الاثنين، 13 أغسطس 2018

3. قصص الانبياء من 277/1 الي 40/2



" واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن (1) خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه.
كما قال لهم في القصة الاخرى: " ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير، وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط " أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه (2) فيمحق الله [ بركة ] (3) ما في أيديكم (4)، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد باء بالصفقة الخاسرة ! * * * فنهاهم أولا عن تعاطى مالا يليق من التطفيف، وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الاليم في أخراهم، وعنفهم أشد تعنيف ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن شده زاجرا: " ويا قوم أوفوا المكيال
والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ ".
قال ابن عباس والحسن البصري: " بقية الله خير لكم " أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس.
وقال ابن جرير: ما يفضل (5) لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان، خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال: وقد روى هذا عن ابن عباس.
__________
(1) ا: وإن.
(2) ا: به.
(3) ليست في ا (4) ا: ما بأيديكم.
(5) ط: ما فضل.
(*)
(1/278)
وهذا الذى قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى: " قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " يعنى أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر.
كما قال تعالى: " يمحق الله الربا ويربى الصدقات " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل ".
رواه أحمد.
أي إلى قلة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر.
ولهذا قال نبى الله شعيب: " بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ".
وقوله: " وما أنا عليكم بحفيظ " أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه
الله ورجاء ثوابه، لا لاراكم أنا وغيري.
" قالوا يا شعيب أصواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، إنك لانت الحليم الرشيد ".
يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التى تصليها، هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ؟ ونترك (1) ما يعبد آباؤنا الاقدمون
__________
(1) ا: ونذر.
(*)
(1/279)
وأسلافنا الاولون ؟ أو أن (1) لا نتعامل إلا على الوجه الذى ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التى تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟ " أنك لانت الحليم الرشيد " قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
" قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ".
هذا تلطف (2) معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم أيها المكذبون " إن كنت على بينة من ربى " أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم، " ورزقني منه رزقا حسنا " يعنى النبوة والرسالة، يعنى وعمى عليكم معرفتها، فأى حيلة لى فيكم (3) ؟ وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله: " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه " أي لست (4) آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول
من يتركه.
وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون.
__________
(1) ا: أو أنا.
(2) ا: تلاطف.
(3) ا: بكم.
(4) ا: ليس.
(*)
(1/280)
قال الله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ؟ " وذكرنا (1) عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أفتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور [ بها ] (2) كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ".
وهذه صفة (3) مخالفى الانبياء من الفجار [ و (2) ] الاشقياء.
فأما السادة من النجباء، والالباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبى الله شعيب: " وما أريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت " أي ما أريد في جميع أمرى إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي.
" وما توفيقي " أي في جميع أحوالى " إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " أي عليه اتوكل في سائر الامور، وإليه مرجعي ومصيرى في كل أمرى.
وهذا مقام ترغيب.
* * *
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: " ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد ".
__________
(1) ط: وذكر عندهما.
(2) ليست في ا.
(3) ا: فهذه.
(*)
(1/281)
أي لا يحملنكم بخالفتى وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله: " وما قوم لوط منكم ببعيد "، قيل معناه: في الزمان، أي ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم.
وقيل معناه: وماهم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن: فإنهم لم يكونوا (1) بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات.
ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال: " واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود " أي أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه رحيم بعباده، أرحم بهم من الوالدة بولدها، " ودود " وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده، ولو من الموبقات العظام.
" قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا "
روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر.
وقد روى في حديث مرفوع: انه بكى من حب الله حتى
__________
(1) ا.
فإنهم غير بعيدين.
(*)
(1/282)
عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: " يا شعيب أتبكى خوفا (1) من النار ؟ أو [ من ] (2) شوقك إلى الجنة ؟ فقال: بل من محبتك (3)، فإذا نظرت إليك فلا أبالى ماذا يصنع بى.
فأوحى [ الله ] (2) إليه: هنيئا لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمى ".
رواه الواحدى عن أبى الفتح محمد بن على الكوفى، عن على بن الحسن بن بندار، عن عبد الله محمد بن إسحق الرملي عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس (4) عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي.
* * * وقولهم: " ولو لا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: " ما نفقه كثيرا مما تقول " أي ما نفهمه ولا نعقله، لانه لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه.
وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون ".
__________
(1) ا: من خوفك من النار.
(2) ليست في ا.
(3) ا.
فقال لمحبتك.
(4) المطبوعة: بن أمين.
وهو تحريف.
(*)
(1/283)
وقولهم: " وإنا لنراك فينا ضعيفا " أي مضطهدا مهجورا.
" ولولا رهطك " أي قبيلتك وعغشيرتك فينا " لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ".
" قال يا قوم أرهطى أعز عليكم من الله " [ أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونى بسببهم، ولا تخافون عذاب (1) الله ؟ ولا تراعوني لانى رسول الله ؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله (2) ] " واتخذتموه وراءكم ظهريا [ أي جانب الله وراء ظهوركم (2) ] " إن ربى بما تعملون محيط " أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
" ويا قوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعملون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب ".
هذا أمر تهديد شدى ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، ومن يحل عليه الهلاك والبوار " من يأتيه عذاب يخزيه " أي في هذه الحياة الدنيا " ويحل عليه عذاب مقيم " أي في الآخرى (2) " ومن هو كاذب " أي منى ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر.
" وارتقبوا إنى معكم رقيب " هذا كقوله: " وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ".
* * *
__________
(1) سقط من ا.
(2) ا: في الآخرة.
(1) الاصل: جنة الله.
(*)
(1/284)
" قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ".
طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة (1) عن قومه فقال: " أولو كنا كارهين ؟ " [ أي ] (2) هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا، وإنما يعودون إليكم إن عادوا، اضطرارا مكرهين ; وذلك لان الايمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال: " قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شئ علما، على الله توكلنا " أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجأنا في جميع أمرنا.
ثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " أي الحاكمين.
فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسله إذا انتصروه على الذين جحدوه وكفروه، ورسوله خالفوه.
__________
(1) ط: للحاربة.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/285)
ومع هذا صموا على ماهم عليه مشتملون، وبه متلبسون: " وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتهم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ".
قال الله تعالى: " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية ; لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها.
وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقبوبات، وصنوفا من المثلاث، وأشكالا من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها ; في سياق قصة الاعراف أرجفوا نبى الله وأصحابه، وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم، أو ليعودن في ملتهم راجعين.
فقال تعالى: " فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين " [ فقابل الارجاف بالرجفة، والاخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.
وأما في سورة هود: فذكر انهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (1) ] وذلك لانهم قالوا لنبى الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: " أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء
__________
(1) سقط من ا.
(*)
(1/286)
إنك لانت الحليم الرشيد " فناسب أن يذكر الصيحة التى هي كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح، الذى واجهوا به هذا الرسول الكريم الامين الفصيح، فجاءتهم صيحة (1) أسكتتهم [ مع رجفة أسكنتهم (2) ].
وأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب [ يوم (2) ] الظلمة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، تقريبا إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا: " إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربى أعلم بما تعملون ".
قال الله تعالى وهو السميع العليم: " فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلمة إنه كان عذاب يوم عظيم ".
ومن زعم من المفسرين [ كقتادة (2) ] وغيره: أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: " كذب اصحاب الايكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب " ولم يقل أخوهم كما قال: " وإلى مدين أخاهم شعيبا ".
والثانى: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.
والجواب عن الاول: أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: " كذب أصحاب
__________
(1) ا: فجاءهم في صيحة.
(2) سقطت من.
(*)
(1/287)
الايكة المرسلين " لانه وصفهم بعبادة الايكة، فلا يناسب ذكر الاخوة هاهنا.
ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ (1) ذكر شعيب بأنه أخوهم.
وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة.
وأما احتجاجهم بيوم الظلة ; فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن.
[ فأما الحديث الذى أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام، من طريق محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن أبيه، عن معاوية ابن هشام، عن هشام بن سعد، عن شفيق بن أبى هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن قوم مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب.
وفى رجاله من تكلم فيه.
والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بنى اسرائيل.
والله أعلم ].
(2) ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب.
وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب.
وقوله: " فأخذهم عذاب يوم الظلمة إنه كان عذاب يوم عظيم " ذكروا
__________
(1) المطبوعة: فشاع.
وهو تحريف (2) سقط من ا (*)
(1/288)
أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الاسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظطلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض،
وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
" فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذى كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين " ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين، كا قال تعالى وهو أصدق القائلين: " ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذى ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوزا فيها ألا بعد المدين كما بعدت ثمود " وقال تعالى: " وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين " وهذا في مقابلة قولهم: " لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ".
* * * ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا، فقال تعالى: " فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ".
أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا: " يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ".
أي قد أديت ما كان (19 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/289)
واجبا على من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لان الله لا يهدى من يضل ومالهم من ناصرين.
فلست [ أتأسف ] (1) بعد هذا عليكم، لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال: " فكيف آسى " [ أي أحزن ] (1) " على قوم كافرين " أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه (2) فحل بهم من بأس الله الذى لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لاحد أريد به عنه، ولا مناص عنه (3).
[ وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه: أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بنى سهم ] (4).
__________
(1) سقطت من ا.
(2) ا: عليه.
(3) ط: منه.
(4) ليست في ا (*)
(1/290)
باب ذكر ذرية إبراهيم عليه الصلاة والتسليم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم، وما آل إليه أمره عليه الصلاة والسلام والتحية والاكرام.
وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام، لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة ; فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط، قصة مدين، وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا (1) ; فذكرناها تبعا لها اقتداء بالقرآن العظيم.
ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية إبراهيم عليه السلام، لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبى أرسل بعده فمن ولده.
__________
(1) ا: قدمناها.
(*)
(1/291)
ذكر إسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا، ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان، أسنهما وأجلهما: الذى هو الذبيح على الصحيح - إسماعيل بكر إبراهيم [ الخليل ] (1) من (2) هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل.
ومن قال: إن الذبيح هو إسحق، فإنما تلقاه من نقلة بنى إسرائيل الذى بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل، فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر، وفى رواية: الوحيد.
وأياما (3) كان فهو إسماعيل بنص الدليل، ففى نص كتابهم: إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة.
وإنما ولد إسحق بعد مضى مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة.
أما في الصورة، فلانه كان ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة، وأما أنه وحيد في المعنى، فإنه هو الذى هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر، وكان صغيرا رضيعا - فيما قيل - فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهى الجبال التى حول مكة نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل.
__________
(1) ليست في ا (2) ا: ابن هاجر.
(3) ا: وأيما كان.
(*)
(1/292)
فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى.
ولكن أين من يتفطن لهذا السر ؟ وأين من يحل بهذا المحل ؟ والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل ! وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) وبالصبر وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة، والامر بها لاهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب، قال الله تعالى: " فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين * (2) فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا " (3) وقال تعالى: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار " (4) وقال تعالى: " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين " (5) وقال تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده.
وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط...الآية (6) "
__________
(1) ا: بالعلم.
(2) الآيتان 101 - 102 من سورة الصافات (3) الآيتان: 54، 55 من سورة مريم (4) الآيات: 45 - 48 من سورة ص (5) الآيتان: 85، 86 من سورة الانبياء (6) الآية: 163 من سورة النساء (*)
(1/293)
[ وقال تعالى: " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط (1) " الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى (2) ] وقال تعالى: " أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا ونصارى، قل أأنتم أعلم أم الله (3)..." الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة، وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس: أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموى في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن (4) [ رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) ] قال: " اتخذوا الخيل واعتقبوها (6) فإنها ميراث أبيكم إسماعيل ".
وكانت هذه العراب وحوشا (7) فدعا لها بدعوته التى كان أعطى فأجابته.
وأنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذى نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن ; من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموى: حدثنى على بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، مسمع بن مالك،
__________
(1) الآية: 136 من سورة البقرة (2) ليست في ا.
(3) سورة البقرة: 140 (4) ا: أنه (5) ليست في ا.
(6) اعتقبوها: توارثوها.
وفى المطبوعة اعتبقوها: محرفة.
(7) ا: وحشا.
(*)
(1/294)
عن محمد بن على بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة "، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار (1)، هكذا أبو جرى حدثنى.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب [ امرأة (2) ] من العماليق، وأن أباه أمره بفراقها ففارقها.
قال الاموى: [ هي (2) ] عمارة بنت سعد بن [ أسامة (2) ] ابن أكيل العماليقى (3).
ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها، فاستمر بها، وهى السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى، وقيل هذه (4) ثالثة، فولدت له اثنى عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن إسحق رحمه الله [ وهم (3) ] نابت، وقيذر وإزبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودوصا، وأرر، ويطور، ونبش، وطيما، وقيذما.
وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم، المتقدم ذكرهم.
وكذبوا (5) في تأويلهم ذلك.
وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها ; من قبائل جزهم والعماليق وأهل اليمن، صلوات الله وسلامه عليه.
ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحق، وزوج ابنته " نسمة " من ابن أخيه " العيص (6) " بن إسحق، فولدت له الروم، ويقال لهم بنو الاصفر ; لصفرة كانت في العيص.
وولدت له اليونان في أحد الاقوال.
ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا.
وتوقف ابن جرير رحمه الله.
__________
(1) ا: يا أبا سيل.
(2) ليست في ا (3) ا: العملاقى.
(4) ا: مرة ثالثة (5) أن تأويلهم.
(6) ا: من هو العيص بن إسحق ابن أخيه (*)
(1/295)
ودفن [ نبى الله (1) ] إسماعيل نبى الله بالحجر مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة.
وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكا إسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة، فأوحى الله إليه: إنى سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذى تدفن فيه.
يجرى عليك روحها إلى يوم القيامة.
وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه: نابت، وقيذار.
__________
(1) من ا.
(*)
(1/296)
ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم عليهما الصلاة والتسليم (1) قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة.
قال الله تعالى: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ".
وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز.
وقدمنا في حديث أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج " رفقا " بنت بتواييل (2) في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت، فولدت غلامين توأمين: أولهما اسمه (3) " عيصو " وهو الذى تسميه العرب " العيص "، وهو والد الروم.
والثانى خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه " يعقوب " وهو إسرائيل الذى ينتسب إليه بنو إسرائيل.
قالوا: وكان إسحاق يحب عيصو أكثر من يعقوب ; لانه بكره.
وكانت أمهما " رفقا " تحب يعقوب أكثر ; لانه الاصغر.
__________
(1) ا: عليهما السلام (2) ا: ثوابل (3) ط: سموه (*)
(1/297)
قالوا: فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما، وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ; ليبارك عليه ويدعو له.
وكان العيص صاحب صيد، فذهب يبتغى ذلك، فأمرت " رفقا " ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه، وينصع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه، ويأتى إليه به قبل أخيه ليدعو له، فقامت فألبسته ثياب أخيه، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجلديين ; لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك.
فلما جاء به وقربه إليه قال: من أنت ؟ قال: ولدك (1).
فضمه إليه وجسه وجعل يقول: أما الصوت فصوت يعقوب، وأما الجس والثياب فالعيص.
فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا، وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده، وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه، فقال له: ماهذا يا بنى ؟ قال: [ هذا ] (2) الطعام الذى اشتهبته، فقال: أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك ؟ فقال: لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك، فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا.
وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى، وأن يجعل لذريته غيظ الارض، وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم.
فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب، أمرت ابنها
يعقوب أن يذهب إلى أخيها " لابان (3) " الذى بأرض حران، وأن يكون
__________
(1) ا: ولذلك (2) ليست في ا.
(3) ا: الا بان.
(*)
(1/298)
عنده إلى حين يسكن غضب أخيه، وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له، ففعل.
فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم، فأدركه المساء في موضع فنام فيه، وأخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام، فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى لارض، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون، والرب تبارك وتعالى خاطبه، ويقول له: إنى سأبارك عليك وأكثر ذريتك، وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى، ونذر لله لئمن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبدا لله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره.
ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به، وسمى ذلك الموضع: " بيت إيل " أي بيت الله.
وهو موضع بيت المقدس اليوم الذى بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي.
قالوا: فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران، إذا له ابنتان: اسم الكبرى: " ليا " واسم الصغرى: " راحيل " وكانت أحسنهما وأجملهما، فأجابه (1) إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين.
فلما مضت المدة على خاله " لابان " صنع طعاما وجمع الناس عليه، وزف إليه [ ليلا (2) ] ابنته الكبرى " ليا "، وكانت ضعيفة العينين
__________
(1) كذا ولعل فيها سقطا: فطلب يعقوب من خاله أن يزوجه راحيل.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/299)
قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي " ليا "، فقال لخاله: لم غدرت بى ؟ وأنت إنما خطبت إليك راحيل.
فقال: إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى (1)، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزواجكها.
فعمل سب سنين وأدخلها عليه مع أختها.
وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة.
وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لانه معصوم.
ووهب " لابان " لكل واحدة من ابنتيه جارية ; فوهب لليا جارية اسمها: " زلفى "، ووهب لراحيل جارية اسمها: " بلهى ".
وجبر الله تعالى ضعف " ليا " بأن وهب لها أولادا، فكان أول من ولدت ليعقوب، روبيل، ثم شمعون، ثم لاوى، ثم يهوذا.
فغارت عند ذلك " راحيل " وكانت لا تحبل، فوهبت ليعقوب جاريتها " بلهى " فوطئها فحملت، وولدت له غلاما سمعته " دان "، وحملت وولدت غلاما آخر سمته " نيفتالى ".
فعمدت عند ذلك " ليا " فوهبت جاريتها " زلفى " من يعقوب عليه السلام فولدت له: جاد وأشير، غلامين ذكرين ثم حملت " ليا " أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته " إيساخر " (2) ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته " زابلون ".
ثم حملت وولدت بنتا سمتها " دينار " (2) فصار لها سبعة من يعقوب.
ثم دعت الله تعالى " راحيل " وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب
__________
(1) ا: على الكبرى.
(2) ا: دنيا.
(*)
(1/300)
فسمع الله نداءها وأجاب دعاءها، فحملت من نبى الله يعقوب، فولدت له غلاما عظيما شريفا حسنا جميلا سمته " يوسف ".
كل هذا وهم مقيمون بأرض حران، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى، فصار مدة مقامه عشرين سنة.
فطلب يعقوب من خاله " لابان " أن يسرحه ليمر إلى أهله، فقال له خاله: إنى قد بورك لى بسببك فسلني من مالى ما شئت.
فقال: تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع، (1) وكل حمل ملمع أبيض سواد، وكل أملح (2) ببياض، وكل أجلح (3) أبيض من المعز فقال: نعم.
فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس، لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات.
وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم.
قالوا: فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب (4)، فكان يقشرها بلقا، وينصبها في مساقى الغنم من المياه، لتنظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها، فتصير ألوان حملانها كذلك.
وهذا يكون من باب خوارق العادات، وينتظم في سلك المعجزات.
__________
(1) الابقع: ما فيه سواد وبياض.
(2) الاملح: ما يخالطه بياضه سواد (3) الاجلح: مالاقرن له (4) ا: ودلب.
(*)
(1/301)
فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد، وتغير له وجه
خاله وبنيه، وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه، ووعده بأن يكون معه، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته، فتحمل بأهله وماله، وسرقت راحيل أصنام أبيها.
فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم، لحقهم " لابان " وقومه، فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه، وهلا أعلمه (1) فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول، وحتى يودع بناته وأولادهن، ولم أخذوا أصنامه معهم ؟ ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما، فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئا، وكانت راحيل قد جعلتهن في برذعة الجمل وهى (2) تحتها، فلم تقم، واعتذرت بأنها طامث.
فلم يقدر عليهن.
فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها " جلعاد " على أنه لا يهين بناته، ولا يتزوج عليهن، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر، لا لابان ولا يعقوب، وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر.
وتفارقوا راجعين إلى بلادهم.
فلما اقترب يعقوب من أرض " ساعير " تلقته الملائكة يبشرونه
__________
(1) ا: أعلهم.
(2) ا: وهن.
(*)
(1/302)
[ بالقدوم (1) ].
وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له.
فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل.
فخشى يعقوب من ذلك، ودعا الله عز وجل وصلى له، وتضرع إليه
وتمسكن لديه، وناشده عهده ووعده الذى وعده به.
وسألة أن يكف عنه شر أخيه العيص.
وأعد لاخيه هدية عظيمة وهى: مائتا شاة، وعشرون تيسا [ ومائتا نعجة، وعشرون كبشا، وثلاثون لقحة (2)، وأربعون بقرة، وعشرة من الثيران (3) ] وعشرون أتانا وعشرة من الحمر.
وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده.
وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة، فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ؟ ولمن هذه معك ؟ فليقل: لعبدك يعقوب، أهداها لسيدي العيص وليقل الذى بعده كذلك [ وكذلك الذى بعده (4) ] وكذا الذى بعده، ويقول كل منهم: وهو جاء بعدنا.
وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين، وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا.
فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية، تبدى له ملك من الملائكة في صورة رجل، فظنه يعقوب رجلا من الناس، فأتاه [ يعقوب (3) ] ليصارعه ويغالبه، فظهر عليه يعقوب فيما يرى، إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب.
فلما أضاء الفجر قال له الملك: ما اسمك ؟ قال: يعقوب.
قال: لا ينبغى أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل.
فقال له يعقوب: ومن أنت ؟ وما اسمك ؟ فذهب عنه.
فعلم أنه ملك من
__________
(1) ليست في ا (2) اللقحة: الناقة الحلوب.
(3) سقطت من ا (4) من ا.
(*)
(1/303)
الملائكة، وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله.
فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء ! ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل، فتقدم أمام أهله.
فلما أرى أخاه العيص سجد له سبع مرات، وكانت هذه
تحيتهم في ذلك الزمان.
وكان مشروعا لهم ; كما سجدت الملائكة لآدم تحية [ له (1) ] وكما سجد إخوة يوسف وأبواه له كما سيأتي.
فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه وقبله وبكى، ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال: من أين لك هؤلاء ؟ فقال: هؤلاء الذين وهب الله لعبدك، فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له.
ودنت " ليا " وبنوها فسجدوا له.
ودنت " راحيل " وابنها يوسف فخرا سجدا له.
وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها.
ورجع العيص فتقدم أمامه، ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشى والعبيد قاصدين جبال " ساعير ".
فلما مر بساحور ابتنى له بيتا، ولدوا به ضلالا، ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل (2) القرية، واشترى مزرعة شخيم ابن جمور بمائة نعجة، فضرب هنالك فسطاطه، وابتنى ثم مذبحا فسماه " إيل " إله إسرائيل وأمره الله ببنائه ليستعلن له فيه.
وهو بيت المقدس اليوم، الذى جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام: وهو مكان الصخرة التى علمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك، كما ذكرنا أولا.
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: قبلى القرية.
(*)
(1/304)
وذكر أهل الكتاب هنا قصة " دينا " بنت يعقوب بنت " ليا " وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذى قهرها على نفسها، وأدخلها منزله ثم خطبها من أبيها وإخوتها، فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا، فإنا لا نصاحر قوما غلفا، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم.
فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان، مال عليهم
بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم، وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم، مضافا إلى كفرهم، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم، فلهذا قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل فولدت غلاما هو " بنيامين " إلا أنها جهدت في طلقها [ به (1) ] جهدا [ شديدا (1) ] وماتت عقيبه، فدفنها يعقوب في " أفراث ".
وهى بيت لحم، وصنع يعقوب على قبرها حجرا، وهى الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم.
وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا.
فمن ليا: روبيل، وشمعون، ولاوى، ويهودا، وإيساخر (2)، وزابلون.
ومن راحيل: يوسف، وبنيامين.
ومن أمة راحيل: دان، ونفتالى.
ومن أمة ليا: جاد (3) وأشير، عليهم السلام.
وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التى في أرض كنعان حيث كان يسكن إبراهيم.
ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة: ودفنه ابناه: العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التى اشتراها (4).
كما قدمنا.
__________
(1) ليست في ا (2) ا: وأشاخر (3) ا: حاذ (4) هذا الخبر الطويل عن يعقوب وأخيه، مروى عن أهل الكتاب، وليس في الاخبار الاسلامية تعرض له.
(م 20 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/305)
ذكر ما وقع من الامور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك: قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن
العظيم، ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الرحيم * الر * تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين ".
قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة، فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم، وتكلمنا عليه هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير.
ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذى أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بين واضح جلى، يفهمه كل عاقل ذكى [ زكى.
فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق (1) ] في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان.
__________
(1) سقط من ا.
(*)
(1/306)
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها، وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكما (1) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا (2) ".
يعنى صدقا في الاخبار، وعدلا في الاوامر والنواهي.
ولهذا قال تعالى: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا
إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين " أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه.
كما قال تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان، ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله الذى له ما في السموات وما في الارض، ألا إلى الله تصير الامور (3) ".
وقال تعالى: " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (4) ".
يعنى من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله
__________
(1) ا: حلما.
(2) من الآية: 115 من سورة الانعام.
(3) آخرو سورة الشورى (4) الآيات: 99 - 11 من سورة طه.
(*)
(1/307)
هذا الوعيد.
كما قال في الحديث المروى في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على، مرفوعا وموقوفا: " من ابتغى (1) الهدى في غيره أضله الله " وقال الامام أحمد: حدثنا سريج (2) بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبى، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فغضب وقال: " أتتهوكون (3) فيها يابن الخطاب ؟ والذى نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذى نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ".
إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه: " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذى نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظى من الامم وأنا حظكم من النبيين ".
وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفى بعضها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إنى قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لى اختصارا، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون ".
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا.
__________
(1) ا: اتبع.
(2) ا: جريج.
(3) تتهوكون: تتحيرون أو تتهورون.
(*)
(1/308)
" إذ قال يوسف لابيه يا أبث إنى رأيت أحد عشر كوكبا.
والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين * قال يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، إن الشيطان للانسان عدو مبين * وكذلك يحتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث، يتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم " قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا [ ذكرا ] (1) وسميناهم، وإليهم تنسب أسباط بنى إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبى غيره، وباقى إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة (2) يدل على
هذا القول.
ومن استدل على نبوتهم بقوله: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط " وزعم أن هؤلاءهم الاسباط فليس استدلاله بقوى، لان المراد بالاسباط شعوب بنى إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحى من السماء (3) والله أعلم.
وما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة - أنه [ ما (3) ] نص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه
__________
(1) ليست في ا.
(2) يريد الخبر المتقدم عن إسحق والعيص.
(3) ليست في ا.
(*)
(1/309)
ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ".
انفرد به البخاري.
فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد ابن عبد الوارث به.
وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا.
ولله الحمد والمنة.
قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم، كأن أحد عشر كوكبا، وهم إشارة إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك.
فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية
ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها.
فأمره يكتمانها وأن لا يقصها على إخوته ; كيلا (1) يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل [ والمكر ] (2).
وهذا يدل على ما ذكرناه (3).
ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كان ذى نعمة محسود ".
وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا.
وهو غلط [ منهم ] (4).
__________
(1) ا: لئلا.
(2) ليست في ا.
(3) يريد عدم نبوتهم (*)
(1/310)
" وكذلك يجتبيك ربك " أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها " يجتبيك ربك " أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة، ويعلمك من تأويل الاحاديث " أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.
ويتم نعمته عليك " أي بالوحى إليك " وعلى آل يعقوب " أي بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة.
" كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق " أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، " إن ربك عليم حكيم " كما قال تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالته ".
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أكرم ؟ قال: " يوسف نبى الله ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله ".
وقد روى ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيريهما، وأبو يعلى والبزار
في مسنديهما، من حديث الحكم بن ظهير - وقد ضعفه الائمة - عمن السدى عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التى رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها ؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ، ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها، قال: فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها ؟ " قال: نعم.
فقال: هي جريان والطارق، والذيال، وذو الكتفان، وقابس، ووثاب، وعمودان (1) والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع.
والضياء والنور ".
__________
(1) ط: عمر دان.
(*)
(1/311)
فقال اليهودي: [ إى (1) ] والله إنها لاسماؤها.
وعند أبى يعلى: فلما قصها على أبيه قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله، والشمس أبوه والقمر أمه.
* * * " لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفى ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف، وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ".
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات (2).
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه - يعنون شقيقه لامه بنيامين - أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين " إن أبانا لفى ضلال مبين "
أي بتقديمه حبهما علينا.
ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع (3) منها، ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد (4) ذلك.
فلما تمالاوا على ذلك وتوافقوا عليه " قال قائل منهم " قال مجاهد: هو شمعون، وقال السدى: هو يهوذا، وقال قتادة ومحمد بن إسحق: هو أكبرهم روبيل: " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: والبيان.
(3) ا: لا مرجع فيها.
(4) ا: على ذلك.
(*)
(1/312)
بعض السيارة " أي المارة من المسافرين " إن كنتم فاعلين " ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذى أقول لكم، فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه.
فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك " قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له الناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إنى ليحزني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ".
طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليم.
فأجابهم الشيخ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يا بنى يشق على أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه (1)، فيأتى الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره
وغفلتكم عنه ".
" قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذا لخاسرون، أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب: أنه أرسله وراءهم يتبعهم، فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التغريب ; فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم، فكيف يبعثه وحده.
__________
(1) ا: عليه.
(*)
(1/313)
فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون * وجاءوا أباهم عشاء يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين * وجاءوا على قميصه بدم كذب، قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل * والله المستعان على ما تصفون ".
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه (1)، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره على راعوفته، وهى الصخرة التى تكون في وسطه يقف عليها المائح، وهو الذى ينزل ليملا الدلاء إذا قل الماء، والذى يرفعها بالحبل يسمى الماتح.
فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه: أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التى أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها
عزيز، وهم محتاجون إليك خائفون منك، " وهم لا يشعرون ".
قال مجاهد وقتادة: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك.
وعن ابن عباس: " وهم لا يشعرون " أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها رواه ابن جرير عنه.
فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه، أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم، ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون، أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك ! وذكر بكاء إخوة
__________
(1) ا: عينه (*)
(1/314)
يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون، أي في ظلمة الليل ; ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم.
" قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا " أي ثيابنا " فأكله الذئب " أي في غيبتنا عنه في استباقنا.
وقولهم " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " أي وما أنت بمصدق لمنا في الذى أخبرناك من (1) أكل الذئب له، ولو كنا غير متهمين عندك.
فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
" وجاءوا على قميصه يدم كذب " أي مكذوب مفتعل ; لانهم عمدوا إلى سخلة (2) ذبحوها، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه، ليوهموه أن أكله الذئب.
قالوا: ونسوا أن يخرقوه، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم ; فإنه كان يفهم
عداوتم له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسم فيه من (3) الجلالة والمهابة التى كانت عليه في صغره، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته.
ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباكون، وعلى ما تمالاوا يتواطاون.
ولهذا " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل * والله المستعان على ما تصفون ".
__________
(1) ا: في (2) السخلة: ولد الشاة (3) ا من المهابة والجلالة (*)
(1/315)
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتكل القافلة.
فلما جاء روبيل آخر النهار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدى فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف، فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على ابنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير.
* * * " وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين * وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين " يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جليس ينتظر
فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من (1) الفتسق والصنوبر والبطم (2) قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف.
فلما رآه ذلك الرجل " قال يا بشرى " أي يا بشارتى " هذا غلام
__________
(1) ط: في.
(2) البطم: الحبة الخضراء.
(*)
(1/316)
وأسروه بضاعة " أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم " والله عليم بما يعملون " أي هو عالم بما تمالا عليه إخوته، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم.
ومع هذا لا يغيره تعالى، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر ; بما (1) يجرى الله على يدى هذا الغلام الذى يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يملكه أزمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم، بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوقهم، وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس، أي قليل نزر، وقيل هو الزيف " دراهم معدودة وكانوا فيه من لزاهدين ".
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالى (2) والسدى وقتادة وعطية العوفى: باعوه بعشرين درهما، اقتسموها درهمين.
وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن إسحق: أربعون درهما.
والله أعلم.
" وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه [ أي أحسنى إليه (3) ] " عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "، وهذا من لطف الله به
ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له (4) ويعطيه من خيرى الدنيا والآخرة.
قالوا: وكان الذى اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها،
__________
(1) ا: فيما.
(2) هو أبو زيد نوف بن فضاله البكالى.
وهو ابن امرأة كعب الاحبار.
تابعي.
اللباب 1 / 137.
(3) ليست في ا.
(4) ا: لذلك.
(*)
(1/317)
الذى الخزائن مسلمة إليه.
قال ابن إسحق: واسمه إطفير ابن روحيب قال: وكان ملك مصر يومئذ الربان بن الوليد رجل من العماليق.
قال: واسم امرأة العزيز: " راعيل " بنت رعاييل.
وقال غيره: كان اسمها " زليخا " والظاهر أنه لقبها.
وقيل " فكا " بنت ينوس (1)، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي.
وقال محمد بن إسحق، عن محمد بن السائب، عن أبى صالح، عن ابن عباس: كان اسم الذى باعه بمصر - يعنى الذى جلبه إليها - مالك ابن زعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم.
فالله أعلم.
وقال ابن إسحق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: " أكرمي مثواه "، والمرأة التى قالت لابيها عن موسى: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الامين "، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضى الله عنهما.
ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارا، وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا
ووزنه ورقا.
فالله أعلم.
وقوله: " وكذلك مكنا ليوسف في الارض " أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر " ولنعلمه من تأويل الاحاديث " أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك.
" والله غالب على أمره " أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وأمورا لا يهتدى إليها العباد.
ولهذا قال تعالى: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
__________
(1) ا: بنت موسن.
(*)
(1/318)
" ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين ".
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد، وهو حد الاربعين الذى يوحى الله فيه إلى عباده النبيين، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين وقد اختلفوا في مدة العمر الذى هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبى: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثمانى عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدى: ثلاثون سنة.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ".
* * * " وراودته التى هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الابواب وقالت هيت لك.
قال معاذ الله، إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه
من دبر، وألفيا سيدها لدى الباب، قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر، قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين "
(1/319)
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه مالا يليق بحاله ومقامه، وهى في غاية الجمال والمال.
والمنصب والشباب.
وكيف غلقت الابواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهى مع هذا كله امرأة الوزير.
قال ابن إسحق: وبنت أخت [ الملك ] (1) الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبى من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبعة الاتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل معلق قبله بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امراة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله ".
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: " معاذ الله إنه ربى " يعنى زوجها صاحب المنزل سيدى " أحسن مثواى " أي أحسن إلى وأكرم مقامي عنده " إنه لا يفلح الظالمون " وقد تكلمنا على قوله تعالى: " ولقد همت به وهم بها [ لولا أن رأى برهان ربه (1) ] بما فيه كفاية ومقنع في التفسير.
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/320)
وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالاعراض عنه أولى بنا.
والذى يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ".
" واستبقا الباب " أي هرب منها طالبا الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره " وألفيا " أي وجدا " سيدها " أي زوجها لدى الباب، فبدرته بالكلام وحرضته عليه، " قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " اتهمته وهى المتهمة، وبرأت عرضها ونزهت ساحتها.
فلهذا قال يوسف عليه السلام: " هي راودتني عن نفسي "، احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة.
" وشهد شاهد من أهلها ".
قيل كان صغيرا في المهد.
قاله ابن عباس وروى عن أبى هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك.
واختاره ابن جرير، وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس، ووقفه غيره عنه.
وقيل كان رجلا قريبا إلى " قطفير " بعلها، وقيل قريبا إليها.
وممن قال إنه كان رجلا: ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدى ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم.
فقال: " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين " أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه.
" وإن كان (21 - قصص الانبياء 1)
(1/321)
قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " [ أي ] (1) لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك، وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى: " فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " أي هذا الذى جرى من مكركن، أنت (2) راودتيه عن نفسه، ثم اتهمتيه بالباطل.
ثم أضرب بعلها [ عن هذا (3) ] صفحا فقال: " يوسف أعرض عن هذا " أي لا تذكره لاحد، لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذى صدر منها، والتوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذى يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك.
ولهذا قال لها بعلها، وعذرها من بعض الوجوه ; لانها رأت ما لا صبر لها على مثله، إلا أنه عفيف نزيه (4) برئ العرض سليم الناحية فقال: " استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ".
* * *
" وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا، إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكا، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وقالت اخرج
__________
(1) ليست في ا (2) ا: أنت الذى.
(3) ليست في ا (4) ا: نزه.
(*)
(1/322)
عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن حاش لله ما هذا بشرا، إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذى لمتننى فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ".
يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا ; لانه مولى من الموالى وليس مثله أهلا لهذا.
ولهذا قلن: " إنا لنراها في ضلال مبين " أي في وضعها الشئ في غير محله.
" فلما سمعت بمكرهن " أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها، فأظهرن ذما وهى معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل مالديهن.
فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما
يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب (1) وأمرته بالخروج عليهن بهذه (2) الحالة، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
__________
(1) ا: وكان في غاية طرازة الشباب.
(2) ا: في هذه.
(*)
(1/323)
" فلما رأينه أكبرنه " أي أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثلا هذا في بنى آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح، وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
وقد جاء في حديث الاسراء: فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحسن البشرى.
ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه.
ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما ; كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه.
وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذرن (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى ; من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته.
" قالت فذلكن الذى لمتننى فيه " ثم مدحته بالعفة (2) التامة فقالت: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " أي امتنع " ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ".
(1) ط: عذر.
(2) ط: بالعصمة.
(*)
(1/324)
وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء، ونأى لانه من سلالة الانبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: " رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " يعنى إن وكلتني إلى نفسي، فليس لى من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله.
فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني، وحطتنى بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: " فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم * ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه السجن فتيان ; قال أحدهما إنى أرانى أعصر خمرا، وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربى، إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله،
أمر ان لا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعملون * يا صاحبي السجن: أما أحدكما فيسقى ربه خمرا، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذى فيه تستفتيان ".
(1/325)
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي ظهر لهم من الرأى (1) بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ; ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لامرها، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به ; فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم.
ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة أن لا تجد !.
قال الله: " ودخل معه السجن فتيان ": قيل: كان أحدهما ساقى الملك واسمه فيما قيل " نبوا " والآخر خبازه، يعنى الذى يلى طعامه، وهو الذى يقول له الترك: " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " وكان الملك قد اتهمهما قى بعض الامور فسجنهما.
فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته (2) وهديه، ودله وطريقته، قوله وفعله، وكثرة عبادته ربه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد مهما رؤيا تناسبه.
قال أهل التفسير: رأيا في ليلة واحدة.
أما الساقى فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة (3) وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه.
ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز، وضوارى الطيور تأكل (4) من السل الاعلى.
__________
(1) ا: المرائى.
(2) ا: سيمته.
(3) الحبلة: الكرمة.
(4) ا: تأخذ.
(*)
(1/326)
فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: " إنا نراك من المحسنين " فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها، " وقال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ".
قيل: معناه مهما رأيتما من حلم فإنى أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول.
وقيل: معناه أنى أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا وحامضا، كما قال عيسى: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ".
وقال لهما: إن هذا من تعليم الله إياى، لانى مؤمن به موحد له، متبع ملة آبائى الكرام: إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب.
" ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ، ذلك من فضل الله علينا " أي بأن هدانا لهذا، " وعلى الناس " أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه.
وهو في فطرهم مركوز، وفى جبلتهم مغروز " ولكن أكثر الناس لا يشكرون ".
ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل، وصغر أمر الاوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا الله " [ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد، الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء (1) ] " أمر أن لا تعبدوا إلا إياه " [ أي وحده لا شريك له (1) ] و " ذلك الدين القيم " أي المستقيم والصراط القويم " ولكن أكثر الناس لا يعلمون "
أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره.
__________
(1) سقطت من ا.
(*)
(1/327)
وكانت دعوته لهما في هذا الحال في غاية الكمال ; لان نفوسهما معظمة له، منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه.
ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: " يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا " [ قالوا وهو الساقى (1) ] " وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه " [ قالوا وهو الخباز (1) ] " قضى الامر الذى فيه تستفتيان " أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة.
ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر (2) ; فإذا عبرت وقعت ".
[ وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا: لما نر شيئا فقال لهما: " قضى الامر الذى فيه تستفتيان (3) " ] " وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ".
يخبر تعالى أن يوسف قال للذى ظنه ناجيا منهما وهو الساقى: " اذكرني عند ربك "، يعنى اذكر أمرى وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك.
وفى هذا دليل على جواز السعي (4) في الاسباب، ولا ينافى ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " أي فأنسى الناجى منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام.
قاله مجاهد ومحمد بن
__________
(1) سقطت من ا.
(2) ا: ما لم تقص.
(3) سقطت من المطبوعة.
(4) ا: الساعي.
(*)
(1/328)
إسحق وغير واحد.
وهو الصواب، وهو منصوص أهل الكتاب.
" فلبث " يوسف " في السجن بضع سنين ".
والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل إلى السبع، وقيل إلى الخمس، وقيل ما دون العشرة حكاها الثعلبي.
ويقال بضع نشوة وبضعة رجال.
ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر.
قال: وإنما يقال نيف وقال الله تعالى: " فلبث في السجن بضع سنين " [ وقال تعالى: " في بضع سنين (1) " ].
وهذا رد لقوله.
قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، وبضع وألف.
وخالف الجوهرى فيما زاد على بضعة عشر، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين.
وفى الصحيح: " الايمان بضع وستون شعبة، وفى رواية وسبعون شعبة، وأعلاها (2) قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق ".
ومن قال إن الصمير في قوله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله، وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة.
والحديث الذى رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه.
تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخورى المكى وهو متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل، ولا هاهنا بطريق الاولى والاحرى.
والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، عند ذكر السبب الذى من أجله
لبث يوسف في السجن ما لبث: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحى، [ حدثنا
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا أرفعها.
(*)
(1/329)
مسدد بن مسرهد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف لولا الكلمة التى قالها " اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن ما لبث، ورحم الله لوطا إن كان ليأوى إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: " لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد "، قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه.
ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة.
وهذه اللفظة من أنكرها [ وأشدها (1) ] والذى في الصحيحين يشهد بغلطها.
والله أعلم.
* * * " وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين * وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق، أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يا بسات، لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبا، فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه
يغاث الناس وفيه يعصرون.
"
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/330)
هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد (1) ابن ثروان بن أراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب: رأى كأنه على حافة نهر، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في روضة هناك، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلتهن، فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع أخر دقاق يا بسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل " قالوا أضغاث أحلام " أي أخلاط أحلام من الليل، لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك.
ولهذا قالوا: " وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين " فعند ذلك تذكر الناجى منهما، الذى وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك.
فلما سمع رؤيا الملك، ورأى عجز، الناس عن تعبيرها، تذكر أمر يوسف، وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى: " وقال الذى نجا منهما وادكر " أي تذكر " بعد أمة " أي بعد مدة من الزمان، وهو بضع سنين.
وقرأ بعضهم
__________
(1) هذه الاسماء والانساب ليست ثابتة ولا مدعمة من التاريخ، وقد كانوا يتكلفون
معرفتها.
وما كان أغناهم.
(*)
(1/331)
كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك: " وادكر بعد أمه " أي بعد نسيان.
وقرأها مجاهد: " بعد أمه " باسكان الميم " وهو النسيان أيضا.
يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها، إذا نسى.
قال الشاعر.
أمهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يررى بالعقول فقال لقومه وللملك: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون " أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال: " يوسف أيها الصديق، أفتنا في سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر، أخر يابسات.
لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ".
وعند أهل الكتاب: أن الملك لما ذكره له الساقى، استدعاه إلى حضرته، وقص عليه ما رآه ففسره له.
وهذا غلط.
والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ماعربه هؤلاء الجهلة الثيران ; من فرى وهذيان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعا ; بل أجابهم إلى ما سألوا، وعبر لهم ما كان من منام الملك، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس " يعنى يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية " وفيه يعصرون " يعنى ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها.
فعبر لهم وعلى الخير دلهم، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتى خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في (2) السبع الاول
__________
(1) الاصل: وريان.
محرفة.
(2) ا: من.
(*)
(1/332)
في سنبله، إلا ما يرصد بسبب الاكل، ومن تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرى والفهم.
* * * " وقال الملك ائتونى به، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن، إن ربى بكيدهن عليم * قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ؟ قلن حاش الله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدى كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي، إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن رب غفور رحيم ".
لما أحاط الملك علما بكمال [ علم (1) ] يوسف عليه الصلاة والسلام، وتمام عقله، ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته ; ليكون من جملة خاصته.
فلما جاءه الرسول بذلك، أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا، وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا.
" قال ارجع إلى ربك " يعنى الملك " فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيهديهن، إنى ربى بكيدهن عليم " قيل معناه: إن سيدى العزيز يعلم برأتي مما نسب إلى ; أي فمر الملك فليسألهن: كيف [ كان (1) ] امتناعي الشديد عند مراودتهن إياى ؟ وحثهن لى على الامر الذى ليس برشيد ولا سديد ؟
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/333)
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر، وما كان منه من الامر الحميد و " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ".
فعند ذلك " قالت امرأة العزيز " وهى زليخا: " الآن حصحص الحق " أي ظهر وتبين ووضح، والحق احق أن يتبع.
" أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " أي فيما يقوله ; ومن أنه برئ وأنه لم يراودني، وأنه حبس ظلما وعدوانا، وزورا وبهتانا.
وقوله: " ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين " قيل إنه من كلام يوسف، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أنى لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أنى لم أخنه في نفس الامر، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة.
وهذا القول هو الذى نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم.
ولم يحك ابن جرير وابن أبى حاتم سوى الاول.
" وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم إن ربى غفور رحيم " ; قيل إنه من كلام يوسف، وقيل من كلام زليخا، وهو مفرع على القولين [ الاولين (1) ] وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى.
والله أعلم.
* * * " وقال الملك ائتونى به استخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم
__________
ليست في ا.
(*)
(1/334)
لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الارض، يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء، ولا نضيع أجر المحسنين * ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ".
لما ظهر للملك براءة عرضه، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه، " قال ائتونى به أستخلصه لنفسي " أي أجعله من خاصتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله " قال إنك اليوم لدينا مكين أمين " أي ذو مكانة وأمانة.
قال اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم " طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء (1)، لما يتوقع من حصول الخلل فيها (2) بعد مضى سبع سنى الخصب، لينظر فيها بما يرضى الله في خلقه، من الاحتياط لهم والرفق بهم، وأخبر الملك أنه حفيظ، أي قوى على حفظ ما لديه، أمين عليه، عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء.
وفى هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة.
وعند أهل الكتاب: أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا، وسلطه على جميع أرض مصر، وألبسه خاتمه، وألبسه الحرير وطوقع الذهب وحمله على مركبه الثاني، ونودى بين يديه: أنت رب ومسلط، وقال له: لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا: وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، وزوجه امرأة عظيمة
__________
(1) الاهراء: خزائن الطعام.
(2) ط: فيما بعد.
(*)
(1/335)
الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته (1) وولاها يوسف.
وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء، لان زوجها كان لا يأتي النساء، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما: أفرايم (1) ومنسا.
قال: واستوثق ليوسف ملك مصر، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة، وفى كل (2) ذلك يجاوبه بكل لغة منها، فأعجبه ذلك مع حداثة سنه.
فالله أعلم.
قال الله تعالى: " وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء " أي بعد السجن والضيق والحصر، صار مطلق الركاب بديار مصر، " يتبوأ منها حيث يشاء " أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما.
" نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " [ من أي (3) ] هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن، مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
ولهذا قال ": ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ".
ويقال إن قطفير زوج زليخا كان قد مات، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا، فكان وزير صدق.
__________
(1) ا: أفريثم.
(2) ا: وكل.
(3) من: ا (*)
(1/336)
وذكر محمد ابن إسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدى يوسف عليه السلام.
فالله أعلم.
وقد قال بعضهم: وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن (1)
فلا تيأسن، فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن * * * " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم، الا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ".
يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاما، وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه ; لانهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب: انهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول، وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] (2)
__________
(1) ا: آخر الحزن.
(2) من ا.
(م 22 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/337)
لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا: معاذ الله ; إنما جئنا نمتار (1) لقومنا من الجهد والجوع الذى أصابنا، ونحن بنوأب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا.
فقال لابد أن أستعلم أمركم.
وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، واحتبس شمعون عنده
ليأتوه بالاخ الآخر.
وفى بعض هذا نظر.
قال الله تعالى: " فلما جهزهم بجهازهم " أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته ; من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه " قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم "، وكان قد سألهم عند حالهم، وكم هم ؟ فقالوا: كنا اثنى عشر رجلا، فذهب منا واحد وبقى شقيقه عند أبينا.
فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم.
" ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين ؟ " أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه [ به (2) ] ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال (3) " فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون " أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقربكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولا.
فاجتهد (4) في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب.
" قالوا سنراود عنه أباه " أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن.
" وإنا لفاعلون " أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهى ما جاءوا به يتعوضون به
__________
(1) ا: لنتمار.
(2) ليست في ا.
(3) ا: قال.
(4) ا: فاجتهدوا.
(*)
(1/338)
عن الميرة، في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها " لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ".
قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم، وقيل خشى أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها.
وعند
أهل الكتاب: أنها كانت صررا من ورق، وهو أشبه.
والله أعلم.
* * * " فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ؟ فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين * ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا يا أبانا ما نبغى ؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا، ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير * قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم، فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل * وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، وما أغنى عنكم من الله من شئ، إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإنه لذو علم لما علمناه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم [ إلى أبيهم ] (1)
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/339)
وقولهم له: " منع منا الكيل " [ أي بعد عامنا هذا (1) ] إن لم ترسل معنا (2) أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا.
" ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغى ؟ " أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ؟ " ونمير أهلنا " أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، " ونحفظ أخانا ونزداد " بسببه
" كيل بعير ".
قال الله تعالى: " ذلك كيل يسير " أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر.
وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين ; لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه.
فلهذا قال: " لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به.
" فلما آتوه موثقهم، قال الله على ما نقول وكيل ".
أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغنى حذر من قدر ! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الاقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل: أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لانهم كانوا
__________
(1) ليست في ا (2) ا: فأرسل معنا أخانا.
(*)
(1/340)
أشكالا حسنة وصورا بديعة.
قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدى والضحاك.
وقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر.
ولهذا قال: " وما أغنى عنكم من الله من شئ ".
وقال تعالى: " ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ، إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإنه لذو علم
لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
وعند أهل الكتاب: أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل، وأخذوا الداراهم الاولى وعرضا (1) آخر.
" فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه، قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ؟ * قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه، كذلك نجزى الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخرجها من وعاء أخيه، كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم *
__________
(1) ا: وعوضوا آخر.
(*)
(1/341)
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون * قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، إنا إذا لظالمون ".
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم.
وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه.
ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه
بوضع سقايته، وهى التى كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة (1) في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادى لهم.
فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم: " قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين " يقولون: أنتم تعلمون [ منا ] (2) خلاف ما رميتمونا به من السرقة.
" قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين " [ وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه.
ولهذا قالوا: " كذلك نجزى الظالمين " (2) ].
قال الله تعالى: " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه " ليكون [ ذلك (2) ] أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، [ ثم (2) قال
__________
(1) ا: عن غرته.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/342)
الله تعالى: " كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر، " إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء " أي في العلم " وفوق كل ذى علم عليم ".
وذلك لان يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ; لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك: من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه.
فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " يعنون يوسف.
قيل كان قد سرق صنم جده
أبى أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لايشعر بما صنعت، وانما أرادت أن يكون عندها وفى حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك.
فلهذا: " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه " وهى كلمته بعدها، وقوله: " أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون " أجابهم سرا لا جهرا، حلما وكرما وصفحا وعفوا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: " يا أيها العزيز إن له أبا شيخ كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، إنا إذا لظالمون " أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ، وهذا مالا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
(1/343)
وعند أهل الكتاب: أن يوسف تعرف إليهم حينئذ.
وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيدا (1).
" فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا، قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله، ومن قبل ما فرطتم في يوسف، فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى، أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين * ارجعوا إلى ابيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق، وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التى كنا فيها، والعير التى أقبلنا فيها، وإنا لصادقون * قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل ; عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم * وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله
تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ".
يقول تعالى مخبرا عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم وهو روبيل: " ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله "، لتأتينى به إلا أن يحاط بكم ؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لى وجه أقابله به " فلن أبرح الارض " أي لا أزال مقيما هاهنا " حتى يأذن لى
__________
(1) ا: جدا.
(2) ا: معهم.
(*)
(1/344)
أبى " في القدوم عليه ؟ " أو يحكم الله لى " بأن يقدرني على رد أخى إلى أبى، " وهو خير الحاكمين ".
" ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق " أي أخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة " وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها "، أي فإن هذا الذى أخبرناك [ به ] (1) - من أخذهم أخانا لانه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التى كنا نحن وهم هناك، " وإنا لصادقون " " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل " أي ليس الامر كما ذكرتم، لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه.
وإنما " سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل ".
قال ابن إسحق وغيره: لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على
صنيعهم (2) في يوسف قال لهم ما قال.
وهذا كما قال بعض السلف: إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ! ثم قال: " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا " يعنى يوسف وبنيامين وروبيل، " إنه هو العليم " أي بحالى وما أنا فيه من فراق الاحبة " الحكيم " فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة.
" وتولى عنهم " أي أعرض عن بنيه " وقال يا أسفى على يوسف " ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامنا، كما قال بعضهم:
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: صنعهم.
(*)
(1/345)
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر: لقد لامنى عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (1) فقال: أتبكى كل قبر رأيته ؟ * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (2) فقلت له: إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله: " وابيضت عيناه من الحزن " أي من كثرة البكاء.
" فهو كظيم " أي مكظم (3) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف.
فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق " قالوا " له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه " تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ".
يقولون: لا تزال تتذكره (4) حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك.
" قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون "
يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله عز وجل، وأعلم أن الله سيجعل لى مما أنا فيه فرجا ومخرجا، وأعلم أن رؤيا يوسف لابد أن تقع، ولابد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى.
ولهذا قال: " وأعلم من الله مالا تعلمون "
__________
(1) السوافك: المذروفة المنصبة.
(2) اللوى: ما التوى من الرمل.
والدكادك: ما استوى منه وتلبد.
(3) ا: مكمد.
(4) ا: تذكره.
(*)
(1/346)
ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما: " يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه، وما يقدره من المخرج في المضايق، إلا القوم الكافرون.
* * * " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزى المتصدقين * قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أئنك لانت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخى، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين * اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا، وأتوني بأهلكم أجمعين ".
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر " أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، " وجئنا ببضاعة مزجاة " أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة، وقيل قليلة، وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس: كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك.
(1/347)
" فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين ".
قيل بقبولها، قاله السدى.
وقيل برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة: إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [ ونزع (1) ] بهذه الآية.
رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلا لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر لهم عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذى يعرفون فيه: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ".
" قالوا " وتجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو: " أئنك لانت يوسف ؟ ".
" قال أنا يوسف وهذا أخى ".
يعنى أنا يوسف الذى صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم.
وقوله: " وهذا أخى " تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال.
ولهذا قال: " قد من الله علينا " أي بإحسانه
إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ماكان منكم إلينا، وطاعتنا وبرنا لابينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا.
" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ".
__________
(1) سقطت من ا.
(*)
(1/348)
" قالوا تالله لقد آثرك الله علينا " أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا، " وإن كنا لخاطئين " أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك.
" قال لاتثريب عليكم اليوم " أي لست أعاتبكم (1) على ماكان منكم بعد يومكم هذا.
ثم زادهم على ذلك فقال: " يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ومن زعم أن الوقف على قوله " لاتثريب عليكم " وابتدأ بقوله: " اليوم يغفر الله لكم " فقوله ضعيف والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذى يلى جسده، فيضعوه على عينى أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعد ماكان ذهب، بإذن الله.
وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات.
ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
" فلما فصلت العير قال أبوهم إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم * فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا، قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون * قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم ".
قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبى سنان، عن عبد الله بن أبى الهذيل، سمعت ابن عباس يقول: " فلما فصلت العير " قال: لما
__________
(1) ط: أعاقبكم.
(*)
(1/349)
خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: " إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون ".
قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة (1) أيام.
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبى سنان (2) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكى: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا، وكان له (3) منذ فارقه ثمانون سنة.
وقوله: " لولا أن تفندون " أي تقولون إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف (4) وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: " تفندون " تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن: تهرمون.
" قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم " قال قتادة والسدى: قالوا له كلمة غليظة.
قال الله تعالى: " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا " أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ماكان ضريرا.
وقال لبنيه عند (5) ذلك: " ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون " أي أعلم أن الله سيجمع شملى بيوسف، وستقر عينى به، وسيرينى فيه ومنه ما يسرني.
فعند ذلك " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ".
__________
(1) ط: ثمانية أيام.
(2) ا: عن أبى سعيد (3) ا: وكان له عنه.
(4) ا: وهو الحزن.
(5) ا: بعد ذلك.
(*)
(1/350)
طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم.
فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه عولوا قائلا: " سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم ".
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمى وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر.
قال ابن جرير: حدثنى أبو السائب، حدثنا ابن إدريس [ قال (1) ]: سمعت عبد الرحمن بن إسحق يذكر عن محارب ابن دثار قال: كان عمر (2) يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول: " اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لى " قال: فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: " سوف أستغفر لكم ربى ".
وقد قال الله تعالى: " والمستغفرين بالاسحار ".
وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ ".
وقد ورد في حديث: " أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة ".
قال ابن جرير: حدثنى المثنى ; قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب (4) الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة
__________
(1) سقطت من ا (2) المطبوعة: كان عم لى.
وهو تحريف (3) ط: في الصحيح.
(4) ا: ابن أيوب.
(*)
(1/351)
عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سوف أستغفر لكم ربى " يقول: " حتى ليلة الجمعة، وهو قول أخى يعقوب لبنيه ".
وهذا غريب من هذا الوجه، وفى رفعه نظر.
والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضى الله عنهما.
* * * " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ; قد جعلها ربى حقا، وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى، إن ربى لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم * رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث، فاطر السموات والارض أنت وليى في الدنيا والآخرة، توفنى مسلما وألحقني بالصالحين ".
هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة، التى قيل إنها ثمانون سنة ! وقيل ثلاث وثمانون سنة، وهما روايتان عن الحسن وقيل خمس وثلاثون سنة.
قاله قتادة.
وقال محمد بن إسحاق: ذكروا أنه غاب عنه ثمانى عشرة سنة.
قال: وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة.
وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبا ; فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة، فيما قاله غير واحد، فامتنع.
فكان
__________
(1) ا: يدعون.
(*)
(1/352)
في السجن بضع سنين ; وهى سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم [ لما (1) ] أمحل الناس في السبع البواقى، جاء إخوته يمتارون في السنة الاولى وحدهم، وفى الثانية ومعهم أخوه (2) [ بنيامين (3) ] وفى الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين، فجاءوا كلهم.
" فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه " واجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته، " وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ".
قيل هذا من المقدم والمؤخر ; تقديره [ قال (3) ]: ادخلوا، مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور.
وقيل [ بل (3) ] تلقاهما وآواهما في منزل الخيام، ثم لما اقتربوا من باب مصر " قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين "، قاله السدى ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا، وإنه ضمن قوله ادخلوا، بمعنى اسكنوا مصر، أو أقيموا بها، " إن شاء الله آمنين " لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب: أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر - وهى أرض بلبيس - خرج يوسف لتلقيه، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر ; يكونون فيها، ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم.
و [ قد (4) ] ذكر جماعة من المفسرين: أنه لما أزف قدوم نبى الله يعقوب - وهو إسرائيل - [ أراد يوسف (4) ] أن يخرج لتلقيه، فركب معه الملك وجنوده ; خدمة ليوسف
__________
(1) سقطت من ا.
(2) ا: أخوهم.
(3) من ا.
(4) سقطت من ا.
(23 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/353)
وتعظيما لنبى الله " إسرائيل " وأنه دعا للملك، وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سنى الجدب ببركة قدومه إليهم.
فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم - فيما قاله أبو إسحاق السبيعى عن أبى عبيدة عن ابن مسعود - ثلاثة وستين إنسانا.
وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا: وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل وفى نص (1) أهل الكتاب: أنهم كانوا سبعين نفسنا وسموهم.
* * * قال الله تعالى: " ورفع أبوبه على العرش " قيل: كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين: أحياها الله تعالى.
وقال آخرون: بل كانت خالته " ليا " والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون: بل ظاهر القرآن يقتضى بقاء حياة أمه إلى يومئذ، فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه.
وهذا قوى والله أعلم.
ورفعهما على العرش، أي أجلسهما [ معه (2) ] على سريره، " وخروا له سجدا " أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر، تعظيما وتكريما.
وكان هذا مشروعا لهم، ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا.
__________
(1) ا: ونص أهل الكتاب.
(2) ليست في ا (*)
(1/354)
" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " أي هذا تعبير ماكنت قصصته عليك: من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر، حين رأيتهم لى ساجدين، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني [ ما وعدتني (1) ] عند ذلك " قد جعلها ربى حقا، وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن " أي بعد الهم والضيق، جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت.
" وجاء بكم من البدو " أي البادية.
وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخيل " من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى " أي فيما كان منهم إلى من الامر الذى تقدم وسبق ذكره.
ثم قال: " إن ربى لطيف لما يشاء " أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدى إليها العباد، بل يقدرها ويبسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته.
" إنه هو العليم " أي بجميع الامور " الحكيم " في خلقه وشرعه وقدره.
وعند أهل الكتاب: أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذى كان تحت يده، بأموالهم كلها ; من الذهب والفضة، والعقار والاثاث، وما يملكونه كله، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء.
ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا، ويكون خمس ما يستغلون من زروعهم (2) وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده.
وحكى الثعلبي: أنه كان لا يشبع في تلك السنين، حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار.
قال: فمن ثم اقتدى به
__________
(1) ليست في ا (2) ط: زرعهم.
(*)
(1/355)
الملوك في ذلك.
قلت: و [ قد (1) ] كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب،
رضى الله عنه، لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
قال الشافعي: قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة: لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة ! * * * ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار، وأن كل شئ فيها ومن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه - وهو خير المسئولين - أن يتوفاه، أي حين يتوفاه على الاسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: " اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره [ عليه السلام، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره (2) ] أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين (3) من النبيين والمرسليمن، كما قال: اللهم في الرفيق الاعلى ثلاثا.
ثم قضى.
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته، وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم، كما روى عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبى [ قط (2) الموت قبل يوسف.
__________
(1) من ا (2) سقطت من ا.
(3) الصلحاء.
(*)
(1/356)
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن ; كما في حديث معاذ في الدعاء الذى رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين ".
وفى الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك
من الفتنة ".
وقالت مريم عليها السلام: " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ".
وتمنى الموت على بن أبى طالب، لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد القتال، وكثر القيل والقال.
وتمنى ذلك البخاري [ أبو عبد الله (1) ] صاحب الصحيح، لما اشتد عليه الحال ولقى من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا [ فلعله (1) ] يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب.
ولكن ليقل: " اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى ".
والمراد بالضر هاهنا، ما يخص العبد في بدنه ; من مرض ونحوه، لا في دينه.
والظاهر أن نبى الله يوسف عليه السلام سأل ذلك، إما عند احتضاره، أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن إسحق عن أهل الكتاب: أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة، ثم توفى عليه السلام.
وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدى:
__________
(1) سقطت من ا (*)
(1/357)
فصبره وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة (1) عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب: أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة، ومع هذا قالوا: فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة.
هذا نص كتابهم وهو غلط: إما في النسخة، أو منهم، أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا، فكيف يستعملون هذه الطريقة [ هاهنا (2) ] ؟ وقد قال تعالى [ في كتابه العزيز (2) ]: " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا، ونحن له مسلمون " يوصى بنيه بالاخلاص، وهو دين الاسلام الذى بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب: أنه أوصى بنيه واحدا واحدا، وأخبرهم بما يكون من أمرهم، وبشر يهوذا بخروج نبى عظيم من نسله تطيعه الشعوب، وهو عيسى بن مريم.
والله أعلم.
وذكروا: أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما، وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما.
ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله، فأذن له، وخرج معه أكابر مصر وشيوخها.
فلما وصلوا حبرون دفنوه (3) في المغارة التى
__________
(1) ا: في المغارة.
(2) سقطت من ا.
(3) ا: فدفنوه.
(*)
(1/358)
كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثى، وعملوا له عزاء سبعة أيام.
قالوا: ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزى إخوة يوسف يوسف في أبيهم، وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم، فأقاموا ببلاد مصر.
ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة، فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه.
فحنطوه ووضعوه في تابوت، فكان
بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام، فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا: فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين.
هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن: ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة [ سنة (1) ] وعشرين سنة.
وقال غيره: أوصى إلى أخيه يهوذا، صلوات الله عليه وسلامه (2).
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: عليه السلام.
(*)
(1/359)
قصة أيوب عليه السلام قال ابن إسحق: كان رجلا من الروم.
وهو أيوب بن موص بن رزاح بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل.
وقال غيره: هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحق ابن يعقوب، وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام، وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقى في النار فلم تحرقه.
والمشهور الاول ; لانه من ذرية إبراهيم، كما قررنا عند قوله تعالى: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون " الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى: " إنا أوحينا إليكم كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب "
الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحق.
وامرأته قيل: اسمها " ليا " بنت يعقوب، وقيل رحمة بنت أفراثيم (1)، وقيل [ ليابنت (2) ] منسا (3) بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
__________
(1) ط: أفرايم.
(2) سقطت من ا.
(3) ا: بنت يوسف (*)
(1/360)
ثم نعطف بذكر أنبياء بنى إسرائيل بعذ ذكر قصته إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: " وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر، وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (1) " وقال تعالى في سورة ص " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنس مسنى الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولى الالباب وخذ بيدك ضعتا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ".
وروى ابن عساكر من طريق الكلبى أنه قال: أول نبى بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم إسحق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهرون، ثم إلياس، ثم اليسع، ثم عرفى [ بن سويلخ (1) ] بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب ثم يونس بن متى من بنى يعقوب، ثم أبوب بن زراح بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم.
وفى بعض هذا الترتيب نظر: [ فإن هودا وصالحا: المشهور أنهما بعد نوح وقيل إبراهيم.
والله أعلم (2) ]
* * * قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم: كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه ; من الانعام والعبيد والمواشى، والاراضي المتسعة
__________
(1) الآيتان: 83، 84 من سورة الانبياء (2) ليست في ا.
(*)
(1/361)
بأرض الثنية من أرض حوران.
وحكى ابن عساكر: أنها كلها كانت له.
وكان له أولاد وأهلون كثير.
فسلب منه ذلك جميعه، وابتلى في جسده بأنواع [ من (1) ] البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر الله عز وجل بهما.
وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر لله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها.
فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته.
وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر ; لتطعمه وتقوم بأوده، رضى الله عمنها وأرضاها، وهى صابرة معه على ماحل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد وخدمة الناس، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة.
فإنا لله وإنا إليه راجعون ! وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أشد الناس بلاء الانبياء، ثم الصالحون، ثم الامثل فالامثل " [ وقال (2) ]
" يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا
__________
(1) من ا.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/362)
حتى إن المثل ليضرب بصبره عليه السلام، ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا.
وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بنى إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل ; في كيفية ذهاب ماله وولده، وبلائه في جسده.
والله أعلم بصحته.
وعن مجاهد أنه قال: كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدرى.
وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال: فزعم وهب أن ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس: ابتلى سبع سنين وأشهرا، وألقى على مزبلة لبنى إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وأعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
وقال حميد: مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة، وقال السدى: تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته، فلما طال عليها قالت: يا أيوب ; لو دعوت ربك لفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل (1) قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا الكلام، وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها، لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحدا يستخدمها، عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير،
فأتت به أيوب، فقال من أين لك هذا ؟ وأنكره، فقالت: خدمت به
__________
(1) ا: فهو قليل.
(*)
(1/363)
أناسا.
فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به، فأنكره أيضا، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه: [ رب ] إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ".
وقال [ ابن أبى حاتم (1) ] حدثنا أبى، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان، فجاء يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، قال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يحزع [ مثله (1) ] من شئ قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان.
ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أنى لم يكن لى قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني.
فصدق.
من السماء وهما يسمعان.
ثم قال: اللهم بعزتك وخر ساجدا، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عنى، فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبى حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا يونس بن عبد الاعلى أنبأنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبى الله أيوب لبث به بلاؤه ثمانى عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له ; كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه:
تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين.
قال له صاحبه:
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/364)
وماذاك ؟ قال: منذ ثمانى عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدرى ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتى فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق.
قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: أن " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " فاستبطأته فتلقته تنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ماكان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك ! هل رأيت نبى الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدبر على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا.
قال: فإنى أنا هو قال: وكان له أندران (1) أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الاخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ".
هذا لفظ ابن جرير، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد ابن الحسن بن قتيبة، عن حرملة، عن ابن وهب به.
وهذا غريب رفعه جدا، والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا بن إسمعيل، حدثنا حماد، أنبأنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية، فجاءت امرأته
__________
(1) الاندر: البيدر.
(*)
(1/365)
فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله: أين ذهب هذا المبتلى الذى كان هاهنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك أنا أيوب ! قالت: أتسخر منى يا عبد الله ؟ فقال: ويحك أنا أيوب قدرد الله على جسدي.
قال ابن عباس: ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم، ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه: " قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قربانا، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك ".
رواه ابن أبى حاتم.
وقال ابن أبى حاتم، حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير (1) بن نهيك، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب، فجعل يأخذ [ منه (2) ] بيده ويجعل في ثوبه، قال: فقيل له يا أيوب أما تشبع (3) ؟ قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك ؟ ".
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبى داود الطيالسي، و عبد الصمد عن همام، عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الصمد به.
ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، وهو على شرط الصحيح [ فالله أعلم (4) ].
__________
(1) ا: بشر (2) ليست في ا (3) ا: ما تشبع (4) ليست في ا (*)
(1/366)
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة: أرسل على أيوب رجل (1) من جراد من ذهب، فجعل يقبضها في ثوبه، فقيل يا أيوب: ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغنى عن فضلك !.
هذا موقوف.
وقد روى عن أبى هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثى (2) في ثوبه.
فناداه ربه عزوجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال: بلى يا رب، ولكن لاغنى لى عن بركتك ".
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله: " اركض برجلك " أي اضرب الارض برجلك، فامتثل ما أمر به.
فأنبع الله له عينا باردة الماء، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يحده من الالم والاذى، والسقم والمرض، الذى كان في جسده ظاهرا وباطنا، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالا تاما ومالا كثيرا ; حتى صب له من المال صبا، مطرا عظيما جرادا من ذهب.
وأخلف الله له أهله، كما قال تعالى: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " فقيل أحياهم الله بأعيانهم، وقيل آجره فيمن سلف، وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله: " رحمه من عندنا " أي رفعنا
__________
(1) الرجل: الجماعة العظيمة.
(2) يحثى: يجمع (*)
(1/367)
عنه شدته، وكشفنا ما به من ضر، رحمة منا به ورأفة وإحسانا.
" وذكرى للعابدين " أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبى الله أيوب ; حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته [ فقال (1) ]: هي " رحمة " من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع.
وقال الضحاك عن ابن عباس: رد [ الله (1) ] إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية، ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله: " وخذ بيدك ضعثا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام، فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط.
فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها، وقيل لانه عارضها (2) الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان، فحلف ليضربنها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا وهو كالعثكال الذى يجمع الشماريخ، فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة، ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه، ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة، المكابدة الصديقة البارة الراشدة، رضى الله عنها.
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: اعترضها.
(*)
(1/368)
ولهذا عقب الله الرخصة وعللها بقوله: " إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ".
وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان
والنذور، وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان، وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام، عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ: أن أيوب عليه السلام لما توفى كان عمره ثلاثا وتسعين سنة، وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه: أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء، وبيوسف عليه السلام على الارقاء، وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء.
رواه ابن عساكر بمعناه.
وأنه أوصى إلى ولده " حومل "، وقام بالامر بعده ولده " بشر " ابن أيوب، وهو الذى يزعم كثير من الناس أنه " ذوالكفل " فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين.
ولنذكر هاهنا قصة ذى الكفل ; إذ قال بعضهم.
إنه ابن أيوب عليهما السلام [ وهذه هي (1) ].
__________
(1) ليست في ا.
(24 - قصص الانبياء 1) (*)
(1/369)
قصة ذى الكفل الذى زعم قوم أنه ابن أيوب قال الله تعالى بعد (1) قصة أيوب في سورة الانبياء: " وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من
الصالحين ".
وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار ".
فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبى، على من ربه الصلاة والسلام.
وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا، وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا (2) [ عادلا.
وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم ] (3).
وروى ابن جرير وأبو نجيح عن مجاهد: أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا [ صالحا (4) ].
وكان قد تكفل لبنى قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضى بينهم بالعدل [ ففعل (4) ] فسمى ذاالكفل.
__________
(1) ا: في قصة أيوب.
(2) ا: وحكما عدلا (3) ليست في ا.
(4) سقطت من ط (*)
(1/370)
وروى ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق داود بن أبى هند، عن مجاهد أنه قال: لما كبر اليسع قال: لو أنى استخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل ؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل منى (1) بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب.
قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال أنا.
فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب ؟ قال نعم.
قال: فرده ذلك اليوم، وقال
مثلها [ في ] (2) اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال أنا، فاستخلفه.
قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك.
فقال دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لاينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم.
قال: فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه، فقال إن بينى وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا بى وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة.
فقال: إذا رحت فإننى آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه.
فلما كان الغد جعل يقضى بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال: من هذا ؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم.
ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني ؟
__________
(1) ا: من يتقبل لى.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/371)
قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني.
قال: فانطلق فإذا رحت فأتني.
قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره فلا يراه، وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله، لاتدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإنى قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل: وراءك وراءك.
فقال: قد أتيته أمس وذكرت له أمرى.
فقال: لا والله، لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه.
فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور
منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل.
قال: فاستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك ؟ قال: أما من قبلى والله فلم تؤت، فانظر من أين اتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت فعرفه.
فقال: أعدو الله ؟ قال نعم، أعييتني في كل شئ ففعلت كل ما ترى لاغضبك.
فسماه الله ذا الكفل، لانه تكفل بأمر فوفى به ! و [ قد ] (1) روى ابن أبى حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر، وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى، حدثنا أبوالجماهر، أنبأنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الاخنس، قال: سمعت الاشعري
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(1/372)
- يعنى أبا موسى رضى الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ماكان ذوالكفل نبيا (1) ولكن كان رجل صالح يصلى كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذوالكفل من بعده [ فكان (2) ] يصلى كل يوم مائة صلاة، فسمى ذاالكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو موسى الاشعري فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر
قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - لم أحدث به، ولكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بنى إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأه فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال [ لها (2) ] ما يبكيك ؟ أأكرهتك ؟ قالت لا: ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني عليه الحاجة.
قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ! ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: قد غفر الله للكفل ! ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن، وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر.
__________
(1) ا: بنبى.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/373)
فهو حديث غريب جدا وفى إسناده نظر، فإن سعدا هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلا بحديث واحد.
ووثقه ابن حبان، ولم يرو عنه سوى عبد الله (1) بن عبد الله الرازي هذا.
فالله أعلم.
وإن كان محفوظا فليس هو ذا الكفل [ وإنما لفظ الحديث الكفل (2) ] من غير إضافة فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن.
فالله تعالى أعلم.
__________
(1) ا: ولم يرو عنه إلا عبد الله.
(2) ليست في ا.
(*)
(1/374)
باب ذكر اسم أهلكوا بعامة
وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى.." الآية (1).
كما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض، بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض، غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى ".
ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه.
فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام.
فمنهم: أصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان: " وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا ".
وقال تعالى في سورة ق: " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد ".
__________
(1) الآية: 42 من سورة القصص.
(*)
(1/375)
وهذا السياق والذى قبله، يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا، وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج، لان أولئك عند ابن إسحق وجماعة كانوا بعد المسيح
عليه السلام.
وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس: أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر في أول تاريخه، عند ذكر بناء دمشق، عن تاريخ أبى القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره، أن أصحاب الرس كانوا بحضور، فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه.
فسار عاد بن عوص بن إرم ابن سام بن نوح وولده من الرس، فنزل الاحقاف.
وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها، وفشوا مع ذلك في الارض كلها.
حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون، وهى إرم ذات العماد.
وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد، إلى عاد، يعنى أولاد عاد بالاحقاف فكذبوه، فأهلكهم الله عزوجل.
فهذا يقتضى أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم.
__________
(1) الآيتان: 38 - 39: (*)
(1/376)
وروى ابن أبى حاتم عن أبى بكر بن أبى عاصم، عن أبيه عن شبيب ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الرس بئر بأذربيجان.
وقال الثوري عن أبى بكر عن عكرمة قال: الرس بئر رسوا فيها نبيهم، أي دفنوه فيها.
قال ابن جريج قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس.
وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة.
قلت: فإن كانوا أصحاب يس كما زعمه عكرمة، فقد أهلكوا بعامة، قال الله تعالى في قصتهم: " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " وستأتى قصتهم بعد هؤلاء.
وإن كانوا غيرهم، وهو الظاهر، فقد أهلكوا أيضا وتبروا.
وعلى كل تقدير فينافى ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاس: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفى أرضهم جميعها، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال: إنى لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم.
ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدا، فصدق به أكثرهم، وافتتنوا به وعبدوه.
فبعث الله فيهم نبيا، فأخبرهم (1) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.
__________
(1) ا: وأخبرهم.
(*)
(1/377)
قال السهيلي: وكان يوحى إليه في النوم، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم.
وتبدلوا بعد الانس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم، وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1)، فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الاسود (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعنى ابن جرير - عن محمد [ بن حميد عن سلمة عن (3) ] ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود "، وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قربة فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الاسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشترى به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك (4) البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلى إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت.
قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون.
ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام (5)، فضرب الله على أذنه سبع سنين
__________
(1) ا: والوحش.
(2) ط: الاسد.
(3) سقطت من ا.
(4) ا: ذلك.
(5) ا: ينام (*)
(1/378)
نائما.
ثم إنه هب فتمطى فتحول (1) لشقه الآخر، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى.
ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام (2) إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع.
ثم [ إنه (3) ] ذهب إلى الحفيرة (4)، إلى موضعها الذى كانت فيه، فالتمسه فلم يجده.
وقد كان بدا لقومه فيها بداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه.
قال: فكان (5) نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل، فيقولون له ما ندرى ؟ حتى قبض الله النبي عليه السلام وهب (6) الاسود من نومته (7) بعد ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه [ حديث (8) ] مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظى، والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه، وقال: لا يجوز ان يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن، قال: لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدالهم فآمنوا بنبيهم.
اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم.
والله أعلم.
ثم اختار أنهم اصحاب الاخدود وهو ضعيف، لما تقدم، ولما ذكر في قصة اصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا، ولم يذكر هلاكهم، وقد صرح بهلاك أصحاب الرس.
والله تعالى أعلم.
__________
(1) ا: وتحول.
(2) ا: إلا أنه نام ساعة.
(3) ليست في ا.
(4) ا: الحفرة (5) ا وكان (6) ا: وأهب (7) ا: نومه.
(8) ليست في ا (*)
(1/379)
قصة قوم يس وهم (1): أصحاب القرية أصحاب يس قال الله تعالى: " واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شئ، إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا بكم،
لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل انتم قوم مسرفون * وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة ؟ إن يردن الرحمن بضر لا تغنى عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إنى إذا لفى ضلال مبين * إنى آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال: يا ليت قوم يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " (2).
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية " أنطاكية "
__________
(1) ط: ومنهم.
تحريف (2) الآيات: 13 - 29 من سورة يس (*)
(1/380)
رواه ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب [ الاحبار (1) ] ووهب [ ابن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهرى وغيرهم.
قال ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب (1) ] أنهم قالوا: وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم: صادق ومصدوق (2)، وشلوم، فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير، عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائى: كان اسم المرسلين (3) الاولين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا ; لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت.
ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التى تكون فيها بتاركة النصارى.
وهن: أنطاكية، والقدس، واسكندرية، ورومية.
ثم بعدها القسطنطنية ولم يهلكوا.
وأهل هذه القرية المذكورة (4) في القرآن أهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ": إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن، بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا.
والله أعلم.
__________
(1) ليست في ا (2) ا: وصدوق.
(3) ا: الرسولين (4) ا: المذكورون.
(*)
(1/381)
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ; ولان ظاهر سياق القرآن يقتضى أن هؤلاء الرسل من عند الله.
* * * قال الله تعالى: " واضرب لهم مثلا " يعنى لقومك يا محمد " أصحاب القرية " يعنى المدينة " إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " أي أيدناهما بثالث (1) في الرسالة، " فقالوا إنا إليكم مرسلون "، فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم ; كما قالت الامم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا.
فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام.
" وما علينا إلا البلاغ المبين " أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذى يهدى من يشاء ويضل من يشاء " قالوا إنا تطيرنا بكم " أي تشاءمنا بما جئتمونا به، " لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " [ قيل (2) ] بالمقال، وقيل بالفعال.
يؤيد الاول قوله: " وليمسنكم منا عذاب أليم " توعدوهم (3) بالقتل والاهانة.
" قالوا طائركم معكم " أي مردود عليكم " أإن ذكرتم ؟ " أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والاهانة ؟ " بل أنتم قوم مسرفون " أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " يعنى لنصرة
__________
(1) ا: بثالثهما.
(2) من ا.
(3) المطبوعة: فوعدوهم (*)
(1/382)
الرسل وإظهار الايمان بهم " قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون " أي يدعونكم (1) إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
" إنى إذا لفى ضلال مبين " أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه.
ثم قال مخاطبا للرسل: " إن آمنت بربكم فاسمعون " قيل " فاستمعوا مقالتي واشهدوا لى بها عند ربكم، وقيل معناه: فاسمعوا يا قومي إيمانى برسل الله جهرة.
فعند ذلك قتلوه، قيل رجما، وقيل عضا، وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه.
وحكى ابن إسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم، حتى أخرجوا قصبته.
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول، عن أبى مجلز: كان اسم هذا الرجل " حبيب بن مرى " ثم قيل: كان نجارا، وقيل حباكا (2)، وقيل إسكافا، وقيل قصارا، وقيل كان يتعبد في غار هناك.
فالله أعلم.
وعن ابن عباس: كان حبيب البحار قد اسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة فقتله قومه، ولهذا قال تعالى.
" قيل ادخل الجنة " يعنى لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور " قال
__________
(1) المطبوعة: أي يدعونكم.
(2) ا: حبالا.
(*)
(1/383)
يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين " يعنى ليؤمنوا بما آمنت بما فيحصل لهم ما حصل لى.
قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: " يا قوم اتبعوا المرسلين " وبعد مماته [ في قوله (1) ] " يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين " [ رواه ابن أبى حاتم.
وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحا.
لا يلقى غاشا ; لما عاين ما عاين من كرامة الله.
" قال: يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين (1) ] تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه ! قال قادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ".
وقوله تعالى: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " أي وما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من
السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن إسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود.
قال مجاهد وقتادة: وما أنزل عليهم جندا، أي رسالة [ أخرى (3) ].
قال ابن جرير: والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال: " وما كنا منزلين " أي وما كنا نحتاج (4)
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: أشياخه.
(3) ليست في ا.
(4) ا: محتاجين.
(*)
(1/384)
في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ".
قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام، فأخذ بعضادتى الباب الذى لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذاهم خامدون، أي قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية ; لان هؤلاء [ أهلكوا (1) ] بتكذيبهم (2) رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم.
فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح.
فأما الحديث الذى رواه الطبراني من حديث حسين الاشقر (3)، عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع ابن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد على بن أبى طالب "، فإنه حديث لا يثبت ; لان حسينا هذا متروك شيعي من
الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية.
والله أعلم.
__________
(1) ليست في ا (2) ا بتكذيب.
(3) ا: الاصفر.
" م 25 - قصص الانبياء " (*)
(1/385)
قصة يونس عليه السلام قال الله تعالى في سورة يونس: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (1) ".
وقال تعالى في سورة الانبياء: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين (2) " وقال تعالى في سورة والصافات: " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمة الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين (3) " وقال تعالى في سورة ن: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذمون * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (4) ".
قال أهل التفسير: بعث الله ينس عليه السلام إلى أهل " نينوى "
__________
(1) الآية: 98 (2) الآيتان: 87، 88
(3) الآيات: 129 - 148 (4) الآيات: 48 - 50 (*)
(1/386)
من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله عزوجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله عزوجل، وصرخوا وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات.
وجأرت الانعام والدواب والمواشى، فرغت الابل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغث الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة.
فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته، عنهم العذاب الذى كان قد اتصل بهم سببه، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم.
ولهذا قال تعالى: " فلولا كانت قرية آمنت فنقعها إيمانها " أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى: " وما أرسلنا في قرية من نبى إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ".
وقوله: " إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين " أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون: هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة،
فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي ؟ على قولين:
(1/387)
الاظهر من السياق: نعم.
والله أعلم، كما قال تعالى: " لما آمنوا " وقال تعالى: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين "، وهذا المتاع إلى حين لا ينفى أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي، والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة.
واختلفوا في الزيادة: فعن مكحول عشرة آلاف.
وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثنى أبى بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " قال: " يزيدون عشرين ألفا " فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب.
وعن ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا، وعنه: وبضعة وثلاثين ألفا، وعنه وبضعة وأربعين ألفا.
وقال سعيد بن جبير: كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا: هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده ؟ أوهما أمتان ؟ على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير.
* * * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون.
(1/388)
قالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة القوة من السفينة ليتخففوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبى الله يونس فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا، فشمر (1) ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه، فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا، لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: " وإن يونس لمن المرسليمن * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم ".
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر، وبعث الله عزوجل حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق، فأخذه فطاف [ به (2) ] البحار كلها.
وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه.
قالوا: ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات، فحرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حى فخر لله ساجدا وقال: يا رب اتخذت لك السجدا [ في موضع (2) ] لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبئه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبى: التقمه ضحى ولفظه عشية، وقال قتادة: مكث فيه ثلاثا، وقال جعفر الصادق سبعة أيام.
ويشهد له شعر أمية بن أبى الصلت:
__________
(1) ا: فتشمر (2) ليست في ا (*)
(1/389)
وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن [ أبى (1) ] الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين
يوما.
والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه.
* * * والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية، ويقتحم به لجج الموج الاجاجى (2)، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن، وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى، ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى.
فعند ذلك وهنالك، قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال، الذى يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: " وذا النون إذ ذهب " [ أي إلى أهله (1) ] " مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " " فظن أن لن نقدر عليه " أي نضيق عليه.
وقيل معناه: نقدر من التقدير وهى لغة مشهورة، قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذى مضى * تباركت ; ما تقدر يكن، فلك الامر " فنادى في الظلمات " قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون
__________
(1) ليست في ا (2) الاجاجى: الملح.
(*)
(1/390)
وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ; ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل.
وقال سالم بن أبى الجعد: ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة
الحوتين مع ظلمة البحر.
وقوله تعالى: " فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " قيل معناه فلولا أنه سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إلى والرجوع إليه، للبث هنالك إلى يوم القيامة، ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ماروى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه: " فلولا أنه كان " من قبل أخذ الحوت له " من المسبحين " أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا.
قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدى وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير.
ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا غلام إنى معلمك كلمات: احفظ الله يحفضك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ".
وروى ابن جرير في تفسيره، والبزار في مسنده من حديث محمد بن
(1/391)
إسحق، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قال (1) ] سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أراد الله حبس يونس في بطن [ الحوت (1) ] أوحى الله إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما.
فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا، فقال في نفسه ماهذا ؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا
تسبيح دواب البحر.
قال فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ! قال: ذلك عبدى يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر.
قالوا: العبد الصالح ; الذى كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال: نعم.
قال فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله: " وهو سقيم ".
هذا لفظ ابن جرير إسنادا ومتنا.
ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد.
كذا قال.
وقد قال ابن أبى حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن [ ابن (2) ] أخى وهب، حدثنا عمى، حدثنى أبو صخر، أن يزيد الرفاشى قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.
فأقبلت [ هذه ] (2) الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة.
فقال:
__________
(1) ليست في ا (2) سقطت من ا (*)
(1/392)
أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: لا يا رب ومن هو ؟ قال: عبدى يونس.
قالوا: عبدك يونس الذى لم يزل يرفع له عمل متقبل (1) ودعوة مجابة ؟ قالوا: يا ربنا ! أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى.
فأمر الحوت فطرحه في العراء ".
ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به.
زاد ابن أبى حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط
وأنا أحدثه هذا الحديث، أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة.
قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال شجرة الدباء [ قال أبو هريرة (2) ] وهيأ الله له أروية (3) وحشية تأكل من خشاش الارض، أو قال هشاش الارض، قال: فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت.
وقال [ أمية (2) ] بن أبى الصلت في ذلك بيتا من شعره ؟ فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا (4) وهذا غريب أيضا من هذا الوجه.
ويزيد الرقاشى ضعيف، ولكن يتقوى بحديث أبى هريرة المتقدم ; كما يتقوى ذاك بهذا، والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: " فنبذناه " أي ألقيناه " بالعراء " وهو المكان القفر الذى ليس فيه شئ من الاشجار، بل هو عار منها، " وهو سقيم "
__________
(1) ا: لم نزل ترفع له عملا متقبلا (2) سقطت من ا (3) الاروية: أنثى الوعل.
والجمع أروى وانظر الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(4) ا: ألفى ضاحيا (*)
(1/393)
أي ضعيف البدن.
قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال ابن عباس والسدى وابن زيد: كهيئة الصبى [ حين يولد (1) ] وهو المنفوس ليس عليه شئ.
" وأنبتنا على شجرة من يقطين " قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف و عبد الله بن طاووس والسى وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء: في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في
غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا، وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك.
وتقدم كلام أبى هريرة في تسخير الله تعالى لخه تلك الاروية التى كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية، وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه.
ولهذا قال تعالى: " فاستجبنا له فنجيناه من الغم " أي الكرب والضيق الذى كان فيه " وكذلك ننجي المؤمنين " أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا.
قال ابن جرير: حدثنى عمران (2) بن بكار الكلاعى، حدثنا يحيى ابن صالح، حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن، حدثنى بشر بن منصور، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد (3) بن مالك - وهو ابن أبى وقاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذى
__________
(1) سقطت من ا (2) ا عمر.
(3) ا: سعيد.
(*)
(1/394)
إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " فهو شرط من الله لمن دعاه به.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب - يعنى ابن سعد - عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من دعا بدعاء يونس استجيب له ".
قال أبو سعيد الاشج: يريد به: " وكذلك ننجي المؤمنين ".
وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما: وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس بن ابى إسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثنى والدى محمد، عن أبيه سعد - وهو ابن أبى وقاص رضى الله عنه - قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه منى ثم لم يرد على السلام، [ فأتيت عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين: هل حدث في الاسلام شئ ؟ قال: لا.
وماذاك ؟ قلت لا، إلا أنى مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه منى ثم لم يرد على السلام (1) ] قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لاتكزون رددت على
__________
(1) سقطت من.
(*)
(1/395)
أخيك السلام ؟ قال: ما فعلت.
قال سعد: قلت بلى، حتى حلف وحلفت.
قال: ثم إن عثمان ذكر فقال بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بى آنفا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصرى وقلبي غشاوة.
قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقنى إلى منزله ضربت بقدمى الارض، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من هذا ؟ أبو إسحق ؟ " قال: قلت نعم يا رسول الله قال: " خه (1) ؟ قلت لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا
الاعرابي فشغلك.
قال: " نعم دعوة ذى النون إذ هو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين "، فإنه لم يدع بها [ مسلم ربه (2) ] في شئ قط إلا استجاب له ".
ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
ذكر فضل يونس عليه السلام قال الله تعالى: " وإن يونس لمن المرسلين " وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرامو في سورتي النساء والانعام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ".
ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري [ به (2) ].
__________
(1) المطبوعة: فمه.
محرفة.
(2) ليست في ا (*)
(1/396)
وقال البخاري أيضا: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغى لعبد أن يقول إنى خير من يونس بن متى.
ونسبه إلى أبيه ".
ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به.
قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبى العالية سوى أربعة أحاديث، هذا أحدها.
وقد رواه الامام [ أحمد (1) ] عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد عن يونس (2) بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ".
تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عمن أبى يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى ".
إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ".
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به.
__________
(1) ليست في ا (2) ط: يوسف.
(*)
(1/397)
وفى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن ابن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة في قصة المسلم الذى لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذى اصطفى موسى على العالمين.
قال البخاري في آخره: ولا أقول: إن أحدا أفضل (1) من يونس بن متى [ وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى (2) ] أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس.
والقول الآخر: لا ينبغى لاحد أن يفضلني على يونس بن متى، كما قد ورد في بعض الاحاديث: " لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى " وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين.
وإلى هنا ينتهى الجزء الاول من " قصص الانبياء لابن كثير " ويتلوه
يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى ".
إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ".
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به.
__________
(1) ليست في ا (2) ط: يوسف.
(*)
(1/398)
وفى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن ابن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة في قصة المسلم الذى لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذى اصطفى موسى على العالمين.
قال البخاري في آخره: ولا أقول: إن أحدا أفضل (1) من يونس بن متى [ وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى: لا ينبغى لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى (2) ] أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس.
والقول الآخر: لا ينبغى لاحد أن يفضلني على يونس بن متى، كما قد ورد في بعض الاحاديث: " لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى " وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين.
وإلى هنا ينتهى الجزء الاول من " قصص الانبياء لابن كثير " ويتلوه الجزء الثاني وأوله: " قصة موسى الكليم " بعون الله وتوفيقه.
__________
(1) ا: خير (2) ليست في ا (3) سقطت من المطبوعة ! (*)
(1/398)
قصص الانبياء - ابن كثير ج 2
قصص الانبياء
ابن كثير ج 2
(2/)
قصص الانبياء للامام أبى الفداء إسماعيل بن كثير 701، 774 ه - تحقيق مصطفى عبد الواحد الجزء الثاني يطلب من دار الكتب الحديثة 14 شارع الجمهورية بعابدين ت: 916107
(2/1)
الطبعة الاولى 1388 ه - 1968 م مطبعة دار التأليف 8 شارع يعقوب المالية بمصرإت 21825
(2/2)
بسم الله الرحمن الرحيم ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، قال تعالى: " واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا (1) ".
وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن.
وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة.
وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير.
وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الاسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى: " بسم الله الرحمن الرحيم طسم.
تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون * إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الارض، ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " (2).
__________
(1) سورة مريم (2) سورة القصص (*)
(2/3)
يذكر تعالى ملخص القصة، ثم يبسطها بعد هذا، فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له.
" إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا "، أي تجبر وعتا وطغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الاعلى.
وجعل أهلها شيعا، أي قسم رعيته إلى أقسام، وفرق وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض.
وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها [ وأدناها (1) ] ومع هذا " يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ".
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه.
وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها.
وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغنى حذر من قدر ! وذكر السدى عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن
__________
(1) ليست في أ (*)
(2/4)
مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه، كأن نارا [ قد (1) ] أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل.
فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة.
وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان.
ولهذا قال الله تعالى: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض " وهم بنو إسرائيل، " ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " أي الذين يئول
ملك مصر وبلادها إليهم.
" ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قاهر والذليل عزيزا.
وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا.
" الآية.
وقال تعالى: " فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل " (2) وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
* * * والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى، حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرا إلا ذبحه اولئك الذباحون من ساعته.
__________
(1) ليست في ا.
(2) الآيات: 57 - 59 من سورة الشعراء (*)
(2/5)
وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان، لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر، بل هو باطل.
وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى، كما قال تعالى: " فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم " ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: " أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ".
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل (1) الغلمان أولا، حذرا من وجود موسى.
هذا، والقدر يقول: يا أيهذا (2) الملك الجبار، المغرور بكثرة جنوده
وسلطة بأسه واتساع سلطانه: قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا تخالف أقداره: إن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك (3) وشرابك [ في منزلك (4) ] وأنت الذي تتبناه وتربية وتتفداه، ولا تطلع على سر معناه، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما اوحى إليه، لتعلم أنت وسائر الخلق، أن رب السموات والارض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد، ذو البأس العظيم، والحول والقوة، والمشيئة التي لا مرد لها !
__________
(1) ا: كان يقتل الغلمان أولا.
(2) ا: يا أيها الملك (3) ا: إلا من طعامك.
(4) ليست في ا.
(*)
(2/6)
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعا واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليهم مخايل الحبل.
فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتا، فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت (1) من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته (2) في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال الله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافى ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ".
هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها " الآية (3).
__________
(1) ا: فإذا أحست.
(2) ا: وأرسلته.
(3) الآيتان: 68، 58 من سورة النحل.
(*)
(2/7)
وليس هو بوحي (1) نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول، كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي: واسم أم موسى " أيارخا "، وقيل " أياذخت ".
والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافى ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلى كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون " فالتقطه آل فرعون " قال الله تعالى: " ليكون لهم عدوا وحزنا ".
قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه.
وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام
معللة كغيرها، والله أعلم.
ويقوى هذا التقدير الثاني قوله: " إن فرعون وهامان " [ وهو الوزير السوء ] (3) " وجنودهما " [ التابعين لهما (3) ] " كانوا خاطئين "، أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون: أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون " آسية " بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف.
وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى.
وقيل [ بل (3) ] كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم.
__________
(1) ا: وحي نبوة.
(2) ا: وأرسلته.
(3) سقطت من ا.
(*)
(2/8)
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا [ جدا (1) ].
فلما جاء فرعون قال: ما هذا ؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت: " قرة عين لي ولك ".
فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأمالي فلا.
أي لا حاجة لي به.
والبلاء موكل بالمنطق ! وقولها: " عسى أن ينفعنا " قد أنالها الله ما رجت من النفع: أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فاسكنها جنته بسببه.
" أو نتخذه ولدا " وذلك أنهما تبنياه، لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى: " وهم لا يشعرون " أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم، أن
قيضهم (2) لالتقاطه، من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده ؟ [ وعند أهل الكتاب أن التي التقطت موسى " دربتة " ابنة فرعون وليس لامرأته ذكر بالكلية وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل (3).
وقال الله تعالى: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل، فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون ؟ * فرددناه إلى
__________
(1) سقطت من ا.
(2) ا: أن قيض.
(3) سقط من المطبوعة.
(*)
(2/9)
أمه كى تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ".
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى " إن كادت لتبدى به " أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة " لولا أن ربطنا على قلبها " أي صبرناها وثبتناها " لتكون من المؤمنين * وقالت لاخته " وهي ابنتها الكبيرة: " قصيه " أي اتبعي أثره، واطلبي [ لي (1) ] خبره " فبصرت به عن جنب " قال مجاهد: عن بعد.
وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده.
ولهذا قال: " وهم لا يشعرون "، وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل، كما قال تعالى: " وحرمنا عليه المراضع
من قبل " فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعلهم (2) يجدون من يوافق رضاعته.
فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: " هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ؟ ".
قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه ؟ فقالت: رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته.
فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه.
فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذهب البشير
__________
(1) من ا.
(2) ا: لعل يجدون.
محرفة.
(*)
(2/10)
إلى " آسية " يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معى.
فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات والكساوى والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق " أي كما وعدناها (1) برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته.
" ولكن أكثرهم لا يعلمون ".
وقد امتن على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال: " ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم، فليلقه اليم بالساحل، يأخذه عدو لي وعدو له، وألقيت عليك محبة مني " [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه (2) ] " ولتصنع على عينى " قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه
وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس بمرأى منى، وذلك كله بحفظي وكلاءتى لك فيما صنعت بك ولك، وقدرته من الامور التى لا يقدر عليها غيرى.
" إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ؟ فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن، وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ".
وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى [ وبه الثقة وعليه التكلان (3) ].
__________
(1) ا: وعدنا.
(2) من ا.
(3) ليست في ا.
(*)
(2/11)
" ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماو علما، وكذلك نجزى المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان: هذا من شيعته وهذا من عدوه، فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه، فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لى، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين " لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق، وهو سن الاربعين في قول الاكثرين، آتاه الله حكما وعلما، وهو النبوة والرسالة التى [ كان (1) ] بشر بها أمه حين قال: " إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ".
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الاجل وانقضى الامد، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه بما أكرمه به.
كما سيأتي.
قال تعالى: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدى: ولذلك نصف النهار، وعن ابن عباس: بين العشائين.
" فوجد فيها رجلين يقتتلان " أي يتضاربان ويتهارشان " هذا من
__________
(1) من ا.
(*)
(2/12)
شيعته " أي إسرائيلى، " وهذا من عدوه " أي قبطى.
قاله ابن عباس وقتادة والسدى ومحمد بن إسحاق.
" فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه " وذلك أن موسى عليه السلام، كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي من الرضاعة، فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى " فوكزه ".
قال مجاهد: أي طعنه بجمع كفه، وقال قتادة: بعصا كانت معه، " فقضى عليه " أي فمات منها.
وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه.
ومع هذا، " قال " موسى: " هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي " [ أي من العز والجاه (1) ] " فلن أكون ظهيرا للمجرمين ".
" فأصبح في المدينة خائفا يترقب، فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه، قال له موسى: إنك لغوي مبين * فلما أن أراد أن يبطش
بالذي هو عدو لهما، قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ؟ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض، وما تريد أن تكون من المصلحين * وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال يا موسى إن الملا
__________
(1) ليست في ا.
(*)
(2/13)
يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب، قال رب نجني من القوم الظالمين " يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملئه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم.
فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم " خائفا يترقب " أي يتلفت، فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه، أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: " إنك لغوي مبين " ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس، إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين ".
قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالامس، وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه، لما عنفه قبل ذلك بقوله: " إنك لغوي مبين "
فقال ما قال لموسى، وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس.
فذهب القبطي فاستعدى (1) فرعون على موسى.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس
__________
(1) ط: فاستدعى.
(*)
(2/14)
سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارا جديدا (1) للاسرائيلي.
فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس، أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا.
والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه.
وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب.
" وجاء من أقصى المدينة " ساعيا إليه مشفقا عليه فقال: " يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج " أي من هذه البلدة " إني لك من الناصحين " أي فيما أقوله لك.
* * * قال الله تعالى: " فخرج منها خائفا يترقب "، أي فخرج من مدينة مصر من فوره [ على وجهه ] (2) لا يهتدى إلى طريق ولا يعرفه، قائلا: " رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون * ووجد من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما ؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل، فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ".
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب،
أي يتلفت، خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها.
__________
(1) ا: جيدا.
(2) ليست في ا.
(*)
(2/15)
" ولما توجه تلقاء مدين " أي اتجه له طريق يذهب فيه، " قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود.
وكذا وقع، فقد أوصلته إلى مقصود وأي مقصود.
" ولما ورد ماء مدين " وكانت بئرا يستقون منها، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة، وهم قوم شعيب عليه السلام، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولى العلماء.
ولما ورد الماء المذكور " وجد عليه أمة من الناس يسقون * ووجد من دونهم امرأتين تذودان " أي تكفكفان [ عنهما (1) ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس.
وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات، وهذا أيضا من الغلط، ولعلهن كن سبعا (2)، ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين " قال ما خطبكما ؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير " أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء، لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره.
قال الله تعالى: " فسقى لهما ".
قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما (3) في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم، جاء موسى فرفع تلك الصخرة
__________
(1) من ا.
(2) ا: وكأنه كان.
(3) ا: غنمهم.
(*)
(2/16)
وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر كما كان.
قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل، قالوا: وكان ظل شجرة من السمر وروى ابن جرير عن ابن مسعود، أنه رآها خضراء ترف " فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ".
قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا (1) فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل (2) - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه للاصق (3) بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.
قال عطاء ابن السائب لما قال: " [ رب ] إني لما أنزلت إلي من خير فقير " أسمع المرأة.
" فجاءته إحداهما تمشى على استحياء، قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فلما جاءه وقص عليه القصص، قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحداهما يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الامين * قال إني اريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك، أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي، والله على ما نقول وكيل ".
__________
(1) ا: وكان خائفا.
(2) ا: إلى الظل.
(3) ا: لاصق.
(*) " 2 - قصص الانبياء 2 "
(2/17)
لما جلس موسى عليه السلام في الظل وقال: " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه بما كان (1) من أمر موسى عليه السلام.
فأمر إحداهما، أن تذهب إليه فتدعوه، " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء " أي مشى الحرائر، " قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ".
صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.
فلما جاءه وقص عليه القصص " وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها، " قال " له [ ذلك الشيخ ] (2) " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو ؟ فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس، وجاء مصرحا به في حديث، ولكن في إسناده نظر.
وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره من الحسن البصري: أن صاحب موسى عليه السلام هذا، اسمه شعيب، وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.
وقيل: إنه ابن أخي شعيب، وقيل: ابن عمه، وقيل: رجل
__________
(1) ا: ما كان.
(2) ليست في ا.
(*)
(2/18)
مؤمن من قوم شعيب، وقيل: رجل اسمه " يثرون " هكذا هو في كتب أهل الكتاب: يثرون كاهن مدين.
أي كبيرها وعالمها.
وقال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله: اسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة: وهو ابن أخي شعيب.
وزاد ابن عباس: صاحب مدين.
والمقصود: أنه لما اضافه وأكرم مثواه، وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها: " يا أبت استأجره " أي لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين.
قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد: لما قالت ذلك، قال لها أبوها: وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين "، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.
" قال إني اريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين ".
استدل بهذه جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا
(2/19)
باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك، أنه يصح، لقوله: " إحدى
ابنتي هاتين ".
وفي هذا نظر، لان هذه مراوضة لا معاقدة.
والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الاستئجار (1) بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة.
واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه (2) ] في كتابه: " باب استئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد ابن المصفى الحمصى، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد ابن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عتبة (3) ابن الندر يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طسم، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه ".
وهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح، لان مسلمة بن علي الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده (4).
ولكن قد روى من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكر، حدثني ابن لهيعة.
ح.
وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمى قال: سمعت عتبة ابن الندر السلمى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه بعفة (5) فرجه وطعمة بطنه ".
__________
(1) ا: الايجار.
(2) من ا.
(3) ا: عقبة.
محرفة.
(4) قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال 4 / 109: شامى واه..تركوه.
قال رحيم: ليس بشئ وقال أبو حاتم: لا يشتغل به وقال البخاري: منكر الحديث.
(5): العفة.
(*)
(2/20)
ثم قال تعالى: " ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي " " والله على ما نقول وكيل "، يقول: إن موسى قال لصهره: الامر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله.
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير [ به ] (1) وقد رواه ابن جرير، عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم عن أبيه، كلاهما عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم ابن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى ؟ قال: أتمهما وأكملهما ".
وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين،
__________
(1) من أ.
(*)
(2/21)
عن الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا: أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرائيل، فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: " أبرهما وأوفاهما ".
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرج مرسلا.
ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الاجلين قضى موسى ؟ قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد ابن أبي عمران الجوني، وهو ضعيف، عن أبيه عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى ؟ قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح، عن عتبة بن الندر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " فلما وفى الاجل قيل: يا رسول الله أي الاجلين ؟ قال: " أبرهما وأوفاهما ".
فلما أراد فراق شعيب - سأل (1) امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها
__________
(1) ا: أمر.
(*)
(2/22)
من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه، من قالب لون (1) من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسانا، فانطلق موسى عليه السلام [ إلى عصا قسمها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى عليه السلام ] (2) بإزاء الحوض، فلم يصدر منها
شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة، قال: " فأتأمت وألبنت (3) " ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين، ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش (4) تفوت الكف.
قال النبي صلى الله عليه وسلم " لو افتتحتم (5) الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة: " الفشوش: واسعة الشخب، والضبوب (6): طويلة الضرع تجره.
والعزوز: ضيقة الشخب، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره.
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر.
وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: " لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها، فعمد موسى فوضع حبالا (7) على الماء فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن [ كلهن ] (8) ذلك العام " وهذا إسناد [ جيد (9) ] رجاله ثقات، والله أعلم.
__________
(1) ا: فأعطاها ولد من ولدت من قالبه لون.
وقالب لون: على غير لون أمها.
(2) سقطت من ا.
(3) ا: فأغنت وأنثت (4) ا: كمشة.
(5) ط: اقتحمتم (6) الشخب: ما يخرج من الضرع من اللبن.
(7) ط: خيالا.
(8) ليست في ا.
(9) من ا.
(*)
(2/23)
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله " لا بان " أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا، ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام.
فالله أعلم.
* * * [ قال الله (2): ] " فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا، قال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب، يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب، فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين " تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: " فلما قضى موسى الاجل " وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله: " وسار بأهله " أي من عند صهره، زاعما (1) - فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم - أنه اشتاق إلى أهله، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه.
قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا
__________
(1) من ا.
(2) ا: ذاهبا.
(2/24)
إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يورى زناده فلا يورى شيئا، واشتد الظلام والبرد.
فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه - " فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا " وكأنه
والله أعلم رآها دونهم، لان هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد، " لعلي آتيكم منها بخبر " أي [ لعلي (1) ] أستعلم من عندها عن الطريق " أو جذوة من النار لعلكم تصطلون " فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الاخرى: " وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا، لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (2) " فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق.
وجمع الكل في سورة النمل في قوله: " إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون " وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نورا وأي نور ؟ !.
* * * قال الله تعالى: " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ".
وقال في النمل: " فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين " أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد " يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ".
__________
(1) ليست في ا.
(2) ا: ذاهبا.
(*)
(2/25)
وقال في سورة طه: " فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من
لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ".
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها، وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (1)، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة [ تلك (2) ] الشجرة في ازدياد.
فوقف متعجبا، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه، كما قال تعالى: " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر، وما كنت من الشاهدين " وكان موسى في واد اسمه " طوى " فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفا على بصره.
ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له: " إني أنا الله رب العالمين " " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
__________
(1) العوسج: الشوك.
(2) ليست في ا.
(*)
(2/26)
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة، التي لابد من كونها ووجودها " لتجزى كل نفس بما تسعى " أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه.
ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ، الذي يقول للشئ كن فيكون: " وما تلك بيمينك
يا موسى ؟ " أي أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها ؟ " قال هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ".
أي بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها، " قال ألقها يا موسى.
فألقاها فإذا هي حية تسعى " وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي (1) ] يقول للشئ كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهانا [ صادقا (1) ] على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر، فقال له الرب عزوجل: ما هذه التي في يدك ؟ قال عصاي (2)، قال ألقها إلى الارض " فألقاها فإذا هي حية تسعى " فهرب موسى من قدامها، فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى: " وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب " أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة [ هائلة (3) ] وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان،
__________
(1) من ا.
(2) ا: قال: عصا.
(3) ليست في ا.
(*)
(2/27)
وهو ضرب من الحيات يقال [ له ] الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة.
فلما عاينها موسى عليه السلام " ولى مدبرا " أي هاربا منها، لان طبيعته البشرية (1) تقتضي ذلك " ولم يعقب " أي ولم يلتفت، فناداه ربه قائلا له: " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ".
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها " قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى " فيقال إنه هابها شديدا، فوضع يده في كم مدرعته،
ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب: أمسك بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين ! ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء، أي من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب " قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به، إلا أن بركة الايمان به حق بأن (2) ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء.
وقال في سورة النمل: " وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، في تسع آيات إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قوما فاسقين "
__________
(1) ا: لان طبيعة البشر تقتضي ذلك.
(2) ا: إلا بأن.
(*)
(2/28)
أي هاتان الآيتان وهما: العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما في قوله: " فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين " ومع ذلك سبع آيات أخر.
فذلك تسع آيات بينات [ وهي المذكورة في آخر سورة سبحان، حيث يقول تعالى: " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات (1) ] فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم، فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا * قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر، وإني لاظنك يا فرعون مثبورا " وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة قالوا
لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه.
وهذه التسع الآيات غير العشر الكلمات، فإن التسع من كلمات الله القدرية، والعشر من كلماته الشرعية، وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
* * *
__________
(2) سقطت من ا (*)
(2/29)
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون " قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني، إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا، فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ".
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام، في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطى [ ولهذا (1) ] " قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن
يكذبون " أي اجعله معي معينا وردءا ووزيرا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك [ إليهم (2) ] فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا.
قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله: " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا " أي برهانا " فلا يصلون إليكما " أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل ببركة آياتنا.
" أنتما ومن اتبعكما الغالبون ".
وقال في سورة طه: " اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " قيل إنه أصابه في لسانه لثغة، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه،
__________
(1) من ا.
(2) ليست في ا.
(*)
(2/30)
والتي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله، فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها.
فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية.
ولهذا قال فرعون، قبحه الله، فيما زعم أنه يعيب به الكليم: " ولا يكاد يبين " أي يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام: " واجعل لي وزيرا من أهلي * هرون أخي * اشدد بن أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا *
ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد أوتيت سؤلك يا موسى " (1) أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت.
وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل، حين شفع أن يوحى الله إلى أخيه فأوحى إليه.
وهذا جاه عظيم، قال الله تعالى: " وكان عند الله وجيها ".
وقال تعالى: " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا " (2).
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون في
__________
(1) سورة طه: 24 - 36 (2) الآية: 53 من سورة مريم (*)
(2/31)
طريق الحج: أي أخ أمن على أخيه ؟ فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه.
قال الله تعالى: " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا ".
* * * وقال تعالى في سورة الشعراء: " وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون * قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " (1) تقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسارى بني
إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه.
فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتقص قائلا له: " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ؟ " أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا ؟ وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر ؟.
وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه، خلافا
__________
(1) الآيات: 10 - 91 (*)
(2/32)
لما عند أهل الكتاب: من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله: " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " أي وقتلت الرجل القبطى، وفررت منا وجحدت نعمتنا.
" قال فعلتها إذا وأنا من الضالين " أي قبل أن يوحى إلى وينزل على، " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ".
ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه: " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " أي وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك واشغالك.
" قال فرعون ومارب العالمين ؟ * قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الاولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب
المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ".
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون - قبحه الله - أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى، وزعم أنه الاله " فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى.
" وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري ".
(3 - قصص الانبياء 2)
(2/33)
وهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارئ المصور، الاله الحق كما قال تعالى: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا، فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين ".
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته، والاظهار أنه ما ثم رب أرسله: " وما رب العالمين ؟ " لانهما قالا له: " إنا رسول رب العالمين " فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين ؟ الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما ؟ فأجابه موسى قائلا: " رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين " يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة (1)، من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
" قال " أي فرعون " لمن حوله " من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص ما قرره موسى عليه السلام: " ألا تستمعون " يعني كلامه هذا.
" قال " موسى مخاطبا له ولهم: " ربكم ورب آبائكم الاولين " أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، من الآباء والاجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه، ولا أبوه ولا أمه، ولا يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان
__________
(1) ط: المتجددة (*)
(2/34)
المقامان هما المذكوران في قوله تعالى " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (1) ".
ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه: " قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (2) المسير للافلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، ورب الارض والسماء، رب الاولين والآخرين، خالق الشمس والقمر، والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفي فلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون.
فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه (3)، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته " قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين * قال أولوجئتك بشئ مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ".
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر به العقول والابصار، حين
__________
(1) الآية: 53 من سورة فصلت (2) ا: النيرة.
(3) ا: شبهته.
(*)
(2/35)
ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي عظيم الشكل، بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه، أخذه رهب (1) شديد وخوف عظيم، بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار، فإذا أعادها إلى جيبه (2) [ واستخرجها (3) ] رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه، وأهل دولته وملته.
ولله الحمد والمنة.
* * * وقال تعالى في سورة طه: " فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى * واصطنعتك لنفسي، اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري، اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله
يتذكر أو يخشى * قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قالا لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ".
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة
__________
(1) ا: رعبة.
(2) ا: في جيبه.
(3) من ا.
(*)
(2/36)
عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين " ثم جئت على قدر " أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري " واصطنعتك لنفسي " أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.
" اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري "، يعني ولا تفترا في ذكري إذا قدمتما (1) عليه ووفدتما إليه (2)، فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وأداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث: يقول الله تعالى: " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني (4) وهو ملاق (5) قرنه " وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (6) " ثم قال تعالى: " اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وهذا من حلمه تعالى وكرمه (7) ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه [ بألطف (8) ] معاملة من يرجوا أن يتذكر أو يخشى.
__________
(1) ا: إذا دخلتما (2) ا: عليه.
(3) ط: وإهداء.
(4) ا: لمن يذكرني.
(5) ا: وهو مناجز قرنه.
(6) سورة الانفال 45.
(7) ا: وعلمه.
(8) من ا.
(*)
(2/37)
كما قال لرسوله: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (1) "، وقال تعالى: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم (2) ".
قال الحسن البصري: " فقولا له قولا لينا " أعذرا إليه، قولا له: إن لك ربا ولنا معادا، وإن بين يديك جنة ونارا.
وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية: يامن يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ ! " قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى "، وذلك أن فرعون كان جبارا عنيدا وشيطانا مريدا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود، وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الامر، فثبتهما تعالى وهو العلي الاعلى فقال: " لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى "، كما قال في الآية الاخرى: " إنا معكم مستمعون ".
" فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد اوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا
إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى، أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل
__________
(1) سورة النحل (2) سورة العنكبوت (*)
(2/38)
معهما بني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم.
" قد جئناك بآية من ربك " وهو البرهان العظيم في العصى واليد، " والسلام على من اتبع الهدى " تقييد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: " إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى " أي كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدى وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين، دخل على أمه وأخيه هرون، وهما يتعشيان من طعام فيه " الطفشيل "، وهو اللفت، فأكل معهما.
ثم قال يا هرون: إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته، فقم معي.
فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق.
فقال موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب.
فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما [ عليه (1) ] إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن إسحق: أذن لهما بعد سنتين، لانه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما.
فالله أعلم.
ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عزوجل كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب: أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هرون اللاوى - يعني [ الذي (2) ] من نسل لاوى بن يعقوب - سيخرج
__________
(1) ليست في ا.
(2) من ا.
(*)
(2/39)
ويتلقاك (1)، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يظهر ما آتاه من الآيات وقال له [ إني (2) ] سأقسى قلبه فلا يرسل الشعب، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه.
فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة الله قال: من هو [ الله (3) ] لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل.
* * * وقال الله مخبرا عن فرعون: " قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الاولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى * الذي جعل لكم الارض مهدا، وسلك لكم فيها سبلا، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (4) " يقول تعالى مخبرا عن فرعون: إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلا: " فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالا وأرزاقا وآجالا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، وقدرته وقدره لكمال علمه.
وهذه
__________
(1) ا: ويلتقيان.
(2) من ا.
(3) ليست في ا.
(4) سورة طه 49، 50.
(*)
(2/40)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق