بن قدامة تحقيق د. عبد الكريم بن علي النملة . - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق د. عبد الكريم عثمان . - شرح تنفيح الفصول لأحمد بن إدريس القرافي تحقيق طه عبد الرؤوف سعد . - شرح الكوكب المنير لمحمد بن أحمد الفتوحي تحقيق د. محمد الزحيلي و د. نزيه حماد . - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لمحمد بن أبي بكر ابن القيم تحقيق د. علي بن محمد الدخيل الله . - العدة في أصول الفقه لمحمد بن الحسين الفراء تحقيق د. أحمد بن علي المباركي. - علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية الشيعي. - فرائد الأصول لمرتضى الأنصاري الشيعي تحقيق عبد الله النوراني. - فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لمحمد بن نظام الدين الأنصاري مطبوع مع المستصفى للغزالي. - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز بن أحمد البخاري ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي. - مجموع الفتاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع عبد الرحمن بن محمد العاصمي. - المحصول في أصول الفقه لمحمد بن عمر الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني. - المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني تحقيق عمر السيد عزمي. - المستصفى من علم الأصول لمحمد بن محمد الغزالي. - مسلم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور مطبوع مع المستصفى للغزالي. - المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ، جمعها شهاب الدين أبو العباس الحنبلي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. - معالم الدين وملاذ المجتهدين للحسن بن زين الدين العاملي الشيعي. - المعتمد في أصول الفقه لمحمد بن علي البصري. - المغني لعبد الجبار بن أحمد الهمداني. - منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل لعثمان بن أبي بكر المقري ابن الحاجب. - المنخول من تعليقات الأصول لمحمد بن محمد الغزالي تحقيق د. محمد حسن هيتو. - الواضح في أصول الفقه لعلى بن عقيل البغدادي الحنبلي تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي. - الوصول إلى الأصول لأحمد بن علي بن برهان البغدادي تحقيق د. عبد الحميد أبو زنيد. وصلى الله وسلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ................... |
قال الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الظَّوَاهِر الْوَارِدَة ادعاءا بِدُخُولِ الْجَنَّة بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَة فَقَالَ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ اِقْتِصَارًا مِنْ بَعْض الرُّوَاة نَشَأَ مِنْ تَقْصِيره فِي الْحِفْظ وَالضَّبْط لَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَالَةِ مَجِيئِهِ تَامًّا فِي رِوَايَة غَيْره ووافقه البخاري والحسن البصري وسعيد ابن المسيب.والكثير من الورعيين من التابعين من امة محمد.ص.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق