الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

الفوائد - ابن قيم الجوزية ج1.


[ الفوائد - ابن قيم الجوزية ]
الكتاب : الفوائد
المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الثانية ، 1393 - 1973
عدد الأجزاء : 1
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ محي الدين السنة قامع البدعة أبو عبد الله الشهير بابن قيم الجوزية رحمه الله ورضى عنه
قاعدة جليلة اذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه
والق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه اليه فانه خاطب منه لك على لسان رسوله قال تعالي ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد وذلك ان تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله ان في ذلك لذكري اشار الى ما تقدم من أول السورة الى ههنا وهذا هو المؤثر وقوله لمن كان له قلب فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى إن هو الا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا أي حي القلب وقوله أو ألقى السمع أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه الى ما يقال له وهذا شرط التأثر بالكلام وقوله وهو شهيد أي شاهد القلب حاضر غير غائب قال ابن قتيبة استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه وهو اشارة الى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله فاذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر
فان قيل اذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه فما وجه دخول أداة أو في قوله
أو القى السمع والموضع موضع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين قيل هذا سؤال جيد والجواب عنه أن يقال خرج الكلام بأو باعتبار حال المخاطب المدعو فأن من الناس من يكون حي القلب واعيه تام الفطرة فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن وأنه الحق وشهد قلبه بما أخبر به القرآن فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة وهذا وصف الذين قيل فيهم ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل اليك من ربك هو الحق وقال في حقهم الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فهذا نور الفطرة على نور الوحي وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي قال ابن القيم وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معاني القرآن فيجدها كأنها قد كتبت فيه فهو يقرأها عن ظهر قلب ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد واعي القلب كامل الحياة فيحتاج الى شاهد يميز له بين الحق والباطل ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي فطريق حصول هدايته ان يفرغ سمعه للكلام وقلبه لتأمله والتفكير فيه وتعقل معانيه فيعلم حينئذ انه الحق فالأول حال من رأى بعينه ما دعى اليه وأخبر به والثاني حال من علم صدق المخبر وتيقنه وقال يكفيني خبره فهو في مقام الايمان والأول في مقام الاحسان هذا قد وصل الى علم اليقين وترقي قلبه منه الى فنزلة عين اليقين وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الاسلام فعين اليقين نوعان نوع في الدنيا ونوع في الآخرة فالحاصل في الدنيا نسبته الى القلب كنسبة الشاهد
الى العين وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالابصار وفي لدنيا بالبصائر فهو عين يقين في المرتبتين
فصل وقد جمعت هذه السورة من أصول الايمان ما يكفي ويشفي ويغني عن
كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول فانها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوة والايمان بالملائكة وانقسام الناس الى هالك شقي وفائز سعيد وأوصاف هؤلاء وهؤلاء وتضمنت اثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يضاد كمله من النقائص والعيوب وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى والعالمين الأكبر وهو عالم الآخرة والأصغر وهو عالم الدنيا وذكر فيها خلق الانسان ووفاته واعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده واحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه واقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها وانه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق يسوقه اليه وشاهد يشهد عليه فاذا أحضره السائق قال هذا ما لدى عتيد أي هذا الذي أمرت باحضاره قد احضرته فيقال عند احضاره القيا في جهنم كل كفار عنيد كما يحضر الجاني الي حضرة السلطان فيقال هذا فلان قد أحضرته فيقول اذهبوا به الى السجن وعاقبوه بما يستحقه
وتأمل كيف دلت السورة صريحا على أن الله سبحانه يعيد هذا الجسد بعينه الذي أطاع وعصى فينعمه ويعذبه كما ينعم الروح التي آمنت بعينها ويعذب التي كفرت بعينها لا انه سبحانه يخلق روحا أخرى غير هذه فينعمها ويعذبها كما قاله من لم يعرف المعاد الذي أخبرت به الرسل حيث زعم ان الله سبحانه يخلق بدنا غير هذا البدن من كل وجه عليه يقع النعيم والعذاب والروح عنده عرض من أعراض البدن فيخلق روحا غير هذه الروح وبدنا غير هذا البدن
وهذا غير ما اتفقت عليه الرسل ودل عليه القرآن والسنة وسائر كتب الله تعالي وهذا في الحقيقة انكار للمعاد وموافقة لقول من أنكره من المكذبين فانهم لم ينكروا قدرة الله علي خلق أجسام أخر غير هذه الأجسام يعذبها وينعمها كيف وهم يشهدون النوع الانساني يخلق شيئا بعد شيء فكل وقت يخلق الله سبحانه أجساما وأرواحا غير الأجسام التي فنيت فكيف يتعجبون من شيء يشاهدونه عيانا وانما تعجبوا من عودهم باعيانهم بعد أن مزقهم البلي وصاروا عظاما ورفاتا فتعجبوا ان يكونوا هم باعيانهم مبعوثين للجزاء ولهذا قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون وقالوا ذلك رجع بعيد ولو كان الجزاء انما هو لاجسام غير هذه ل يكن ذلك بعثا ولا رجعا بل يكون ابتداء ولم يكن لقوله قد علمنا ما تنقص الأرض منهم كبير معني فأنه سبحانه جعل هذا جوابا لسؤال مقدر وهو انه يميز تلك الأجزاء التي اختلطت بالارض واستحالت الي العناصر بحيث لا تتميز فأخبر سبحانه انه قد علم ما تنقصه الارض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وانه كما هو عالم بتلك الأجزاء فهو قادر على تحصيلها وجمعها بعد تفرقها وتأليفها خلقا جديدا وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته فان شبه المنكرين له كلها تعود الى ثلاثة أنواع أحدها اختلاط اجزائهم بأجزاء الارض علي وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص الثاني ان القدرة لا تتعلق بذلك الثالث ان ذلك أمر لا فائدة فيه أو انما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الانساني شيئا بعد شيء هكذا ابدا كلما مات جيل خلفه جيل آخر فأما ان يميت النوع الانساني كله ثم يحيه بعد ذلك فلا حكمة في ذلك فجاءت براهين المعاد في القرآن مبينة على ثلاثة أصول أحدها تقرير كمال علم الرب سبحانه كما قال في جواب من قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم وقال وان الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ان ربك هو الخلاق العليم وقال قد علمنا
ما تنقص الأرض منهم والثاني تقرير كمال قدرته كقوله أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله بلي قادرين على أن نسوي بنانه وقوله ذلك بأن الله هو الحق وانه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير ويجمع سبحانه بين الأمرين كما في قوله أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم الثالث كمال حكمته كقوله وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين وقوله وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا وقوله أيحسب الانسان أن يترك سدى وقوله أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ولهذا كان الصواب ان المعاد معلوم بالعقل مع الشرع وان كمال الرب تعالي وكمال اسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه وأنه منزه عما يقوله منكروه كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص ثم أخبر سبحانه أن المنكرين لذلك لما كذبوا بالحق اختلط عليهم أمرهم فهم في أمر مريج مختلط لا يحصلون منه على شيء ثم دعاهم الي النظر في العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه ثم الى العالم السفلي وهو الارض وكيف بسطها وهيأها بالبسط لما يراد منها وثبتها بالجبال وأودع فيها المنافع وأنبت فيها من كل صنف حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته وأن ذلك تبصرة اذا تأملها العبد المنيب وتبصر بها تذكر ما دلت عليه مما اخبرت به الرسل من التوحيد والمعاد فالناظر فيها يتبصر أولا ثم يتذكر ثانيا وان هذا لا يحصل الا لعبد منيب الي الله بقلبه وجوارحه ثم دعاهم الي التفكر في مادة أرزاقهم وأقواتهم وملابسهم ومراكبهم وجناتهم وهو الماء الذي أنزله من السماء وبارك فيه حتي أنبت به جنات مختلفة الثمار والفواكه ما بين أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض وبين ذلك مع اختلاف منابعها وتنوع أجناسها وأنبت به
الحبوب كلها علي تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها واشكالها ومقاديرها ثم أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفي علي المتأمل وأحيا به الارض بعد موتها ثم قال كذلك الخروج أي مثل هذا الاخراج من الارض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الارض بعد ما غيبتم فيها وقد ذكرنا هذا القياس وامثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم وبينا بعض ما فيها من الاسرار والعبر ثم انتقل سبحانه الي تقرير النبوة باحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهه وشك فأخبر انه ارسل الى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فاهلكهم بأنواع الهلاك وصدق فيهم وعيده الذي أو عدتهم به رسله ان لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر به إخبارا مفصلا مطابقا لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا الا سؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بانه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ونكباته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه انه باهت مباحث جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرن قرنا بعد قررن فانكاره بمنزلة انكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية ثم عاد سبحانه الي تقرير المعاد بقوله أفعيينا بالخلق الأول يقال لكل من عجز عن شيء عيى به وعيى فلان بهذا الأمر قال الشاعر
عيوا بأمرهم كما ... عييت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى ولم يعي بخلقهن قال ابن عباس يريد افعجزنا وكذلك قال مقاتل قلت هذا تفسير بلازم اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن اعرف كذا وعييت به اذا لم تهتد له لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعياني دواؤك اذا لم تهتد ولم تقف عليه ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن
بيضتها ولكن أعيادها اذا أرادت أن تبيض أين ترمي بالبيضة فهي تدور وتجول حتى ترمي بها فاذا باضت أعياها أين تحفظها وتودعها حتى لا تنال فهي تنقلها من مكان الى مكان وتحار أين تجعل مقرها كما هو حال من عي بأمره فلم يدر من أين يقصد له ومن أين يأتيه وليس المراد بالاعياء في هذه الآية التعب كما يظنه من لم يعرف تفسير القرآن بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله وما مسنا من لغوب ثم أخبر سبحانه انهم في لبس من خلق جديد أي أنهم التبس عليهم اعادة الخلق خلقا جديدا ثم نبههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد وهو خلق الانسان فانه من أعظم الأدلة علي التوحيد والمعاد وأي دليل أوضح من تركيب هذه الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات والعلوم والارادات والصناعات كل ذلك من نطفة ماء فلو أنصف العبد ربه لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على جميع ما أخبرت به الرسل عن الله واسمائه وصفاته ثم أخبر سبحانه عن احاطة علمه به حتى علم وساوس نفسه ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والاحاطه وان ذلك أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو أقرب إليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن أى ملائكتنا كما قال فاذا قرأناه فاتبع قرآنه اى اذا قرأه عليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله اذ يتلقى المتلقيان فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين ولو كان المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين فلا في صحبه الآية لحلولى ولا معطل ثم أخبر سبحانه أن على يمينه وشماله ملكين يكتبان أعماله وأقواله ونبه باحصاء الاقوال وكتابتها على كتابة الاعمال التي هي أقل وقوعا وأعظم أثرا من الاقوال وهي غايات الاقوال ونهايتها ثم أخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت وانها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه والثواب والعقاب الذي تعجل
لها قبل القيامة الكبرى ثم ذكر القيامة الكبرى بقول ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد ثم أخبر عن أحوال الخلق فى هذا اليوم وان كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان عليها له عليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين فان الله سبحانه يستشهد على العبد الحفظة والأنبياء والأمكنة التى عملوا عليها الخير والشر والجلود التى عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين
ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما سمعه من اقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد علمه فكيف يسوغ لحاكم أن يحكم بمجرد علمه من غير بينة ولا اقرار ثم أخبر سبحانه ان الانسان فى غفلة من هذا الشأن الذى هو حقيق بأن لا يغفل عنه وان لا يزال على ذكره وباله وقال فى غفلة من هذا ولم يقل عنه كما قال وانهم لفى شك منه مريب ولم يقل فى شك فيه وجاء هذا فى المصدر وان لم يجىء فى الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه وهذا أبلغ من أن يقال فى غفلة عنه وشك فيه فإنه جعل ما ينبغى أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشك ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبه كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبه كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه ثم أخبر سبحانه أن قرينه وهو الذى قرن به فى الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما يحضره هذا الذى كنت وكلتنى به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به هذا قول مجاهد وقال ابن قتيبة المعنى هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندى والتحقيق ان الآية نتضمن الأمرين اى هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيته عليه فحينئذ يقال ألقيا فى جهنم وهذا اما أن يكون خطابا للسائق والشهيد
أو خطابا للملك الموكل بعذابه وان كان واحدا وهو مذهب معروف من مذاهب العرب فى خطابها أو تكون الالف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة ثم أجري الوصل مجري الوقف ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات أحدها أنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بدينه وتوحيده واسمائه وصفاته كفار برسله وملائكته كفار بكتبه ولقائه الثانية انه معاند للحق بدفعه جحدا وعنادا الثالثة انه مناع للخير وهذا يعم منعه للخير الذى هو احسان الى نفسه من الطاعات والقرب الى الله والخير الذى هو احسان الى الناس فليس فيه خير لنفسه ولا لبنى جنسه كما هو الحال أكثر الخلق الرابعة أنه مع منعه للخير معتد على الناس ظلوم غشوم معتد عليهم بيده ولسانه الخامسة انه مريب أي صاحب ريب وشك ومع هذا فهو آت لكل ريبة يقال فلان مريب اذا كان صاحب ريبة السادسة انه مع ذلك مشرك بالله قد اتخذ مع الله الها آخر يعبده ويحبه ويغضب له ويرضي له ويحلف باسمه وينذر له ويوالي فيه ويعادى فيه فيختصم هو وقرينه من الشياطين ويحيل الامر عليه وانه هو الذى أطغاه وأضله فيقول قرينه لم يكن لى قوة أن أضله وأطغيه ولكن كان فى ضلال بعيد اختاره لنفسه وآثره على الحق كما قال ابليس لاهل النار وما كان لى عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي وعلي هذا فالقرين هنا هو شيطانه يختصمان عند الله وقالت طائفة بل قرينه ههنا هو الملك فيدعى عليه انه زاد عليه فيما كتبه عليه وطغى وانه لم يفعل ذلك كله وانه أعجله بالكتابة عن التوبة ولم يمهله حتى يتوب فيقول الملك ما زدت فى الكتابة على ما عمل ولا أعجلته عن التوبة ولكن كان فى ضلال بعيد فيقول الرب تعالي لا تختصموا لدى وقد أخبر سبحانه عن اختصام الكفار والشياطين بين يديه فى سورة الصافات والأعراف واخبر عن اختصام الناس بين يديه فى سورة الزمر وأخبر عن اختصام أهل النار فيها فى سورة الشعراء وسورة ص ثم اخبر سبحانه انه لا يبدل القول لديه فقيل المراد بذلك قوله لاملأن جهنم من الجنة والناس
أجمعين ووعده لاهل الايمان بالجنة وان هذا لا يبدل ولا يخلف قال ابن عباس يريد مالو عدي خلف لاهل طاعتى ولا أهل معصيتي قال مجاهد قد قضيت ما أنا قاض وهذا اصح القولين فى الآية وفيها قول آخر ان المعنى ما يغير القول عندى بالكذب والتلبيس كما يغير عند الملوك والحكام فيكون المراد بالقول قول المختصمين وهو اختيار الفراء وابن قتيبة قال الفراء المعني ما يكذب عندى لعلمى بالغيب وقال ابن قتيبة اى ما يحرف القول عندى ولا يزاد فيه ولا ينقص منه قال لانه قال القول عندى ولم يقل قولي وهذا كما يقال لا يكذب عندى فعلي القول الاول يكون قوله وما انا بظلام للعبيد من تمام قوله ما يبدل القول لدى فى المعنى أى ما قلته ووعدت به لا بد من فعله ومع هذا فهو عدل لا ظلم فيه ولا جور وعلى الثاني يكون قد وصف نفسه بأمرين أحدهما ان كمال علمه واطلاعه يمنع من تبديل القول بين يديه وترويج الباطل عليه وكمال عدله وغناه يمنع من ظلمه لعبيده ثم أخبر عن سعة جهنم وانها كلما القى فيها تقول هل من مزيد وأخطأ من قال ان ذلك للنفى اى ليس من مزيد والحديث الصحيح يرد هذا التأويل ثم أخبر عن تقريب الجنة من المتقين وان أهلها هم الذين اتصفوا بهذه الصفات الاربع أحداها ان يكون أوابا أي رجاعا الى الله من معصيته الى طاعته ومن الغفلة عنه الي ذكره قال عبيد بن عمير الاواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها وقال مجاهد هو الذي اذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه وقال سعيد بن المسيب هو الذى يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب الثانية ان يكون حفيظا قال ابن عباس لما ائتمنه الله عليه وافترضه وقال قتادة حافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته ولما كانت النفس لها قوتان قوة الطلب وقوة الامساك كان الأواب مستعملا لقوة الطلب فى رجوعه الى الله ومرضاته وطاعته والحفيظ مستعملا لقوة الحفظ فى الامساك عن معاصيه ونواهيه فالحفيظ الممسك نفسه عما حرم عليه والأواب المقبل على الله بطاعته الثالثة
قوله من خشى الرحمن بالغيب يتضمن الاقرار بوجوده وربوبيته وقدرته وعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوال العبد ويتضمن الاقرار بكتبه ورسله وأمره ونهيه ويتضمن الاقرار بوعده ووعيده ولقائه فلا تصح خشية الرحمن بالغيب الا بعد هذا كله الرابعة قوله وجاء بقلب منيب قال ابن عباس راجع عن معاصى الله مقبل علي طاعة الله وحقيقة الانابة عكوف القلب علي طاعة الله ومحبته والاقبال عليه ثم ذكر سبحانه جزاء من قامت به هذه الأوصاف بقوله ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ثم خوفهم بان يصيبهم من الهلاك ما أصاب من قبلهم وانهم كانوا أشد منهم بطشا ولم يدفع عنهم الهلاك شدة بطشهم ولهم عند الهلاك تقلبوا وطافوا فى البلاد وهل يجدون محيصا ومنجى من عذاب الله قال قتادة حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركا وقال الزجاج طوفوا وفتشوا فلم يرو محيصا من الموت وحقيقة ذلك أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوه ثم أخبر سبحانه ان فى هذا الذى ذكر ذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ثم أخبر انه خلق السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام ولم يمسه من تعب ولا اعياء تكذيب لاعدائه من اليهود حيث قالوا انه استراح فى اليوم السابع ثم أمر نبيه بالتأسى به سبحانه فى الصبر على ما يقول اعداؤه فيه كما انه سبحانه صبر على قول اليهود انه استراح ولا أحد أصبر علي أذى يسمعه منه ثم أمره بما يستعين به على الصبر وهو التسبيح بحمد ربه قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وبالليل وأدبار السجود فقيل هو الوتر وقيل الركعتان بعد المغرب والاول قول ابن عباس والثاني قول عمر وعلي وأبي هريرة والحسن بن على واحدي الروايتين عن ابن عباس وعن ابن عباس رواية ثالثة انه التسبيح باللسان أدبار الصلاة المكتوبات ثم ختم السورة بذكر المعاد ونداء المنادى برجوع الأرواح الي أجسادها للحشر وأخبر ان هذا النداء من مكان قريب يسمعه كل أحد يوم يسمعون الصيحة بالحق
بالبعث ولقاء الله يوم تشقق الارض عنهم كما تشقق عن النبات فيخرجون سراعا من غير مهلة ولا بطء ذلك حشر يسير عليه سبحانه ثم أخبر سبحانه انه عالم بما يقول اعداؤه وذلك يتضمن مجازاته لهم بقولهم اذ لم يخف عليه وهو سبحانه يذكر علمه وقدرته لتحقيق الجزاء ثم أخبره انه ليس بمسلط عليهم ولا قهار ولم يبعث ليجبرهم على الاسلام ويكرههم عليه وأمره أن يذكر بكلامه من يخاف وعيده فهو الذي ينتفع بالتذكير وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير فائدة
قول النبى لعمر وما يدريك ان الله اطلع علي أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أشكل علي كثير من الناس معناه فأن ظاهره
إباحة كل الأعمال لهم وتخييرهم فيما شاؤا منها وذلك ممتنع فقالت طائفة منهم ابن الجوزي ليس المراد من قوله اعملوا الاستقبال وانما هو للماضي وتقديره أي عمل كان لكم فقد غفرته قال ويدل على ذلك شيئان أحدهما أنه لو كان للمستقبل كان جوابه قوله فسأغفر لكم والثانى انه كان يكون اطلاقا فى الذنوب ولا وجه لذلك وحقيقة هذا الجواب اني قد غفرت لكم بهذه الغزوة ما سلف من ذنوبكم لكنه ضعيف من وجهين أحدهما ان لفظ اعملوا يأباه فانه للاستقبال دون الماضى وقوله قد غفرت لكم لا يوجب أن يكون اعملوا مثله فان قوله قد غفرت تحقيق لوقوع المغفرة فى المستقبل كقوله أتي أمر الله وجاء ربك ونظائره الثاني أن نفس الحديث يرده فان سببه قصة حاطب
وتجسسه علي النبى وذلك ذنب واقع بعد غزوة بدر لا قبلها وهو سبب الحديث فهو مراد منه قطعا فالذي نظن فى ذلك والله أعلم ان هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الاسلام وانهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم لانه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار علي القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك الى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل اسباب المغفرة ونظير هذا قوله فى الحديث الآخر أذنب عبد ذنبا فقال أى رب أذنبت ذنبا فاغفره لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أى رب أصبت ذنبا فاغفر لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب أصبت ذنبا فاغفره لى فقال الله علم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء فليس فى هذا اطلاق واذن منه سبحانه له فى المحرمات والجرائم وانما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب تاب
واختصاص هذا العبد بهذا لانه قد علم انه لا يصر على ذنب وانه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لاهل بدر وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة اطلاق الذنوب والمعاصى له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر فلهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها الى الموت ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الاطلاق الاذن فيما شاؤا من الأعمال
فائدة جليلة قوله تعالى
هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور أخبر سبحانه أنه جعل الارض ذلولا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها والبناء عليها ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها واخبر سبحانه انه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا وأخبر أنه دحاها وطحاها واخرج منها ماءها ومرعاها وثبتها بالجبال ونهج فيها الفجاج والطرق وأجرى فيها الأنهار والعيون وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ومن بركتها ان الحيوانات كلها وأرزاقها وأقواتها تخرج منها ومن بركاتها انك تودع فيها الحب فتخرجه لك أضعاف أضعاف ما كان ومن بركاتها انها تحمل الأذى علي ظهرها وتخرج لك من بطنها أحسن الأشياء وأنفعها فتواري منه كل قبيح وتخرج له كل مليح ومن بركتها أنها تستر قبائح العبد وفضلات بدنه وتواريها وتضمه وتؤويه وتخرج له طعامه وشرابه فهى أحمل شىء للأذى وأعوده بالنفع فلا كان من التراب خير منه وأبعد من الأذى وأقرب الى الخير
والمقصود انه سبحانه جعل لنا الارض كالجمل الذلول الذي كيفما يقاد ينقاد وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا فالماشي عليها يطأ علي مناكبها وهو أعلى شيء فيها ولهذا فسرت المناكب بالجبل كمناكب الانسان وهي أعاليه قالوا وذلك تنبيه علي أن المشي في سهولها أيسر وقالت طائفة بل المناكب الجوانب والنواحي ومنه مناكب الانسان لجوانبه والذي يظهر ان المراد بالمناكب الأعالي وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الارض دون الوجه المقابل له فان سطح الكره أعلاها والمشي انما يقع في سطحها وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها بأنها ذلول ثم أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله وإليه النشور على انا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن ان نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه الى دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه واحسانه والتحذير من الركون الى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها السير الى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السير اليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه والاعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وانه يحي أهلها بعد ما أماتهم واليه النشور
فائدة للانسان قوتان قوة علمية نظرية وقوة عملية ارادية وسعادته
التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية الارادية واستكمال القوة العلمية انما يكون بمعرفة
فاطره وبارئه ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة الطريق التي توصل اليه ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها استكمال القوة العلمية الارادية لا تحصل الا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها اخلاصا وصدقا ونصحا واحسانا ومتابعة وشهودا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه انها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك وانه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين الا بمعونته فهو مضطر الى ان يهديه الصراط المستقيم الذي هدى اليه أولياءه وخاصته وان يجنبه الخروج عن ذلك الصراط اما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال واما في قوته العملية فيوجب له الغضب
فكمال الانسان وسعادته لا تتم الا بمجموع هذه الأمور وقد تضمنتها سورة الفاتحة وأنتظمتها أكمل انتظام فان قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يتضمن الاصل الاول وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة اسمائه وصفاته وأفعاله والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الاسماء الحسنى وهي اسم الله والرب والرحمن فأسم الله متضمن لصفات الألوهية واسم الرب متضمن الربوبية واسم الرحمن متضمن لصفات الاحسان والجود والبر ومعاني أسمائه تدور لى هذا وقوله إياك نعبد وإياك نستعين يتضمن معرفة الطريق الموصلة اليه وانها ليست الا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته وقوله إهدنا الصراط المستقيم يتضمن بيان ان العبد لا سبيل له الى سعادته الا باستقامته على الصراط المستقيم وانه لا سبيل له الي الاستقامة الا بهداية ربه له كما لا سبيل له الى عبادته بمعونته فلا سبيل له الي الاستقامة علي الصراط الا بهدايته وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم وان الانحراف الى احد الطرفين انحراف الي الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد والانحراف الى الطرف الآخر انحراف الي الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل
فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية وحظه منها على قدر حظه من الرحمة فعاد الأمر كله الى نعمته ورحمته والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون الا رحيما منعما وذلك من موجبات الهيته فهو الأله الحق وان جحده الجاحدون وعدل به المشركون فمن تحقق بمعاني الفاتحة علما ومعرفة وعملا وحالا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين والله المستعان
فائدة الرب تعالى يدعو عباده في القرآن الي معرفته من طريقين احدهما
النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبرها فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأول كقوله ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الي آخرها وقوله إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وهو كثير في القرآن والثاني كقوله أفلا يتدبرون القرآن وقوله أفلم يدبروا القول وقوله كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وهو كثير أيضا
فأما المفعولات فأنها دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات فان المفعول يدل علي فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختيارى من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا ارادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على ارادة الفاعل وان فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدا غير متكرر وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والاحسان والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والأنتقام والعقوبة دال
على غضبه وما فيها من الاكرام والتقريب والعناية دال على محبته وما فيها من الاهانة والابعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه الى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على امكان المعاد وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهه علي الاستدلال بالآيات المصنوعات قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم انه الحق أي أن القرآن حق فاخبر انه لا بد من ان يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين علي صدق رسوله فآياته شاهدة بصدقة وهو شاهد بصدق رسوله بآياته وهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول عليه فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب لدليل على من هو دليل علي كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجده أظهر منه ولهذا قال الرسل لقومهم أفي الله شك فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل فالأشياء عرفت به في الحقيقة وان كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله واحكامه عليه
فائدة في المسند وصحيح أبي الحاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال
قال رسول الله ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم اني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت
به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بلى ينبغي لمن سمعهن ان يتعلمهن فتضمن هذا الحديث العظيم أمورا من المعرفة والتوحيد والعبودية منها ان الداعي به صدر سؤاله بقوله اني عبدك ابن عبدك ابن أمتك وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته الى ابويه آدم وحواء وفي ذلك تملق له واستخذا بين يديه واعتراف بانه مملوكه وآباؤه مماليكه وان العبد ليس له غير باب سيده وفضله واحسانه وان سيده ان اهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه احد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة فتحت هذا الاعتراف اني لا غنى بي عنك طرفة عين وليس لى من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي انا عبده وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهى انما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار واما العبيد فتعرفهم على محض العبودية فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون اليه سبحانه في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقوله وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا ومن عداهم عبيد القهر والربوبية فاضافتهم اليه كاضافة سائر البيوت الى ملكه واضافة أولئك كاضافة البيت الحرام اليه اضافة ناقته اليه وداره التي هي الجنة اليه واضافة عبودية رسوله اليه بقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا سبحان الذي أسرى بعبده وإنه لما قام عبد الله يدعوه وفي التحقيق بمعنى قوله اني عبدك التزام عبوديته من الذل والخضوع والانابة وامتثال امر سيده واجتناب نهيه ودوام الافتقار اليه واللجأ اليه والاستعانة به والتوكل عليه وعياذ العبد به ولياذه به وان لم لا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفا ورجاء وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه صغيرا وكبيرا حيا وميتا ومطيعا وعاصيا معافى ومبتلي بالروح والقلب واللسان والجوارح وفي ايضا ان مالي ونفسي ملك لك فان العبد وما
يملك لسيده وفيه ايضا انك أنت الذي مننت علي بكل مل انا فيه من نعمة فذلك كله من انعامك على عبدك وفيه ايضا اني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي الا بأمرك كما لا يتصرف العبد الا باذن سيده واني لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فان صح له شهود ذلك فقد قال اني عبدك حقيقة ثم قال ناصيتي بيدك أي انت المتصرف في تصرفي كيف تشاء لست انا المتصرف في نفسي وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله اليه سبحانه ليس الى العبد منه شيء بل هو في قبضة سيده اضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك ومتى شهد العبد ان ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته الى ربه وصفا لازما له ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر اليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ولذا قال هود لقومه اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك تضمن هذا الكلام أمرين أحدهما مضاء حكمه في عبده والثاني يتضمن حمده وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد وهذا معنى قول نبيه هود ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ثم قال ان ربي على صراط مستقيم أي مع كونه مالكا قاهرا متصرفا في عباده نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم وهو العدل الذي يتصرف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه فخبره كله صدق وقضاؤه كله عدل وأمره كله مصلحة والذي نهى عنه كله ومفسدة وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته وفرق بين
الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل لقضاء فان حكمه سبحانه يتناول حكمه الدينى الشرعى وحكمه الكونى القدرى والنوعان نافذان في العبد ان ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه شاء ام أبي لكن الحكم الكونى لا يمكنه مخالفته واما الديني الشرعى فقد يخالفه
ولما كان القضاء هو الاتمام والاكمال وذلك انما يكون بعد مضيه ونفوذه قال عدل في قضاؤك أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه واما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه فان كان حكما دينيا فهو ماض فى العبد وان كان كونيا فان نفذه سبحانه مضي فيه وان لم ينفذه اندفع عنه فهو سبحانه يقضى ما يقضى به وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمر ولا يستطيع تنفيذه وهو سبحانه يقضي ويمضى فله القضاء والامضاء وقوله عدل فى قضاؤك يتضمن جميع أقضيته فى عبده من كل الوجوه من صحة وسقم وغني وفقر ولذة وألم وحياة وموت وعقوبة وتجاوز وغير ذلك قال تعالي وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم وقال وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور فكل ما يقضى علي العبد فهو عدل فيه
فان قيل فالمعصية عندكم بقضائه وقدره فما وجه العدل فى قضائها فان العدل فى العقوبة عليها ظاهر قيل هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة ان العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته قالوا لان الظلم هو التصرف فى ملك الغير والله له كل شيء فلا يكون تصرفه فى خلقه الا عدلا وقالت طائفة بل العدل انه لا يعاقب على ما قضاه وقدره فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم انه ليس بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه علي الذنب بالعقوبة والذم إما فى الدنيا وإما فى الآخرة وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر فزعموا ان من أثبت القدر لم يمكنه ان يقول بالعدل ومن قال بالعدل لم يمكنه ان يقول بالقدر كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد واثبات الصفات فزعموا انه لا يمكنهم اثبات التوحيد الا بانكار الصفات فصار توحيدهم تعطيلا
وعدلهم تكذيبا بالقدر وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو وضع الشيء فى غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه عنه فى غير موضع من كتابه وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعه اللائق به كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما اذا قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة وقد استوفينا الكلام فى هذا فى كتابنا الكبير فى القضاء والقدر
والمقصود أن قوله ماض فى حكمك عدل فى قضاؤك رد على الطائفتين القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله فى عبده ويخرجون أفعال العباد عن كونها بقضائه وقدره ويردون القضاء الى الأمر والنهى وعلى الجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله عدل فى قضاؤك فائدة فان العدل عندهم كل ما يمكن
فعله والظلم هو المحال لذاته فكأنه قال ماض ونافذ فى قضاؤك وهذا هو الأول بعينه وقوله أسألك بكل اسم الي آخره توسل اليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم وهذه أحب الوسائل اليه فانها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هى مدلول اسمائه وقوله ان تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى الربيع المطر الذي يحيى الأرض شبه القرآن به لحياة القلوب به وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذى تحصل به الحياة والنور الذى تحصل به الاضاءة والاشراق كما جمع بينهما سبحانه فى قوله أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه فى النار ابتغاء حلية وفى قوله مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ثم قال أو كصيب من السماء وفي قوله الله نور السموات والارض مثل نوره الآيات ثم قال ألم تر أن الله يزجي السحاب ثم يؤلف بينه الآية فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وان ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها
ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه الى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه الي الصدر ثم الى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فانها أحرى أن لا تعود وأما اذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فانها تعود بذهاب ذلك والمكروه الوارد على القلب ان كان من أمر ماض أحدث الحزن زان كان من مستقبل أحدث الهم وان كان من أمر حاضر أحدث الغم والله أعلم
فائدة أنزه الموجودات وأظهرها وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا
وأوسعها عرش الرحمن جل جلاله ولذلك صلح لاستوائه عليه وكل ما كان أقرب الى العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها لقربها من العرش اذ هو سقفها وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير وخلق الله القلوب وجعلها محلا لمعرفته ومحبته وارادته فهي عرش المثل الأعلى الذي هو معرفته ومحبته وارادته قال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم وقال تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم وقال تعالى ليس كمثله شيء فهذا من المثل الأعلى وهو مستو علي قلب المؤمن فهو عرشه وان لم يكن أطهر الأشياء وأنزهها وأطيبها وأبعدها من كل دنس وخبث لم يصلح لاستواء المثل الأعلي عليه معرفة ومحبة وارادة فاستوى عليه مثل الدنيا الأسفل ومحبتها وارادتها والتعلق بها فضاق وأظلم وبعد من كماله وفلاحه حتي تعود القلوب علي قلبين قلب هو عرش الرحمن ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم فهو حزين علي ما مضى مهموم بما يستقبل مغموم في الحال وقد روى الترمذي وغيره عن النبي أنه قال اذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال الانابة الى دار الخلود والتجاني عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله والنور الذي يدخل القلب انما هو آثار المثل الأعلى فلذلك ينفسخ وينشرح واذا لم يكن فيه معرفة الله ومحبته فحظه الظلمة والضيق
فائدة تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها اليه مستويا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا علي أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر و يقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة اليه لا تتحرك في ذرة الا باذنه ولا تسقط ورقة الا بعلمه فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف اليهم بأسمائه وصفاته ويتححب اليهم بنعمه وآلائه فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما اعد لهم من الكرامة ان اطاعوه وما أعد لهم ما العقوبة ان عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسىء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو الى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم اليه وشدة حاجتهم اليه من كل وجه وانهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات وانه الغنى بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير اليه بنفسه وانه لا ينال احد ذرة من الخبر فما فوقها الا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها الا بعدله وحكمته ويشهد من خطابه عتابه لاحبابه الطف عتاب وانه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم اعذارهم ومصلح فسادهم والدافع
عنهم والمحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وانه وليهم الذي لا ولى لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم علي عدوهم فنعم المولى ونعم النصير فاذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شانه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق انفاسها في التودد اليه ويكون احب اليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق اليه والأنس به هو غذائها وقوتها ودواؤها بحيث ان فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنفع بحياتها
فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده وهذا كما انه
في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والارادات فاذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما ان اللسان اذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه الا اذا فزع لسانه من النطق بالباطل وكذلك الجوارح اذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة الا اذا فرغها من ضدها فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وارادته والشوق إليه والأنس به إلا يمكن شغله بمحبة الله واردته وحبه والشوق الى لقائه لا بتفريغه من تعلقه بغيره ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته الا اذا فرغها من ذكر غيره وخدمته فاذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبقى فيها موضع للشغل بالله ومعرفة اسمائه وصفاته وأحكامه وسر ذلك ان اصغاء القلب كاصغاء الأذن فاذا صغى الى غير حديث الله لم يبق فيه اصغاء ولا فهم لحديثه كما اذا مال الى غير محبة الله لم يبق فيه ميل الى محبته فاذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان ولهذا في الصحيح عن النبي انه قال لان يمتلىء جوف احدكم قيحا حتي يريه خير له من أن يمتلىء
شعرا فبين أن الجوف يمتلىء بالشعر فكذلك يمتلىء بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها والعلوم التي لا تنفع والمفاكهات والمضاحكات والحكايات ونحوها واذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا فتعدته وجاوزته الي محل سواه كما اذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فانه فيه لا يقبلها ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة ولذلك قيل
نزه فؤادك من سوانا تلقنا ... فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه وبالله التوفيق
فائدة قوله تعالى ألهاكم التكاثر الى آخرها أخلصت هذه السورة للوعد
الوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها فقوله تعالى ألهاكم أي شغلكم على وجه لا تعتذرون فيه فان الالهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه فان كان بقصد فهو محل التكليف وان كان بغير قصد كقوله في الخميصة انها ألهتني آنفا عن صلاتي كان صاحبه معذورا وهو نوع من النسيان وفي الحديث فلها عن الصبي أي ذهل عنه ويقال لها بالشيء أي اشتغل به ولها عنه اذا انصرف عنه واللهو للقلب واللعب للجوارح ولهذا يجمع بينهما ولهذا كان قوله ألهاكم التكاثر ابلغ في الذم من شغلكم فان العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به فاللهو هو ذهول واعراض والتكاثر تفاعل من الكثرة أي مكاثرة بعضكم لبعض واعرض عن ذكر المتكاثر به ارادة لاطلاقه وعمومه وان كل ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا التكاثر فالتكاثر في كل شيء من مال او جاه او رياسة او نسوة او حديث او
علم ولا سيما اذا لم يحتج اليه والتكاثر فى الكتب والتصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها والتكاثر ان يطلب الرجل ان يكون اكثر من غيره وهذا مذموم الا فيما يقرب الى الله فالتكاثر فيه منافسة فى الخيرات ومسابقة اليها وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير انه انتهى الي النبي وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالى وهل لك من مالك الا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فافنيت او لبست فابليت تنبيه
من لم ينتفع بعينه لم ينتفع باذنه للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه وبين الناس فمن هتك الستر الذى بينه وبين الله حقك الله الستد الذي بينه وبين الناس للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه فينبغى له ان يسترضى ربه قبل لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله اليه اضاعة الوقت اشد من الموت لان اضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا واهلها الدنيا من أولها الى آخرها لا تساوى غم ساعة فكيف بغم العمر محبوب اليوم يعقب المكروه غدا ومكروه اليوم يعقب المحبوب غدا أعظم الربح في الدنيا ان تشغل نفسك كل وقت بما هو أولي بها وأنفع لها فى معادها كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه المخلوق اذا خفته استوحشت منه وهربت منه والرب تعالى اذا خفته أنست به وقربت اليه لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا اخلاص لما ذم المنافقين دافع الخطرة فان لم تفعل صارت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صارت شهوة فحاربها فان لم تفعل صارت عزيمة وهمة فان لم تدافعها صارت فعلا فان لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها التقوي ثلاث مراتب احداها حمية القلب والجوارح عن الآثام
والمحرمات الثانية حميتها عن المكروهات الثالثة الحميه عن الفضول وما لا يعنى فالاولى تعطى العبد حياته والثانية تفيده صحته وقوته والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته
غموض الحق حين تذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق
تضل عن الدقيق فهو م قوم ... فتقضى للمجل علي المدق
بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ... لابي ولا يشفع لى من الناس
اذا أيست وكاد اليأس يقطعني ... جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس
من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات لما طلب آدم الخلود فى الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين اذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد التوحيد وان الله هو الذى قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن الثاني مشهد العدل وانه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد الرحمة وان رحمته فى هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوة الرابع مشهد الحكمة وان حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس مشهد الحمد وان له سبحانه الحمد التام علي ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد العبودية وانه عبد محض من كل وجه تجرى عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه
قلة التوفيق وفساد الرأى وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر واضاعة الوقت ونفره الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع اجابة الدعاء وقسوة القلب ومحق البركة فى الرزق والعمر وحرمان العلم ولباس الذل واهانة العدو وضيق
الصدر والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت وطول الهم والغم وضنك المعيشة وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والاحراق عن النار وأضداد هذه تتولد عن الطاعة
فصل طوبى لمن أنصف ربه فاقر له بالجهل فى علمه والآفات فى عمله
والعيوب فى نفسه والتفريط فى حقه والظلم فى معاملته فان آخذه بذنوبه رأى عدله وان لم يؤاخذه بها رأي فضله وان عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه فان قبلها فمنه وصدقة ثانية وان ردها فلكون مثلها لا يصلح ان يواجه به وان عمل سيئة رآها من تخليه عنه وخذلانه له وامساك عصمته عنه وذلك من عدله فيه فيرى فى ذلك فقره الى ربه وظلمه فى نفسه فان غفرها له فبمحض احسانه وجوده وكرمه ونكتة المسألة وسرها انه لا يري ربه الامحسنا ولا يرى نفسه الا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه واحسانه اليه وكل ما يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه المحبون اذا خربت منازل أحبائهم قالوا سقيا لسكانها وكذلك المحب اذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته فى الدنيا وتودده اليه وتجدد رحمته وسقياه لمن كان ساكنا في تلك الأجسام البالية
فائدة الغيرة غيرتان غيرة على الشيء وغيرة من الشيء فالغيرة على
المحبوب حرصك عليه والغيرة من المكروه ان يزاحمك عليه فالغيرة على المحبوب لا تتم الا بالغيرة من المزاحم وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح المشاركة في حبه كالمخلوق واما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه فلا
يتصور غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد والغيرة المحمودة في حقه أن يغار المحب على محبته له ان يصرفها الى غيره أو يغار عليها ان يطلع عليها الغير فيفسدها عليه أو يغار على أعماله ان يكون فيها شيء لغير محبوبة أو يغار عليها ان يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو إعجاب او محبة لاشراف غيره عليها أو غيبته عن شهود منته عليه فيها
وبالجملة فغيرته تقتضي ان تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله وكذلك يغار علي أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبة فهذه الغيرة من جهة العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبة وأما غيرة محبوبه عليه فهي كراهية ان ينصرف قلبه عن محبته الى محبة غيره بحيث يشاركه في حبه ولهذا كانت غيرة الله ان يأتي العبد ماحرم عليه ولاجل غيرته سبحانه حرم الفاحشة ما ظهر منها وما بطن لأن الخلق عبيده واماؤه فهو يغار علي امائه كما يغار السيد على جواريه ولله المثل الأعلي ويغار علي عبيده ان تكون محبتهم لغيره بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها
من عظم وقار الله في قلبه ان يعصيه وقره الله في قلوب الخلق ان يذلوه اذا علقت شروش المعرفة في ارض القلب نبتت فيه شجرة المحبة فاذا تمكنت وقويت أثمرت الطاعة فلا تزال الشجرة تؤتي أكلها كل حين باذن الله ربها اول منازل القوم اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا وأوسطها هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى والنور وآخرها تحيتهم يوم يلقونه سلام ارض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فان غرست شجرة الايمان والتقوى أورثت حلاوة الابد وان غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر من ارجع الى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك ولا تشرد عنه من هذه الأربعة فما رجع من رجع اليه بتوفيقه الا منها وما شرد من شرد عنه بخذلانه الا منها فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه
مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمرة وغرست نواه وكذلك تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره اليه انما العجب من مالك يتحبب الى مملوكه بصنوف انعامه ويتودد اليه بأنواع احسانه مع غناه عنه كفى بك عزا انك له عبد ... وكفى بك فخرا انه لك رب
فصل ايك والمعاصي فانها ازلت عز
إسجدوا وأخرجت اقطاع اسكن يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق الف سنة مازال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع فتاب عليه فرح ابليس بنزول آدم من لجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود كم بين قوله لآدم اني جاعل في الارض خليفة وقوله لك اذهب فمن تبعك منهم ما جرى على آدم هو المراد من وجوده لو لم تذنبوا يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك ولصالح ذريتك خلفتها يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك علي الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد علي الملوك يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب والبست خلعة العبودية وعسى أن تكرهوا يا آدم لم أخرج اقطاعك الي غيرك انما نحيتك عنه لا كمل عمارته لك وليبعث الي العمال نفقة تتجافى جنوبهم تالله ما نفعه عند معصيته عز
اسجدوا ولا شرف وعلم آدم ولا خصيصة لما خلقت بيدي ولا فخر ونفخت فيه من روحي وانما انتفع بذل ربنا ظلمنا أنفسنا لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل
فجرحه فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كان لم يكن به قلبة فصل
نجائب النجاة مهيأة للمراد واقدم المطرود موثوقة بالقيود هبت عواصف الأقدار في بيداء الاكوان فتقلب الوجود ونجم الخير فلما ركدت الريح اذا ابو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة والوليد بن
المغيرة يقدم قومه في التيه وصهيب قد قدم بقافلة الروم والنجاشي في أرض
الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك وبلال ينادي الصلاة خير من النوم
وأبو جهل في رقدة المخالفة لما قضى في القدم بسابقه سلمان عرج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجس فأقبل يناظر أباه في دين الشرك فلما علاه بالحجة لم يكن له جواب الا القيد وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم حرفوه وبه أجاب فرعون موسى لئن اتخذت الها غيري وبه أجاب الجهمية الامام احمد لما عرضوه على السياط وبه أجاب أهل البدع شيخ الاسلام حين استدعوه السجن وها نحن علي الاثر فنزل به ضيف ولنبلونكم فنال باكرامة مرتبة سلمان منا أهل البيت فسمع ان ركبا على نية السفر فسرق نفسه من أبيه ولا قطع فركب راحلة العزم يرجو ادراك مطلب السعادة فغاص في بحر البحث ليقع بدرة الوجود فوقف نفسه على خدمة الادلاء وقوف الاذلاء فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم سلموا اليه اعلام الأعلام على نبوة نبينا وقالوا ان زمانه قد أظل فأحذر ان تضل فرحل مع رفقة لم يرفقوا به فشروه بثمن بخس دراهم معدودة فأتباعه يهودى بالمدينة فلما رأى الحره توقد حرا شوقه ولم يعلم رب المنزل بوجد النازل فبينا هو يكابد ساعات الانتظار قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس نخلة وكاد القلق يلقيه لولا ان الحزم أمسكه كما جرى يوم إن كادت لتبدي به لولا ان ربطنا علي قلبها فعجل النزول لتلقي ركب البشارة ولسان حاله يقول
خليلي من نجد قفا بي على الربا ... فقد هب من تلك الديار نسيم فصاح به سيده مالك انصرف الي شغلك فقال
كيف انصرافي ولي في داركم شغل
ثم أخذ لسان حاله يترنم لو سمع الأطروش خليلي لا والله ما انا منكما ... اذا علم من آل ليلي بداليا
فلما لقى الرسول عارض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافقه يا محمد انت تريد ابا طالب ونحن نريد سلمان ابو طالب اذا سئل عن اسمه قال عبد مناف واذا انتسب افتخر بالآباء واذاذكرت الأموال عبد الابل وسلمان اذا سئل عن اسمه قال عبد الله وعن نسبه قال ابن الاسلام وعن ماله قال الفقر وعن حانوته قال المسجد وعن كسبه قال الصبر وعن لباسه قال التقوى والتواضع وعن وساده قال السهر وعن فخره قال سلمان منا وعن قصده قال يريدون وجهه وعن سيره قال الى الجنة وعن دليله في الطريق قال إمام الخلق وهادئ الائمة
اذا نحن ادلجن وانت امامنا ... كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
وان نحن اضللنا الطريق ولم نجد ... دليلا كفانا نور وجهك هاديا
الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك اذا عرضت نظرة لا تحل فاعلم انها مسعر حرب فاستتر منها بحجاب قل للمؤمنين فقد سلمت من الاثر وكفى الله المؤمنين القتال بحر الهوى اذا مد أغرق واخوف المنافذ على السابح فتح البصر في الماء
ما أحد أكرم من مفرد ... في قبره اعماله تونسه
منعما في القبر في روضه ... ليس كعبده قبره محبسه
علي قدر فضل المرء يأتي خطوبه ... ويعرف عند الصبر فيما يصيبه
ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل مما يرتجيه نصيبه
كم قطع زرع قبل التمام فما ظن الزرع المستحصد اشتر نفسك فالسوق قائمة والثمن موجود لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى ولكن كن خفيف النوم فحراس البلد يصيحون دنا الصباح نور العقل يضيء في ليل الهوى فتلوح جادة الصواب فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور اخرج بالعزم من هذا
الفناء الضيق المحشو بالآفات الي ذلك الفناء الرحب الذي فيه مالا عين رأت فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب يا بائعا نفسه بهوى من حبه ضنا ووصله أذى وحسنه الى فنا لقد بعت انفس الأشياء بثمن بخس كأنك لم تعرف قدر السلعة وبلا خسة الثمن حتى اذا قدمت يوم التغابن تبين لك ان الغبن في عقد التبايع لا اله الا الله سلعة الله مشتريها وثمنها الجنة والدلال الرسول ترضي ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة
اذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من صرت عبده
ويملك جزء منه كلك ما الذى ... يكون على ذا الحال قدرك عنده
وبعت به نفسا قد استامها بما ... لديه من الحسنى وقد زال وده
يا مخنت العزم اين انت والطريق طريق تعب فيه آدم وناح لاجله نوح ورمى في النار الخليل واضجع للذبح اسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسي وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد تزها انت باللهو واللعب
فيا دارها بالحزن ان مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
الحرب قائمة وانت اعزل في النظارة فأن حركت ركابك فللهزيمة من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف
تقول سليمى لو أقمت بارضنا ... ولم تدارني للمقام أطوف
قيل لبعض العباد الى كم تتعب نفسك فقال راحتها اريد يا مكر ما بجلة
الأيمان بعد حلة العافية وهو يخلقهما في مخالفة الخالق لا تنكر السلب يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره ان يسلبها عرائس الموجودات قد تزينت للناظرين ليبلوهم ايهم يؤثرهن على عرائس الآخرة فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي ايثاره
وحسان الكون لما أن بدت ... اقبلت نحوي وقالت لي الى
فتعاميت كأن لم أرها ... عندما ابصرت مقصودي لدي
كواكب هم العارفين في روج عزائمهم سيارة ليس فيها زحل يا من انحرف عن جادتهم كن في أواخر الركب ونم اذا نمت علي الطريق فالأمير يراعي الساقة قيل للحسن سبقنا القوم على خيل دهم ونحن على حمر معقره فقال ان كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم
فائدة من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف
ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوى في حاله ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده الا منها ومن كان فتحه بيت الناس ونصحهم وارشادهم كان مزيده معهم ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس فأشرف الأحوال أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا تكن مع مرادك منه مصابيح القلوب الطاهرة في اصل الفطره منيرة قبل
الشرائع يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وحد قس وما رأي الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه في المسجد مع الص بري ولا ماء وكم من عطشان في اللجة سبق العلم بنبوة موسى وايمان آسية فسيق تابوته الى بيتها فجاء طفل منفرد عن أم الى امرأة خالية عن ولد فلله كم في هذه القصة من عبرة كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد ولسان القدر يقول لا نربيه الا في حجرك
كان ذو البجادين يتيما في الصغر فكفله عمه فنازعته نفسه الى اتباع الرسول فهم بالنهوض فاذا بقية المرض مانعه فقعد ينتظر العم فلما تكاملت صحته نفذ الصبر فناداه ضمير الوجد
الي كم حبسها تشكو المضيقا ... أثرها ربما وجدت طريقا
فقال يا عم طال انتظاري لاسلامك وما أرى منك نشاطا فقال والله لئن أسلمت لانتزعن كل ما أعطيتك فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب الي من الدنيا وما فيها
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها
لقال تراب من غبار نعالها ... ألذ الى نفسي وأشفى لبلواها
فلما تجرد للسير الى الرسول جرده عمه من الثياب فناولته الام بجادا فقطعه لسفر الوصل نصفين أتزر بأحدهما با وارتدي بالآخر فلما نادى صائح الجهاد قنع ان يكون في سافة الأحباب والمحب لا يرى طول الطريق لان المقصود يعينه
ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف الحمى من يريدها
فلما قضى نحبه نزل الرسول يمهد لد لحده وجعل يقول اللهم أني أمسيت عنه راضيا فارض عنه فصاح ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب القبر
فيا مخنث العزم أقل ما في الرقعة البيذق فلما نهض تفرزن رأى بعض
الحكماء برذونا يسقى عليه فقال لو هملج هذا الركب اقدام العزم بالسلوك اندفع من بين أيديها سد القواطع القواطع محن يتبين بها الصادق من الكاذب فاذا خضتها انقلبت أعوانا لك توصلك الى المقصود
فصل الدنيا كأمرأه بغى لا تثبت مع زوج انما تخطب الأزواج ليستحسنوا
عليها فلا ترضى بالدياثه
ميزت بين جمالها وفعالها ... فأذا الملاحة بالقباحة لا تفى
حلفت لنا ان لا تخون عهودنا ... فكأنها حلفت لنا ان لا تفى
السير في طلبها سير في أرض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها واحزانها من أفراحها
مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذاب فصارت في المشيب عذابا
طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك غير ان عين الهوى عميا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
تزخرفت الشهوات لأعين الطباع فغض عنها الذين يؤمنون بالغيب ووقع تابعوها في بيداء الحسرات و باؤلئك على هدى من ربهم واؤلئك هم المفلحون وهؤلاء يقال لهم كلوا وتمتعوا قليلا انكم مجرمون لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أما وافيها الهوى طلبا لحياة الأبد لما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما انهبه العدو منهم في زمن البطالة فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد وكلما أمرت لهم الحياة حلى لهم تذكر هذا يومكم الذي كنتم توعدون
وركب سروا الليل ملق رواقه ... على كل مغبر المطالع قائم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في طلوع العزائم
تريهم نجوم الليل ما يتبعونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
اذا اطردت في معرك الجد قصفوا ... رماح العطايا في صدور المكارم
فصل من اعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه وأن تسمع داعيه ثم
تتأخر عن الاجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره وان تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق الى انشراح الصدر بذكره ومناجاته وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه الى نعيم الاقبال عليه والانابه اليه واعجب من هذا علمك انك لابد لك منه وانك أحوج شيء اليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب
فائدة ما أخذ العبد ما حرم عليه الا من جهتين احداهما سوء ظنه
بربه وانه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرا منه حلالا والثانية ان يكون عالما بذلك وان من ترك لله شيئا أعاضه خيرا منه ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقل فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته قال يحي بن معاذ من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده قلت اذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه
فصل لما رأى المتيقظون سطوة لدنيا بأهلها وخداع الامل لاربابه وتملك
الشيطان وقياد النفوس راوا الدولة للنفس الامارة لجأوا الى حصن التضرع والالتجاء كما
يأوي العبد المذعور الي حرم سيده سيده شهوات الدنيا كلعب الخيال ونظر الجاهل مقصور على الظاهر فاما ذو العقل فيرى ما ووراء الستر لاح لهم المشتهى فلما مدوا أيدى التناول بأن لابصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا الى الرحيل الثاني ياليت قومي يعلمون تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود فاجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير في سواء السبيل فالناس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح وقع ثعلبان في شبكة فقال أحدهما للآخر أين الملتقى بعد هذا فقال بعد يومين في الدباغة تالله ما كانت الأيام الا مناما فليستيقظوا وقد حصلوا على الظفر ما مضى من الدنيا أحلام وما بقى منها أماني والوقت ضائع بينهما
كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا متزينة وهوى مرد وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزين وضعف مستول عليه فأن تولاه الله وجذبه اليه انقهرت له هذه كلها وان تخلى عنه ووكله الى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة فى قلوبهم وكدر فى افهامهم ومحق فى عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام الاخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة
والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار اليهم وكانت قبل ذلك لاضدادها وكان أهلها هم المشار اليهم
فاذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الارض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس
اقشعرت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكي ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات الى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
اشتر نفسك اليوم فان السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة وسيأتي على تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها الى قليل ولا كثير ذلك يوم التغابن يوم يعض الظالم على يديه
اذا انت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا
ندمت على ان لا تكون كمثله ... وانك لم ترصد كما كان ارصدا
العمل بغير اخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه اذا حملت علي القلب هموم الدنيا واثقالها وتهاونت بأوراده التي هى قوته وحياته كنت كالمسافر الذى يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها فما أسرع ما تقف به
ومشتت العزمات ينفق عمره ... حيران لا ظفر ولا اخفاق
هل السائق العجلان يملك امره ... فما كل سير اليعملات وحيد
رويدا باخفاف المطى فانما ... تداس جباه تحتها وخدود
من تلمح حلاوة العافية هان عليه مرارة الصبر الغاية اول فى التقدير آخر فى الوجود مبدأ فى نظر العقل منتهى فى منازل الوصول الفت عجز العادة فلو علت بك همتك ربا المعالي لاحت لك انوار العزائم انما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور تزول همة الكساح دلاه فى جب العذرة بينك وبين الفائزين جبل الهوى نزلوا بين يديه ونزلت خلفه فاطو فضل منزل تلحق بالقوم الدنيا مضمار سباق وقد انعقد الغبار وخفى السابق والناس فى المضمار بين فارس وراجل واصحاب حمر معقرة
سوف ترى اذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
فى الطبع شره والحمية أوفق لص الحرص لا يمشي الا فى ظلام الهوي حبة المشتهى تحت فخ التلف فتفكر الذبح وقد هان الصبر قوة الطمع في بلوغ الأمل توجب الاجتهاد فى الطلب وشدة الحذر من فوت المأمول البخيل فقير لا يؤجر على فقره الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعه من تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه غرس الخلوة يثمر الأنس استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك عزلة الجاهل فساد واما عزلة العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها اذا اجتمع العقل واليقين في بيت العرلة واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة
اتاك حديث لا يمل سماعه ... شهى الينا نثره ونظامه
اذا ذكرته النفس زال عناؤها ... وزال عن القلب المعني ظلامه
اذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها ونسل الخصام نسل مذموم حميتك لنفسك أثر الجهل بها فلو عرفتها حق معرفتها اعنت الخصم عليها إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت باحراق القادح اوثق
غضبك بسلسلة الحلم فانه كلب إن أفلت اتلف من سبقت له سابقة السعادة دل على الدليل قبل الطلب اذا اراد القدر شخصا بذر فى أرض قلبه بذر التوفيق ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة ثم أقام عليه باطوار المراقبة واستخدم له حارس العلم فاذا الزرع قائم على سوقه اذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها اذا جن الليل تغالب النوم والسهر فالخوف والشوق في مقدم عسكر اليقظة والكسل والتواني فى كتيبة الغفلة فاذا حمل العزم حمل علي الميمنة وانهزمت جنود التفريط فما يطلع الفجر الا وقد قسمت السهمان وبردت الغنيمة لاهلها سفر الليل لا يطيقه الا مضمر المجاعة النجائب فى الأول وحاملات الزاد فى الأخير لا تسأم من الوقوف علي الباب ولو طردت ولا تقطع الاعتذار ولو رددت فان فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين وادخل دخول الطفيلية وابسط كف وتصدق علينا يا مستفتحا باب المعاش بغير إقليد التقوي كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق ولو وقفت عند مراد التقوي لم يفتك مراد المعاصي سد فى باب الكسب وان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه
تالله ما جئتكم زائرا ... الا وجدت الارض تطوي لى
ولا انثني عزمى عن بابكم ... الا تعثرت باذيالى
الأرواح فى الأشباح كالاطيار فى الابراج وليس ما أعد للاستفراخ كمن هيء للسباق من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأى شغل يشغله كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فان الولد يتبع الأم الدنيا لا تساوي نقل أقدامك اليها فكيف تعدو خلفها الدنيا جيفة والأسد لا يقع علي الجيف الدنيا مجاز والآخرة وطن والأوطار انما تطلب فى الأوطان
الاجتماع بالاخوان قسمان احدهما اجتماع علي مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا
مضرته أرجح من منفعته وأقل ما فيه انه يفسد القلب ويضيع الوقت الثاني الاجتماع بهم علي التعاون علي أسباب النجاة والتواصى بالحق والصبر فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها ولكن فيه ثلاث آفات احداها تزين بعضهم لبعض الثانية الكلام والخلطة أكثر من الحاجة الثالثة ان يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح اما للنفس الأمارة واما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طلب لقاحه طابت ثمرته وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك قاعدة
ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير بل لا يؤثر سبب البتة الا بانضمام سبب آخر اليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره هذا فى الأسباب المشهودة بالعيان وفى الأسباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشمس فى الحيوان والنبات فانه موقوف علي أسباب أخر من وجود محل قابل وأسباب أخر تنضم الى ذلك السبب وكذلك حصول الولد موقوف علي عدة أسباب غير وطء الفحل وكذلك جميع الأسباب مع مسبباتها فكل ما يخاف ويرجى من المخلوقات فأعلي غاياته أن يكون جزء سبب غير مستقل بالتأثير ولا يستقل بالتأثير وحده دون توقف تأثيره علي غيره الا الله الواحد القهار فلا ينبغى أن يرجى ولا يخاف غيره وهذا برهان قطعى على أن تعلق الرجاء والخوف بغيره باطل فانه لو فرض ان ذلك سبب مستقل وحده بالتأثير لكانت سببيته من غيره لا منه فليس له من نفسه قوة يفعل بها فانه لا حول ولا قوة الا بالله فهو الذى بيده الحول كله والقوة كلها فالحول والقوة التى يرجى لاجلهما المخلوق ويخاف انما هما لله وبيده فى الحقيقة فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فانه على قدر خوفك من
غير الله يسلط عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهذا حال الخلق أجمعه وان ذهب عن أكثرهم علما وحالا فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة
التوحيد مفزع اعدائه واوليائه فاما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البر اذا هم يشركون واما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها ولذلك فزع اليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع اليه اتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون فى الدنيا وما أعد لهم فى الآخرة ولما فزع اليه فرعون عند معاينة الهلاك وادراك الغرق له لم ينفعه لان الايمان عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله فى عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التى ما دعا بها مكروب الا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى فى الكرب العظام الا الشرك ولا ينجى منها الا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها وبالله التوفيق فائدة اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فكلما كانت الرغبة فى المحبوب والشوق اليه أقوى كانت اللذة بالوصول اليه أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به فكلما كان العلم به اتم كانت محبته أكمل فإذا رجع كمال النعيم فى الآخرة وكمال اللذة الى العلم والحب فمن كان يؤمن بالله واسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب وكانت لذته بالوصول اليه مجاورته والنظر الي جهه وسماع كلامه أتم وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالاضافة الى ذلك كقطرة فى بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام علي لذة عظيمة دائمة ابد الآباد وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب وافضل العلم العلم بالله وأعلى الحب الحب له وأكمل اللذة بحسبهما والله المستعان
قاعدة
طالب الله والدار الآخره لا يستقيم له سيره وطلبه الا بحبسين حبس قلبه فى طلبه ومطلوبه وحبسه عن الالتفات الى غيره وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه علي ذكر الله وما يزيد فى ايمانه ومعرفته وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن الى أوسع فضاء وأطيبه ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما الى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا فكل خارج من الدنيا اما متخلص من الحبس واما ذاهب الي الحبس وبالله التوفيق
ودع ابن عون رجلا فقال عليك بتقوي الله فأن المتقى ليست عليه وحشة وقال زيد بن أسلم كان يقال من أتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا وقال الثوري لابن أبي ذئب ان أتقيت الله كفاك الناس وان اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئا وقال سليمان بن داود أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من تقوي الله فى السر والعلانية والعدل فى الغضب والرضا والقصد فى الفقر والغنى وفى الزهد للامام احمد أثر الهى ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني الا قطعت أسباب السموات والأرض دونه فان سألنى لم أعطه وان دعاني لم أجبه وان استغفرني لم أغفر له وما من مخلوق اعتصم بي دون خلقى الا ضمنت السموات والأرض رزقه فأن سألنى أعطيته وان دعاني أجبته وان استغفرني غفرت له
فائدة جليلة جمع النبى بين تقوي الله وحسن الخلق لان تقوى الله
يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو الي محبته
فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن
نفسه وخطوة عن الخلق فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله فلا يلتفت الا الى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة اليه
صاح بالصحابة واعظ اقترب للناس حسابهم فجزعت للخوف قلوبهم فجرت من الحذر العيون فسالت أودية بقدرها تزينت الدنيا لعلي فقال أنت طالق ثلاثا لا رجعة لي فيك وكانت تكفيه واحده للسن لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور للهوى جواز المراجعه ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة حديث لعن الله المحلل
ما فى هذه الدار موضع خلوة فاتخذه فى نفسك لا بد ان تجذبك الجواذب فاعرفها وكن منها على حذر لا تضرك الشواغل اذا خلوت منها وأنت فيها نور الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه الطريق الى الله خال من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور بأهل اليقين والصبر وهم على الطريق كالأعلام وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
قاعدة لشهادة ان لا اله الا الله عند الموت تأثير عظيم فى تكفير
السيئات واحباطها لانها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها واقبلت بعد اعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصا على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدى ربها وفاطرها ومولاها الحق اذل ما كانت له وارجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته وتجرد
منها التوحيد بانقطاع اسباب الشرك وتحقق بطلانه فزالت منها تلك المنازعات التى كانت مشغولة بها واجتمع همها علي من ايقنت بالقدوم عليه والمصير اليه فوجه العبد وجهه بكليته اليه واقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم وحده ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته فقال لا اله الا الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات الي ما سواه قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الآخره فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وادخلته علي ربه لانه لقى ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة علي هذا الوجه فى أيام الصحة لاستوحش من الدنيا واهلها وفر الى الله من الناس وانس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياه واسبابها ونفس مملوءه بطلب الحظوظ والالتفات الى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبا آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمى والله المستعان
ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بأذنه ومشيئته فلا يتحرك الا باذنه ولا يفعل الا بمشيئته ان وكله الى نفسه وكله الي عجز وضيعه وتفريط وذنب وخطيئة وان وكله الى غيره وكله الى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وان تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله اسيرا له فهو لا غنى له عنه طرفة عين بل هو مضطر اليه علي مدى الأنفاس فى كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا فاقته تامة اليه ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه يتبغض اليه بمعصيته مع شدة الضرورة اليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا واليه مرجعه وبين يديه موقفه
فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك فان الرزق والأجل قرينان مضمونان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا واذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا اطيب والذ من الأول لبنا خالصا سائغا فاذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا اربعة أكمل منها طعامان وشرابان فالطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من المياه والألبان وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ فاذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيدا طرقا ثمانية وهى ابواب الجنة الثمانية يدخل من ايها شاء فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا الا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك لغير المؤمن فأنه يمنعه الحظ الأدني الخسيس ولا يرضي له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنيئا وبقلة الرغبة في الآجل وان كان عليا ولو انصف العبد ربه وانى له بذلك لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك فما منعه الا ليعطيه ولا ابتلاه الا ليعافيه ولا امتحنه الا ليصافيه ولا أماته الا ليحييه ولا أخرجه الي هذه الدار الا ليتأهب منها للقدوم عليه وليسلك الطريق الموصلة اليه فجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر او أراد شكورا وأبى الظالمون الا كفورا والله المستعان من عرف نفسه اشتغل باصلاحها عن عيوب الناس من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالاخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق
دخل الناس النار من ثلاثة أبواب باب شبهة اورثت شكا في دين الله وباب شهوة اورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه
أصول الخطايا كلها ثلاثة الكبر وهو الذى أصار ابليس الي ما أصاره والحرص وهو الذى أخرج آدم من الجنة والحسد وهو الذى جرأ أحدا بني آدم علي أخيه فمن وقى شر هذه الثلاثة فقد وقى الشر فالكفر من الكبر والمعاصى من الحرص والبغى والظلم من الحسد
جعل الله بحكمته كل جزء من أجزاء ابن آدم ظاهرة وباطنة آلة لشيء اذا استعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر والاذن آلة للسماع والأنف آلة للشم واللسان آلة للنطق والفرج للنكاح واليد للبطش والرجل للمشى والقلب للتوحيد والمعرفة والروح للمحبه والعقل آلة للتفكر والتدبر لعواقب الامور الدينية والدنيويه وايثار ما ينبغى ايثاره وأهمال ما ينبغى اهماله
أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس فى السنن من حديث أبي سعيد يرفعه اذا أصبح ابن آدم فان الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فأنما نحن بك فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا قوله تكفر اللسان قيل معناه تخضع له وفى الحديث ان الصحابة لما دخلوا علي النجاشي لم يكفروا له أى لم يسجدوا ولم يخضعوا ولذلك قال له عمرو بن العاص أيها الملك انهم لا يكفرون لك وانما خضعت للسان لانه بريد القلب وترجمانه والواسطة بينه وبين الأعضاء وقولها انما نحن بك أي نجاتنا بك وهلاكنا بك ولهذا قالت فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا
فصل جمع النبى فى قوله فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب بين مصالح
الدنيا والآخرة ونعيمها ولذاتها انما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء فى طلب الدنيا انما ينال بالاجمال في الطلب فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها ومن أجمل فى الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها فالله المستعان
قد نادت الدنيا علي نفسها ... لو كان فى ذا الخلق من يسمع
كم واثق بالعيش أهلكته ... وجامع فرقت ما يجمع
فائدة جمع النبي بين المأثم والمغرم فان المأثم يوجب خسارة الآخرة
والمغرم يوجب خسارة الدنيا
فائدة قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا علق سبحانه الهداية
بالجهاد فاكمل الناس هداية أعظمهم جهادا وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوي وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا فمن جاهد هذه الاربعة فى الله هداه الله سبل رضاه الموصلة الي جنته ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد قال الجنيد والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الاخلاص ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر الا من جاهد هذه الأعداء باطنا فمن نصر عليها نصر على عدوه ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه
فصل القى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين
العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ودولا بين الفريقين الى أن يستولى أحدهما علي الآخر ويكون الآخر مقهورا معه فاذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم واذا كانت النوبة للنفس والهوي والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فانزله عن سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له ومع هذا فلا يتحرك الملك لطلب ثأره ولا يستغيث بمن يغيثه ولا يستنجد بمن ينجده وفوق هذا الملك ملك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فارسل اليه إن استنصرتنى نصرتك وان استغثت بي اغثتك وان التجأت الي أخذت بثأرك وان هربت الى واويت الي سلطتك علي عدوك وجعلته تحت أسرك فان قال هذا الملك المأسور قد شد عدوى وثاقى وأحكم رباطى واستوثق منى بالقيود ومنعني من النهوض اليك والفرار اليك والمسير الي بابك فان أرسلت جندا من عندك يحل وثاقى ويفك قيودى ويخرجنى من حبسه امكنني أن اوافى بابك والا لم يمكننى مفارقة محبسي ولا كسر قيودى فان قال ذلك احتجاجا على ذلك السلطان ودفعا لرسالته ورضا بما هو فيه عند عدوه خلاه السلطان الأعظم وحاله وولاه ما تولي وان قال ذلك افتقارا اليه واظهارا لعجزه وذله وانه أضعف واعجز أن يسير اليه بنفسه ويخرج من حبس عدوه ويتخلص منه بحوله وقوته وأن من تمام نعمته ذلك عليه كما أرسل اليه هذه الرسالة أن يمده من جنده
ومماليكه بمن يعينه على الخلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فأن فعل به ذلك فقد اتم انعامه عليه وان تخلى عنه فلم يظلمه ولا منعه حقا هوله وان حمده وحكمته اقتضي منعه وتخليته فى محبسه ولا سيما اذا علم أن الحبس حبسه وان هذا العدو الذى حبسه مملوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بيده لا يتصرف الا باذنه ومشيئته فهو غير ملتفت اليه ولا خائف منه ولا معتقد أن له شيئا من الامر ولا بيده نفع ولا ضر بل هو ناطر الي مالكه ومتولى أمره ومن ناصيته بيده قد افرده بالخوف والرجاء والتضرع اليه والالتجاء والرغبة والرهبة فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر
أعلى الهمم فى طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد وعلم حدود المنزل وأخس همم طلاب العلم قصر همته علي تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل ولا هو واقع أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس وليس له همة الى معرفة الصحيح من تلك الأقوال وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه وأعلي الهمم فى باب الارادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الدينى الأمرى واسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله فهو انما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه فالاول يريد الله ويريد مراده والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته
علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون اليها الناس بأقوالهم ويدعونهم الى النار بافعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا اليه حقا كانوا أول المستجيبين له فهم فى الصوره أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق اذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله تابع لك يزدلف إليك أى أنواعه تبدأ به واذا كان حظك ما تنال منه فالفضل موقوف عنك لانه بيده تابع له فعل من أفعاله فإذا حصل لك حصل لك الفضل بطريق الضمن والتبع واذا كان الفضل مقصودك لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع فأن
كنت قد عرفته وأنست به ثم سقطت الى طلب الفضل حرمك اياه عقوبة لك ففاتك الله وفاتك الفضل
فصل لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل فى حصر النصر
فعبثت أيدى سراياه بالنصر فى الأطراف فطار ذكره فى الآفاق فصار الخلق معه ثلاثة أقسام مؤمن به ومسالم له وخائف منه ألقى بذر الصبر فى مزرعة فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل فاذا أغصان النبات تهتز بخزامي والحرمات قصاص فدخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم الا الحدق والصحابة على مراتبهم والملائكة فوق رؤوسهم وجبريل يتردد بينه وبين ربه وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لاحد سواه فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم واذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك فاخرجوه ثاني اثنين
دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذى رفعت اليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت اليه الملوك أعناقها فدخل مكة مالكا مؤيدا منصورا وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر فى الرمضاء على جمر الفتنة فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله أحد أحد ورفع صوته بالاذان فأجابته القبائل من كل ناحية فاقبلوا يؤمون الصوت فدخلوا فى دين الله أفواجا وكانوا قبل ذلك يأتون آحادا فلما جلس الرسول على منبر العز وما نزل عنه قط مدت الملوك أعناقها بالخضوع اليه فمنهم من سلم اليه مفاتيح البلاد ومنهم من سأله الموادعة والصلح ومنهم من أقر بالجزيه والصغار ومنهم من أخذ فى الجمع والتأهب للحرب ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى اليه فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الامانة وجاءه منشور انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك
الله نصرا عزيزا وبعده توقيع اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا جاءه رسول ربه يخبره بين المقام في الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء ربه شوقا اليه فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا كزينة المدينه يوم قدوم الملك اذا كان عرش الرحمن فقد اهتز لموت بغض اتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه فكيف بروح سيد الخلائق فيا منتسبا الى غير هذا الجناب ويا واقفا بغير هذا الباب ستعلم يوم الحشر اى سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر
فصل يا مغرورا بالاماني لعن ابليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحده
امر بها واخرج آدم من الجنه بلقمة تناولها وحجب القاتل عنها بعد ان رآها عيانا بملء كف من دم وامر بقتل الزاني اشنع القتلات بايلاج قدر الانملة فيما لا يحل وأمر بأيساع الظهر سياطا بكلمة قذف او بقطرة سكر وابان عضوا من اعضائك بثلاثة دراهم فلا تأمنه ان يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ولا يخاف عقباها دخلت امرأة النار في هرة وان الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالا يهوي بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب وان الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فأذا كان عند الموت جار في الوصيه فيختم له بسوء عمله فيدخل النار العمر بىخره والعمل بخاتمته من احدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعا ومن أساء في آخر عمره لقى ربه في ذلك الوجه لو قدمت لقمه وجدتها ولكن يؤذيك الشره كم جاء الثواب يسعى اليك فوقف بالباب فرده بواب سوف ولعل وعسى كيف الفلاح
بين ايمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد وهوى مستيقظ وعقل راقد ساهيا في غمرته عمها في سكرته سابحا في لجة جهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر الناس فاكهته وقوته وذكر الله حبسه وموته لله منه جزء يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره
لا كان من سواك فيه بقية ... يجد السبيل بها اليه العذل
فصل كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم وآخر
المخلوقات وفي ذلك حكم أحدها تمهيد الدار قبل الساكن الثانية انه الغاية التي خلق لاجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر الثالثة ان احذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه باساسه ومبادئه الرابعة ان النفوس متطلعة الى النهايات والأواخر دائما ولهذا قال موسي للسحرة ولا القوا ما انتم ملقون فلما راى الناس فعلهم تطلعوا الى ما يأتي بعده الخامسة ان الله سبحانه أخر أفضل الكتب والانبياء والأمم الى آخر الزمان وجعل الآخرة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بين قول الملك للرسول اقرا فيقول ما انا بقاريء وبين قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم السادسة ان سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم فهو العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير السابعة ان خلاصة الوجود وثمرته فناسب ان يكون خلقه بعد الموجودات الثامنة ان من كرامته علي خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته فما رفع رأسه الا وذلك كله حاضر عتيد التاسعة انه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدمها عليه في الخلق ولهذا قالت الملائكة ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا اكرم عليه منا فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم والمعرفة فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل
قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنه فلما تاب الى ربه وأنى بتلك العبودية علمت الملائكة ان لله في خلقه سرا لا يعلمه سواه العاشرة انه سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الانسان فان القلم آلة العلم والانسان هو العالم ولهذا اظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل هبوطه الى الأرض ونبه الملائكة على فضله وشرفه ونوه باسمه قبل ايجاده بقوله اني جاعل في الأرض خليفة وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل وجوده وأقام عذره قبل الهبوط بقوله في الأرض والمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة لان داب المحب الوقوف على باب الحبيب رمى به في طريق ذل لم يكن شيئا لئلا يعجب يوم اسجدوا كان أبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول لأمر قد خلقت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك ولم يعلم ان هلاكه على يده رأى طينا مجموعا فاحتقر فلما صور الطين صورة دب فيه داء الحسد فلما نفخ فيه الروح مات الحاسد فلما بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدعى
ونحن نسبح الي حاكم أنبئوني وقد أخفى الوكيل عنه بينة وعلم فنكسوا رؤوس الدعاوى على صدور الاقرار فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادى اسجدوا فتطهروا من حديث دعوي ونحن بماء العذر في آنية لا علم لنا فسجدوا على طهارة التسليم وقام ابليس ناحية لم يسجد لانه خبث وقد تلون بنجاسة الاعتراض وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير لانها عينية فلما تم كمال آدم قال لا بد من خال جمال على وجه اسجدوا فجرى القدر بالذنب ليتبين اثر العبودية في الذل يا آدم لو عفى لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون كيف فضل ذو شره لم يصبر على شجرة لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل هل من وسائل ولا فاحت
روائح ولخلوف فم الصائم فتبين حينئذ ان ذلك التناول لم يكن عن شره يا آدم ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف لنا ما ضر من كسره عزى اذا جبره فضلي انما تليق خلعة العز ببدن الانكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي مازالت تلك الأكلة تعاده حتى استولى داؤه على أولاده فأرسل اليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى فحماهم الطبيب بالمناهى وحفظ القوة بالأوامر واستفرغ اخلاطهم الرديئه بالتوبة فجاءت العافية من كل ناحية
فيا من ضيع القوة ولم يحفظها وخلط في مرضه وما احتمى ولا صبر على مرارة الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك فالداء مترام الى الفساد لو ساعد القدر فاعنت الطبيب علي نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات ولك بخار الشهوة غطى عين البصيرة فظننت ان الحزم بيع الوعد بالنقد يالها بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد سافرت في طلب الدنيا وهى عنها زائلة وقعدت عن السفر الى الآخرة وهى اليها راحلة اذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم بانه سفيه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق